على نهج الإحساس الذي تنقله بعض الأعمال الفنية الحديثة، مثل أغنية المطربة بوسي الأخيرة، يراودني سؤال مهم: عندما نشاهد مقاطع صانعات محتوى التنمية البشرية وهنّ يتحدثن عن العلاقات الأسرية بصورة مثالية وجذابة، فهل يُطبّقن هذه المبادئ فعلاً في واقعهن الحياتي، أم أن ما يُعرض هو نموذج نظري مُجمّل؟
في الحقيقة، ومن منظور علم النفس الأسري، لا يمكن اختزال العلاقات الأسرية في نصائح سريعة أو عبارات جذابة؛ فهي منظومة معقدة من التفاعلات الممتدة عبر الزمن، تتأثر بأنماط التعلق، والخبرات السابقة، والضغوط اليومية. لذا فإن ما يُعرض في هذه المقاطع غالبًا ما يكون “لقطة مثالية” لا تعكس بالضرورة التعقيد الواقعي للعلاقات، حيث لا يستطيع طرف واحد - مهما بلغ وعيه - أن يصنع علاقة متوازنة بمفرده.
ومن زاوية علم النفس الإيجابي، فإن الهدف ليس الوصول إلى المثالية، بل تنمية مهارات واقعية مثل الامتنان، والمرونة النفسية، وإدارة الانفعالات. غير أن المحتوى السريع قد يختزل هذه المفاهيم في شعارات براقة، بينما التطبيق الحقيقي يتطلب تدريبًا مستمرًا وممارسة يومية، قائمة على التوازن بين تقبّل الواقع والسعي لتحسينه، لا إنكاره أو تجميله.
أما من المنظور الديني، فالعلاقات الأسرية لا تقوم على الكمال، بل على الرحمة، والعدل، والصبر، والسعي للإصلاح. فالدين يُقر بوجود الخلاف، لكنه يوجه إلى حسن التعامل معه، مما يجعل النموذج الواقعي أقرب إلى “السعي المستمر نحو الأفضل” لا إلى صورة مثالية خالية من الأخطاء.
وفي إطار العرف والعادات، فإن العلاقات لا تنفصل عن السياق الثقافي الذي تعيش فيه، إذ قد تنجح بعض النصائح في بيئة معينة، لكنها لا تنسجم مع بيئات أخرى لها قيمها وتقاليدها الخاصة. ومن هنا، قد تنشأ فجوة إضافية بين ما يُعرض إعلاميًا وما يمكن تطبيقه فعليًا في الواقع الاجتماعي.
أما من منطق العقل، فمن غير الواقعي افتراض أن من يقدّم هذه النصائح يطبقها بشكل كامل؛ فالبشر بطبيعتهم يخطئون ويتعلمون. الفرق الحقيقي لا يكمن في الكمال، بل في مستوى الوعي، والقدرة على تصحيح المسار، والاستمرار في التعلم.
ومن هنا، يبرز تساؤل مهم: إذا كانت هذه المهارات قابلة للتطبيق، فلماذا لا تُدرَّس بشكل منهجي؟ والإجابة أن تعليم مهارات العلاقات لا ينبغي أن يُوجَّه لفئة دون أخرى، بل يجب أن يشمل كلا الجنسين، لأن العلاقة الأسرية نظام تشاركي لا يقوم على طرف واحد. كما أن هذا التعليم ينبغي أن يكون عمليًا وتدريجيًا، قائمًا على الممارسة والتجربة، لا على الطرح النظري السريع.
لذلك، فإن الإفراط في تقديم صورة مثالية للعلاقات الأسرية قد يخلق فجوة بين التوقعات والواقع. والأجدر - وفقًا للمنظور العلمي والديني والاجتماعي - أن تُقدَّم هذه المهارات بشكل متوازن وقابل للتطبيق، بحيث تُبنى السعادة الأسرية على الممارسة اليومية الواعية، لا على الشعارات. وحينها فقط يمكن أن تتحول من نموذج إعلامي محدود إلى واقع إنساني ممتد يشمل المجتمع بأسره.
-----------------------------------
بقلم: د. عبد المريد قاسم
* جامعتى العاصمة والامام محمد بن سعود الاسلامية






