08 - 05 - 2026

الخليج أمام لحظة كاشفة: زمن الحماية الأمريكية انتهى!

الخليج أمام لحظة كاشفة: زمن الحماية الأمريكية انتهى!

بعد اختبار الصواريخ الإيرانية.. متى يبدأ سباق البحث عن بدائل
- د. جمال سلامة: فاعلية المظلة الأمريكية في الخليج أمام اختبار صعب.. وواشنطن تسعى لدمج إسرائيل كـعنصر فاعل بالمنطقة
ـ د. عمرو هاشم ربيع: الاتفاقات الإبراهيمية أفقدت المنطقة بوصلتها.. واحتواء إيران كان أجدى من صفقات السلاح المليارية
ـ السفير رؤوف سعد: الخليج وقع في فخ المظلة الأمريكية.. وقناة السويس هي المركز الجديد لصناعة الأمن العربي الشامل
ـ السفير السيد شلبي:  العدوان الإيراني يمنح الدفاع العربي المشترك مشروعية قومية.. والنظام الإقليمي بحاجة لبناء جديد يتجاوز تصدعات الماضي

لم تعد صورة اليوم في الخليج كما كانت.. فالنصعيد الأخير والضربات التي طالت عمق دول كانت تصنف لسنوات طويلة باعتبارها محمية ضمن مظلة أمنية دولية فتحا بابا واسعا من الأسئلة الصعبة.. هل ما زالت التحالفات التقليدية قادرة على توفير الحماية؟ ام ان المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تتآكل فيها الضمانات القديمة؟

لأول مرة منذ عقود.. يبدو ان الفكرة التي قامت عليها معادلة الاستقرار الخليجي وهي الاعتماد على قوة كبرى لضمان الأمن مقابل الاستقرار الاقتصادي والسياسي تواجه اختبارا حقيقيا... ليس فقط بسبب طبيعة التهديدات المتطورة بل أيضا بسبب حدود الاستجابة.. وتغير أولويات القوى الكبرى نفسها… 


دخان يتصاعد من موقع ضربات إيرانية في الدوحة، قطر. 1 مارس

في هذا السياق.. لم يعد السؤال ماذا حدث؟ بل إلى أين يتجه الخليج الآن؟ هل تدفع هذه التطورات دوله إلى اعادة النظر في تحالفاتها.. والبحث عن توازنات جديدة مع قوى دولية صاعدة؟

ام تفتح الباب أمام خيار أكثر كلفة وتعقيدا يتمثل في بناء قدرات عسكرية ذاتية قادرة على فرض معادلة ردع مستقلة؟

أم أن الوقع بكل قيوده وتشابكاته قد يدفع نحو سيناريو ثالث… وهو التمسك بالتحالفات القائمة وربما تعميقها رغم كل ما كشفته الازمة من ثغرات؟

بين هذه السيناريوهات المتداخلة... يطرح هذا التحقيق قراءة معمقة لمستقبل الأمن في الخليج.. من خلال أراء خبراء ودبلوماسيين في محاولة لفهم ما إذا كنا امام لحظة عابرة… أم بداية لتحول استراتيجي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية…


السفير السيد شلبي

قضية الدفاع العربي تستعيد بريقها

في محاولة لتفكيك هذه المشهد .. يرى السفير الدكتور السيد أمين شلبي.. المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق أن قضية الدفاع العربي المشترك لم تعد مجرد ملف تاريخي مستهلك.. بل استعادت بريقها كضرورة تفرضها التهديدات الوجودية الحالية.

وأشار شلبي الي ان الحديث عن الدفاع المشترك يعيدنا إلى جذور العمل العربي في خمسينيات القرن الماضي وتحديدا مع توقيع معاهدة عام 1950.. مؤكدا أنه رغم بقاء هذا المشروع لسنوات طويلة حبيس الأدراج، إلا ان التطورات الأخيرة والضربات التي طالت العمق الخليجي منحت هذا الملف مشروعية قومية وقوة دفع غير مسبوقة.

واستطرد السفير شلبي موضحا أن الرؤية المصرية كانت استباقية في هذا الصدد.. حين دعا الرئيس السيسي في عام 2016 لبناء قوة عربية مشتركة، متوقعا أن يصبح هذا التوجه المرتكز الأساسي للتنسيق بين القوى المحورية مصر والسعودية والإمارات والأردن.. بمجرد ان تهدأ حدة المواجهة الحالية.

وحول طبيعة الاستقطاب الراهن.. لفت شلبي إلى ان المنطقة تعيش حالة حادة من المواجهة يبرز فيها تحالف الولايات المتحدة واسرائيل ضد إيران.. وهو الصراع الذي وضع دول الخليج في قلب الاستهداف بعد الاعتداءات التي طالت أمنها واقتصادها.. مضيفا أن الجهود العربية وفي مقدمتها جهود مصر.. تتركز حاليا على سياسة حصر النيران لمنع الانزلاق نحو حرب شاملة قد تعصف بالاستقرار العالمي.. معتبرا أن نتائج هذه الحرب هي التي سترسم المعالم الجديدة لمنظومة الأمن الإقليمي.

وعن حالة النظام العربي.. شدد مساعد وزير الخارجية الأسبق على ضرورة عدم إغفال التصدعات البنيوية التي عانى منها النظام الإقليمي منذ غزو الكويت وصولا لغزو العراق عام 2003.. وهي الأحداث التي قوضت اركان العمل المشترك.. معتبرا أن المرحلة القادمة لا تتطلب فقط امتصاص الصدمات بل جهودا ضخمة لإعادة بناء النظام العربي على اسس تضمن فرض معادلات الردع..

وفي ختام قراءته.. رسم شلبي ملامح سيناريو المستقبل.. مؤكدا أن دول الخليج ستتجه نحو اعادة بناء قدراتها الذاتية للتعامل مع آثار العدوان الإيراني.. لكنه أوضح ان هذا التحرك لن يكون بمعزل عن محيطه… بل سيدفع نحو تعميق الوحدة داخل مجلس التعاون مع تعزيز التنسيق الاستراتيجي مع مصر والأردن كظهير أمني لا غنى عنه في مواجهة الأطماع الاقليمية…


السفير رؤؤف سعد

حقائق جديدة تعيد صياغة المستقبل

و يقدم السفير رؤوف سعد مساعد وزير الخارجية الأسبق ومستشار وزيرة البيئة للاتفاقيات الدولية.. قراءة استراتيجية ترى أن أمن المنطقة وحدة واحدة لا تتجزأ.. مؤكدا أن الدروس المستفادة من حربي غزة وإيران كشفت عن حقائق جديدة ستعيد صياغة المستقبل...

ويستهل السفير سعد رؤيته بالإشادة بالدور المصري في أزمة غزة واصفا إياه بالدور المنفرد والمحوري الذي استطاع إدارة أعقد المعارك السياسية خلف الأبواب المغلقة... وأوضح أن مصر نجحت في تجنب فخاخ كبرى مثل التهجير أو الصدام المباشر.. محققة معادلة صعبة جمعت بين حماية الأمن القومي واستقرار الإقليم.. وهو ما مهد الطريق لتحول تدريجي من لغة الحرب إلى مسارات السلام..

وانتقل سعد إلى نقطة جوهرية تتعلق بالعلاقة الخليجية الامريكية… معتبرا أن المواجهة مع إيران كشفت عن تصدع واضح في هذا التحالف.. ويرى أن دول الخليج وجدت نفسها طرفا في حرب لم تخترها.. بل وأصبحت عرضة لاعتداءات مباشرة طالت بنيتها التحتية بسبب قواعد ودعم المظلة الامريكية التي يفترض أنها تحميها.. واصفا وضع الخليج حاليا بأنه بين المطرقة والسندان.

ولفت السفير إلى الموقف السعودي كدرس مستفاد يستحق التأمل.. حيث حددت الرياض خطوطا حمراء واضحة برفض التطبيع دون دولة فلسطينية ورفض استخدام أجوائها لضرب إيران مما يعكس إعادة نظر عميقة في مكتسبات وخسائر العلاقة مع إسرائيل وأمريكا على حد سواء. 

وفي طرح هو الأبرز في حديثه دعا سعد إلى قراءة المشهد من منظور  الجيواقتصاد.. مشيرا إلى أن الأمن الحقيقي يبدأ من الممرات الملاحية والربط التجاري.. واستشهد بالخط الملاحي (رورو) الذي يربط إيطاليا بمصر (دمياط) ومنها إلى السعودية ودول الخليج.. إضافة إلى خط (سومد) لنقل البترول السعودي لأوروبا.. ويؤكد سعد: هذا هو الامن الاقتصادي والغذائي الذي يسبق الأمن العسكري.. فقناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها أصبحت المركز الإقليمي الذي لا مثيل له في العالم.. وهي نقطة البداية الحقيقية لأي ترتيبات أمنية...

وعن السيناريوهات القادمة.. يراهن السفير رؤوف سعد على إرادة جديدة داخل جامعة الدول العربية.. معتبرا أن القوة العسكرية الضخمة المتوفرة لدى مصر مع القوات المتقدمة تكنولوجيا في الخليج تمثل باسكت أمني متكامل....

وحذر سعد من الاندفاع وراء شعارات الجيش المشترك قبل أوانها، قائلا: المدخل للمستقبل لن يكون عسكريا بالضرورة في بدايته.. بل سيكون نتيجة للترابط في التجارة والملاحة وتوطين الصناعة والذكاء الاصطناعي.. تماما كما بدأ الاتحاد الأوروبي عام 1956 بالتعاون الاقتصادي قبل الحديث عن ناتو أوروبي...

واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق قراءته بكلمات قوية، محذرا من خديعة كبرى يمارسها نتنياهو لإطالة أمد الحرب سعيا وراء نصر موهوم يحميه من السجن.. ومنبها صناع القرار إلى أن الرأي العام العربي صامت ولكنه غاضب.. وأن هذا الغضب تجاه غدر العدوان وإزاء فشل التحالفات لن يستمر صامتا للابد.. مما يستوجب فك روابط الاعتمادية الامنية الخارجية وبناء إرادة سياسية عربية مستقلة تستثمر في الموارد وتوطن الصناعة.


د. عمرو هاشم ربيع

فقدان الدول لكيانها واستقلاليتها

و يضع الدكتور عمرو هاشم ربيع.. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.. يده على مكمن الخطر في بنية النظام الإقليمي محذرا من أن غياب الأمن العربي بمعناه القومي سيؤدي بالضرورة إلى فقدان الدول لكيانها واستقلال قرارها....

ويرى ربيع أن الأزمة الحالية لا تقتصر على كونها أزمة أمنية عابرة.. بل هي أزمة في بنية النظام الإقليمي العربي ككل.. مرجعا ذلك الى فقدان البوصلة لدى بعض الأطراف التي رمت بثقلها وراء الاتفاقات الإبراهيمية والتحالفات مع الولايات المتحدة.. متجاهلة حقيقة أن المصالح العربية يجب ان تظل بعيدة عن أي ارتهان لغير الهوية العربي..  مؤكدا أن أي طرف غير عربي هو الأبعد فإذا كان الجوار الإسلامي تركيا وإيران بعيدا نسبيا.. فإن الطرف الأمريكي والإسرائيلي هو الأبعد على الإطلاق..

وشدد مستشار مركز الأهرام على ضرورة التعامل مع إيران كـ دولة باقية وقائمة تمتلك مساحات شاسعة وكتلة بشرية ضخمة.. معتبر أن الرهان على تغيير النظام هو رهان خاسر لن يغير من جوهر الصراع.. ومذكرا بأن دولة الشاه.. رغم ولائها المطلق لواشنطن كانت تمثل مخلب قط في مواجهة دول الخليج.

وأضاف ربيع: ان العداء ضد إيران يتجاوز الهوية الطائفية أو الشيعية، فحالة التنافر ستستمر سواء كان النظام إسلاميا أو علمانيا.. طالما أن هناك محاولات لتأسيس شرق أوسط جديد يسعى لدمج إسرائيل في المنظومة الأمنية للمنطقة..

وفي نقد صريح للسياسات الراهنة.. جزم ربيع بأن دول المنطقة لو استثمرت جزءا يسيرا من المبالغ الطائلة المنفقة على صفقات السلاح الغربي في احتواء وترويض إيران.. لنجحت في تجنيب المنطقة ويلات التصعيد.

ولفت ربيع إلى أن الاستقطاب الحاد مع واشنطن هو الذي ولد حالة العداء الراهنة.. رغم تأكيده على أن إيران ليست معفاة من المسؤولية.. خاصة فيما يتعلق باستهداف البنية التحتية في الخليج.. مستشهدا بإحصائيات الصواريخ والمسيرات التي أظهرت أن نصيب دول الخليج من الاستهداف كان أكبر بكثير مما وجه لإسرائيل.. وهو أمر لن تنساه شعوب المنطقة..

واختتم الدكتور عمرو هاشم ربيع قراءته بالإشارة إلى أن التهديدات الخارجية عادة ما تؤدي إلى زيادة المركزية والتعاضد الشعبي مع الأنظمة.. موضحا أن الموزاييك العرقي والإثني داخل ايران يتوحد خلف الدولة أمام التهديد الخارجي.. وهو ما يجعل محاولات إسقاط النظام من الخارج أو من خلال الضربة الأولي.. محاولات غير واقعية وتفتقر لفهم طبيعة المجتمعات في المنطقة..


د. جمال سلامة

قناعات الخليج لن تتغير

 ويقدم الدكتور جمال سلامة.. أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس.. قراءة مغايرة فيرى فيها أن دول الخليج لا تزال قانعة بالمظلة الامريكية رغم ثبوت عدم فاعليتها على أرض الواقع...

ويرى سلامة أن الاظمة الدفاعية الأمريكية التي تملا الخليج ويقوم على تشغيلها خبراء أمريكيون.. لم تمنع وصول الصواريخ والمسيرات الإيرانية إلى أهدافها وإصابة مدنيين.. مؤكدا أن هذه التحالفات لم تؤد الغرض المطلوب منها... وانتقد سلامة التناقض في الموقف الأمريكي.. لافتا إلى تصريحات ترامب حول تحميل الخليج تكلفة الحرب.. معقبا: من المفترض أن تحصل دول المنطقة على مقابل لتوفيرها تسهيلات وقواعد عسكرية على أراضيها، لكن ما يحدث هو العكس، فالولايات المتحدة هي من تحصل على الكلفة تحت مسمى حماية أمن الخليج.

وفيما يخص موازين القوى الدولية.. يتبنى أستاذ العلوم السياسية رؤية حذرة.. حيث يؤكد أنه لا توجد تعددية قطبية حقيقية حتى الآن.. ويوضح سلامة أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بزمام الأمور في ظل عجز الاتحاد الأوروبي عن التدخل في الأزمات الكبرى.. واكتفاء روسيا بالتحركات الدبلوماسية في مجلس الأمن..وانكفاء الصين على مصالحها المتاخمة لبحرها الجنوبي.. مشددا على أن العالم لا يزال أمام قطب واحد فاعل.

وحذر سلامة من أن المنطقة لا تشهد استقرارا نسبيا.. بل تمر بعملية إعادة توزيع للبنية الإقليمية تبرز فيها إسرائيل كقوة مركزية تأخذ دورا أكبر من حجمها الطبيعي.. خاصة في ظل السلام الإبراهيمي الذي تسوق له واشنطن لدمج إسرائيل كعنصر فاعل من الخليج إلى المغرب العربي...

دخان يتصاعد بعد هجوم صاروخي على مركز خدمة الأسطول الخامس الأميركي في المنامة. 28 فبراير

واختتم الدكتور جمال سلامة قراءته بالإشارة إلى أن الداخل الإقليمي هو العامل الحاكم حاليا.. مستشهدا بقدرة إيران على الصمود واستحداث اوراق ضغط مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز بهدف توزيع الألم والغرم على العالم أجمع.. في مقابل استراتيجية أمريكية تحاول محاصرة هذا النفوذ انطلاقا من خليج عمان وبحر العرب.. متوقعا ان تنتهي الحرب الحالية بفرض واقع جديد تشارك فيه إسرائيل بشكل أعمق في المنظومة الشرق أوسطية.

في النهاية… لا يبدو أن ما جرى في الخليج مجرد اختبار عابر لقدرات الدفاع أو خلل مؤقت في كفاءة التحالفات.. بل أقرب إلى لحظة كاشفة أعادت طرح الأسئلة المؤجله حول معنى الأمن ذاته في منطقه اعتادت شراءه أكثر مما اعتادت صناعته.

فما بين مظله أمريكية تتآكل فاعليتها.. وقوى إقليمية تعيد تموضعها.. ونظام عربي لم يستكمل بعد إعادة بنائه… يجد الخليج نفسه أمام معادله جديدة لا تقبل الحلول السهلة.. إما الاستمرار في الرهان على تحالفات لم تعد تضمن الحماية الكاملة، أو الدخول في مسار أكثر تعقيدا وكلفة لبناء توازنات مستقلة.. أو البحث عن صيغة ثالثة لم تتشكل ملامحها بعد…

وربما لا يكون السؤال الأهم الآن.. من يحمي الخليج؟

بل.. هل لا يزال ممكنا الحديث عن حماية بالمعنى القديم.. أم أن المنطقة دخلت بالفعل زمنا جديد يعاد فيه تعريف القوة والسيادة وحتى مفهوم الأمن نفسه.
-------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي
من المشهد الأسبوعية

الخليج أمام لحظة كاشفة: زمن الحماية الأمريكية انتهى