استكمالاً لما تناولناه في الحلقتين السابقتين حول هندسة الدم على الطريقة الصهيونية ، هذا الأسبوع نعرض وجها آخر من سياسة الاغتيالات التي انتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد القيادات والكوادر الفلسطينية، نقف في هذه الحلقة أمام ملف بالغ الخصوصية والقسوة وهو استهداف المرأة الفلسطينية.
لم تكن المرأة الفلسطينية يوماً مجرد "ضحية للأحداث" أو رقماً على هامش المشهد، بل كانت ولا تزال في قلب المعركة، مناضلة، ومفكرة، وأسيرة، وأمّاً للشهداء، وحارسة للرواية. ولأنها تمثل عصب الصمود وبوصلة الاستمرارية الديموغرافية والمعنوية، وضعها المحتل في دائرة الاستهداف المباشر، ومارس بحقها أشكالاً متعددة من الاغتيالات، تراوحت بين الاغتيال المباشر بالرصاص والصواريخ، والاغتيال البطيء داخل زنازين العزل، وصولاً إلى ملاحقة المحررات.
*الاغتيال داخل الوطن* إسكات الصوت وكسر الرمزية
لم يتردد الاحتلال يوماً في توجيه بنادقه نحو النساء داخل الأراضي الفلسطينية، سواء كنّ ناشطات، أو إعلاميات، أو مسعفات، أو أمهات.
*شهيدات الكلمة والميدان* (الاغتيال المباشر داخل الجغرافيا)
نذكر بعض الأمثلة المعاصرة على الأغتيال المباشر والعلني في غزة خلال حرب الإبادة الأخيرة والعدوان المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تم استهداف النساء بشكل ممنهج، سواء كن طبيبات أو أكاديميات أو حتى أمهات داخل منازلهن ومراكز الإيواء، في سياسة تهدف إلى محو بنية العائلة الفلسطينية واغتيال مستقبلها.، لم يكن خطأً عسكرياً، بل كان اغتيالاً متعمداً لعين الحقيقة ولصوت المرأة الفلسطينية الذي وصل إلى كل بيت عربي ودولي.
"شيرين أبو عاقلة" أيقونة الصحافة الفلسطينية. لم تُقتل برصاصة طائشة، بل تم قنصها في جنين (مايو 2022) برصاصة حاقدة استهدفت النقطة المكشوفة أسفل الخوذة، في اغتيال مع سبق الإصرار لـ "صوت وصورة" المعاناة الفلسطينية.
"هبة أبو ندى" روائية وشاعرة فلسطينية ارتقَت في غزة (أكتوبر 2023). يمثل استهدافها اغتيالاً متعمداً للقوة الناعمة، وللذاكرة الثقافية والأدبية الفلسطينية التي توثق الرواية وتواجه السردية الصهيونية.
"رزان النجار" مسعفة شابة تم قنصها بدم بارد على حدود غزة (2018) أثناء أداء واجبها الإنساني، في رسالة واضحة بأن الشارة الطبية البيضاء لا تمنح صاحبتها أي حصانة أمام بنك الأهداف الإسرائيلي.
**الاغتيال الممتد إلى المنافي وخارج الجغرافيا**
لم يقتصر بنك أهداف "الموساد" وأجهزة المخابرات على الساحة الداخلية، بل امتد ليلاحق الفلسطينيات في الشتات والمنافي.
المرأة الفلسطينية التي نشطت سياسياً في صفوف الثورة خارج فلسطين، أو التي قادت حملات طلابية ونقابية في الجامعات الأوروبية والعربية، وُضعت تحت مجهر المراقبة الدائمة.
تعرضت العديد من الناشطات والقياديات الفلسطينيات في الخارج لحملات ترهيب، وتهديد بالقتل، واغتيال معنوي متواصل، وفي حالات عدة تم استهدافهن بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن شبكات الكوادر التي تمت تصفيتها في بيروت، وباريس، وأثينا، وغيرها من العواصم، لأن إسرائيل تدرك أن عقل المرأة الفلسطينية في الخارج يشكل جبهة لا تقل خطورة عن البندقية في الداخل.
"رسمية النجار ،أم يوسف" زوجة القائد الفلسطيني كمال عدوان (أبو يوسف النجار). تم اغتيالها برصاص فرقة الكوماندوز الإسرائيلية (التي قادها إيهود باراك) في عملية "فردان" الشهيرة ببيروت عام 1973، حيث ارتقت وهي تحاول حماية زوجها، لتكون شاهدة على امتداد يد الموساد لتصفية القيادات وعائلاتهم في الشتات.
الاغتيال المعنوي والسياسي (حالة مريم أبو دقة وأحلام التميمي) في الشتات، لا يقتصر الاغتيال على الرصاص. المناضلة مريم أبو دقة تعرضت مؤخراً لحملة ترهيب واعتقال ثم إبعاد من فرنسا لمنع صوتها من الوصول لأوروبا. وكذلك المحررة أحلام التميمي التي تواجه محاولات مستمرة لاغتيال حريتها عبر ضغوط أمريكية وإسرائيلية متواصلة لتسليمها، مما يعكس سياسة الملاحقة العابرة للقارات.
**الاغتيال البطيء خلف القضبان - الموت بصمت**
أما في غياهب السجون الإسرائيلية، فتأخذ سياسة الاغتيال شكلاً أشد قسوة ووحشية يُعرف بـ "الاغتيال البطيء" أو الإعدام خارج نطاق القانون عبر سياسة الإهمال الطبي المتعمد.
الأسيرات الفلسطينيات يتعرضن لظروف قهرية، وعزل انفرادي، وتعذيب نفسي وجسدي يُقصد به تدمير أجسادهن وأرواحهن ببطء.
أبرز شاهد على هذه الجريمة هي الأسيرة الشهيدة "سعدية فرج الله" (68 عاماً)، والتي ارتقت شهيدة في سجن "الدامون" منتصف عام 2022. كانت الشهيدة سعدية، وهي أكبر الأسيرات سناً في حينها، تعاني من أمراض مزمنة، وتُركت بلا رعاية طبية حقيقية تتألم بصمت لتسقط في ساحة الفورة وتدخل في غيبوبة انتهت باستشهادها. هذا النمط من الإهمال ليس خللاً إدارياً، بل هو قرار مسبق بالاغتيال يُنفذ بأدوات طبية.
"إسراء جعابيص" قبل تحررها، مثلت حالتها أبشع صور محاولات الاغتيال البطيء. اعتقلتها قوات الاحتلال بعد أن التهمت النيران أجزاء كبيرة من جسدها ووجهها، وتُركت لسنوات في السجن تواجه الألم والتشوهات دون تقديم العمليات الجراحية الماسة لها، في محاولة لقتلها نفسياً وجسدياً كل يوم.
"فاطمة طقاطقة" طفلة (15 عاماً) أطلق عليها الاحتلال الرصاص عند مفرق "عتصيون"، وتم اعتقالها وهي تنزف، لترتقي شهيدة في مستشفيات الاحتلال (2017) تحت الحراسة العسكرية، مقيدة بالسرير الطبي.
**ملاحقة الأسيرات المحررات - حرية تحت وقف التنفيذ**
ملاحقة المحررات والقياديات واغتيالهن (حرية بالدم)
من أشد السياسات الإسرائيلية انتقاماً، هي ملاحقة من كُتبت لهن الحرية. خروج الأسيرة من السجن لا يعني خروجها من دائرة الاستهداف.
في الحروب والاجتياحات، يتم التركيز على استهداف منازل الأسرى والأسيرات المحررات، وقد سجلت سجلات الحرب في غزة والضفة الغربية اغتيال العديد من المحررين والمحررات بشكل مباشر عبر قصف منازلهم أو خيام نزوحهم، في تصفية حسابات علنية.
"غفران وراسنة" صحفية وأسيرة محررة. لم تكد تمضي سوى أشهر قليلة على تحررها من سجون الاحتلال، حتى تم إعدامها بدم بارد رمياً بالرصاص عند مدخل مخيم العروب (يونيو 2022) وهي في طريقها لعملها، في تجسيد حرفي لسياسة ملاحقة من تحرروا.
"خالدة جرار" الأسيرة والمحررة والقيادية خالدة جرار، تعرضت لسلسلة من الاعتقالات الإدارية التعسفية لمنعها من ممارسة أي دور سياسي. تجلى الاغتيال النفسي والروحي لها حينما توفيت ابنتها "سهى" وهي داخل السجن، ورفض الاحتلال السماح لها بوداع ابنتها، في سادية تهدف إلى تدمير روح المرأة القيادية بعد الفشل في كسرها جسدياً.
**الاغتيال المعنوي والمجتمعي**
المحررات في القدس والضفة الغربية يخضعن لسياسة "تدمير الحياة"، عبر الاستدعاءات المتكررة، وفرض الإقامات الجبرية، والمنع من السفر، والإبعاد عن المسجد الأقصى والمدن، وفرض غرامات باهظة بهدف استنزافهن مالياً ونفسياً، ومنعهن من استعادة حياتهن الطبيعية أو العودة إلى مقاعد الدراسة أو العمل. يتم إعادة اعتقالهن تحت مسمى "الاعتقال الإداري" لسرقة أعمارهن مرة أخرى.
إن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية الموجهة ضد المرأة الفلسطينية، بكل تفاصيلها ودمويتها، تعكس حالة من "الرعب" الإسرائيلي من دور هذه المرأة. إنها ليست مجرد محاولة لقتل جسد، بل محاولة بائسة لاغتيال فكرة، ووأد حكاية، وقطع شريان الصمود. ورغم كل هذا الموت الممنهج داخل زنازين الدامون أو في شوارع الشتات وأزقة المخيمات، تبقى المرأة الفلسطينية صامدة، تنهض من بين الركام لترتب فوضى الحرب، وتُكمل المسيرة.
--------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






