10 - 05 - 2026

ضوء | العنوسة

ضوء | العنوسة

إن ظاهرة العنوسة واضحة للعيان، ويُطلق هذا الوصف على المرأة التي تعدت سنّ الزواج، في حين أنه اجتماعيًا لا يُطلق على الرجل الذي تعدى عمره الخمسين مثلًا، ذلك أن المفهوم الاجتماعي الشائع في المجتمع، أن الرجل لا يعيبه إلا جيبه. ويعاني كل من الرجل والمرأة العانس، من ضياع بعض من حقوقهم، فلا يُحتسب لهم أي شيء قانونيًا، لا يحق لهم وحدة سكنية، لا أرض، لا بيت ولا حتى شقة سكنية، ولا علاوات اجتماعية، بل حتى طلب قرض من وزارة الإسكان لا يحق لهم مثل قرض مزايا. ولكن تعاني المرأة الأمرين في الإرث إذا توفى والداها، خاصة إذا كان أخوتها بحاجة إلى السكن في بيت العائلة.

لكن كيف نحلّ مشكلة العنوسة؟ هل تُحل بتعدد الزوجات؟ البعض يدعو إلى التعدد بهدف التقليل من العنوسة، وحججهم كالتالي:

*عدد الرجال أكثر، والحجة هذه مردود عليها، لأن أغلب المجتمعات الطبيعية يتساوى فيها الذكور مع الإناث، أما المجتمعات التي تتدخل فيها أيادي الشرّ الإنسانية لصنع الصراعات الداخلية الطائفية والحروب الخارجية، التي تكون ضحيتها الشعوب، حتمًا تكون فيها نسبة النساء أكثر.

من يصنع الحروب غالبًا؟ أليس الرجال؟ وعلى النساء وحدهن أن يتحملن وزرها، ليتزوج الرجل العديد من الزوجات.

* والحجة الثانية: إن طباع النساء تختلف من واحدة إلى أخرى، فإذا لم يجد الرجل المواصفات المطلوبة في الزوجة الأولى يتزوج الثانية، وإن لم يجدها في الثانية يتزوج الثالثة، وهلم جرا!

ويتناسون إن طباع الرجال تختلف من رجل إلى آخر أيضًا، فماذا تفعل الزوجة إن وجدت زوجها لا يتناسب تمامًا مع طباعها ولا أخلاقها؟

القرآن الكريم وضع شروطًا للتعدد أهمها: صون حقوق اليتامى والأرامل، وأن تكون الزوجة الأولى مريضة مما يمنعها من القدرة على تلبية الحقوق الزوجية الشرعية للزوج، أو إذا كانت المرأة عاقرًا لا تستطيع الإنجاب، كما وضع شرط موافقة الزوجة الأولى للاقتران بالثانية.

والأهم إن القرآن الكريم وضع الشرط الأساسي للتعدد، ألا وهو العدل، لكن من يطبّقه؟ كاذب من يدّعي أنه يعدل، لأن النص القرآني يقول صراحة "ولن تعدلوا ولو حرصتم".

التعدد سلبياته أكثر من إيجابياته، ولقد تم تفسير الآية الكريمة المعروفة بصورة تتناسب مع رغبات وأهواء الرجال، وخاصة رجال الدين، الذين أغلبهم لديهم أربع زوجات، وبعضهم يحلّ لنفسه أن يتزوج ويطلق عشرات المرات.

أيضًا من أسباب العنوسة غلاء المهور، ونحن ضد ذلك، وضد البذخ والتباهي بالمتطلبات التي تفرضها أسرة الزوجة المواطنة، وكأن ابنتهم بضاعة يتم المفاصلة في قيمتها، مع إن العديد من الأسر الخليجية يهمها الإنسان عند اختيار الزوج لابنتهم وليس المال، لكن للأسف هناك أيضًا بعض الأسر التي تعتبر الزواج صفقة تجارية! لذا يضطر الرجل إلى الزواج من جنسية أخرى سواء أجنبية أو عربية.

* والحجة الثالثة بقولهم إن الرجال المتزوجون في الغرب يمارسون التعدد بالحرام ولديهم عشيقات، وحتى النساء المتزوجات لديهن عشاق، لذا فإن التعدد أمر واقعي ومُطبّق في الغرب قبل الشرق.

ويتناسون إن في الغرب أيضًا هناك آلاف الزيجات الطبيعية التي ليس بها خيانة، كما في الشرق، وذلك مرهون بوعي الطرفين، لكن في الغرب الحقوق متساوية تمامًا بين الرجل والمرأة، وكلاهما يُعامل قانونيًا كإنسان، فلا تمييز في الجنس أو العرق أو الدين ولا حتى في الإرث والحضانة.

لكلا المجتمعين الشرقي والغربي خصوصية، وثقافة وعادات وأفكار، نابعة من البيئة والأوضاع السياسية والاجتماعية والقانونية، فالمجتمع الغربي يحترم الحرية في الرباعية الطبيعية: الأكل والشرب والنوم والجنس، وهذه الحرية مقرونة بالمسؤولية، أي أنه على كل فرد أن يمارس حريته بشرط ألا يتعدى على حرية الآخرين، والقانون يُطبق على الجميع.

أما المجتمع العربي، فالإنسان ليس حرًا حتى في مأكله ومشربه، الكل يراقب الآخر، والتمييز بين الرجل والمرأة واضح وعلني، والقانون لا يُطبق على الجميع للأسف، لأن هناك بشر فوق القانون، ويمكنهم أن يتعدوا على حريات الآخرين بلا حسيب ولا رقيب.

* والبعض يطرح أن تعدد الزوجات ستر للفتاة، والحقيقة إن القرآن لم يُسمِ الزواج سترًا، بل لباس ومودة وسكن ورحمة، فإذا الرجل لم يرحم زوجته الأولى، ولم يتودد إليها، ولم تسكن إليه وتشعر بالأمان معه، فهل سيفعل ذلك مع الزوجة الثانية؟

ونقترح بعض الحلول، مثلًا: تشكيل إدارة حكومية مسئولة عن المشكلات الأسرية، من السهل التواصل معها، بحيث يستطيع أي مواطن ومواطنة اللجوء إليها للفصل في المشكلة وإعطاء كل ذي حق حقه، وحفظ كرامة كلا الطرفين.

وفي البحرين، يوجد في وزارة العدل والشئون الإسلامية، محكمة الأسرة تعني بهذا الشأن، كما توجد لجنة التوافق الأسري، وتوجد العديد من المراكز الاستشارية والقانونية في مؤسسات المجتمع المدني، والتي تعمل طواعية للتوفيق بين الزوجين، مثل مركز عائشة يتيم ومركز مودة ومركز تفوق ومركز الاستشارات وغيرها، في مختلف الجمعيات النسائية، لكننا نتمنى أن يكون في كل قرية ومدينة مركزًا مشابهًا، يعني بهذا الشأن، لكي يستطيع كل أفراد الأسرة التواصل معهم بسهولة ويسر، لحلّ المشكلة بشكل سريع وعاجل.

أثناء الحرب العراقية الإيرانية، سنّ النظام العراقي آنذاك قانونا يشجع الزواج من أرامل الشهداء وتتكفل الدولة بكل شيء، وتوفر الدولة للزوج العربي تسهيلات الإقامة والعمل.  

التشريعات والقوانين يمكن أن تساهم في حلّ جزئي، للتقليل من مشكلة العنوسة، كما فعلت بعض الدول، مثل قطر والإمارات وعمان، وذلك بتقديم هبة أو قرض حسن وبدون أرباح، للمواطنين المقبلين على الزواج من الطرفين.

لكن بعض الدول العربية تعاني من أوضاع اقتصادية متردية، بسبب الحروب، أو الفساد والسرقات، وميزانيتها مختلة ولا يمكنها تطبيق مثل هذه التشريعات، لأنها تشكل عبئا إضافيًا عليها، فالأولوية بالنسبة لهم ليس المواطن، بل القلة القليلة التي يجب ألا تفقد أية امتيازات، وتعيش على حساب معاناة الشعب.

نحن مع الزواج الأحادي، وأي رجل غير سعيد في حياته الزوجية من الأفضل له ولزوجته وأسرته أن يتم الانفصال، بشرط موافقة الزوجة، وأن يُلزم فعليًا بالإنفاق على أطفاله، ثم يستطيع أن يتزوج ممن يرغب فيما بعد، والزوجة أيضًا تقترن بمن تريد، ولكل حالة خصوصيتها.

وحتمًا إن تعدد الزوجات لا يساهم في حلّ مشكلة العنوسة، لأن الوضع في اليمن والعراق وسوريا على سبيل المثال، وكل الدول التي تعاني من الحروب والفقر، أصبحت فيها نسبة الرجال أقل من نسبة النساء كثيرًا، فكل عشر نساء يقابلهن رجل واحد، فهل على كل رجل أن يقترن بعشر نساء لكي يحل المشكلة؟

البعض يقترح فرض ضريبة رمزية مثل خصم دينار واحد من العاملين في جميع القطاعات لصالح القضاء على العنوسة، ولتزويج الشباب العاجزين عن توفير التكاليف، وهذا يُكلّف الدولة أقل من كلفة بدل التعطل وفائدته أكبر، والحقيقة إننا ضد فرض رسوم أيا كانت على المواطن.

ونعتقد إن علينا أولاً وضع قوانين تحفظ كرامة كل من الرجل العانس، والمرأة غير المتزوجة والتي تعدت الخمسين مثلًا، والتعامل معهم مثل بقية المواطنين، مع أهمية العمل على حلّ المشاكل الأساسية الجذرية، المتمثلة في الفقر والجهل والفساد والحروب، ومن بعدها تُحل مختلف المشكلات الثانوية بشكل تلقائي.
-----------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | العنوسة