كعادته دائمًا، يلقي الشاعر الكبير جمال بخيت تعليقات تثير حالة من التوهج في فضاءات التواصل الاجتماعي. منذ عدة أيام، وضع بوست تحت عنوان "أحلى سؤال ذُكِر في أغنية"، جاء فيه (أتحدى لو فيه أحلى، ولا أقوى من هذا السؤال وهذه الإجابة البيرمية (نسبة إلى شاعر العامية الكبير بيرم التونسي): قول لي ولا تخشاش ملام/ حلال القُبلة ولّا حرام؟!.. الإجابة: القُبلة إن كانت للملهوف/ اللي على ورد الخد يطوف/ ياخدها بدال الواحدة ألوف.. ولا يسمع للناسِ كلام/ ولا يخشى للناسِ ملام).
وعليه انهالت التعليقات، ببديع علامات استفهام الأغاني العربية، بعد ما استنفر المقطع البيرمي الخيال، وشحذ العقول، فدندنت القلوب، وترنمت الشفاه، وشاغل الجميع طيف أم كلثوم في فيلم (سلامة)، انتاج 1945، وهي تشدو بتلك الأغنية على ألحان موسيقى الشيخ زكريا أحمد.
وإذا كان بيرم قد رد على السؤال بإجابة كريمة تذكرك بكرم حاتم الطائي، فإن أسئلة من قبيل (كلنا نحب القمر/ والقمر بيحب مين)، شعر أحمد عبد المجيد، وغناء وتلحين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، قد تركت المستمع حائرًا يبحث عن جواب، وعلى رأي ابن الملوح، حين قال في ليلاه (كل يدعي وصلاً بليلى/ وليلى لا تُقِرُّ لهم وصالا)، وإن قرأت البيت ذات مرة برواية أخرى فيها كلمة (بذاكا)، بدلاً من (وصالا).
ولم لا يدعي الوصل المحبون، وهم في حبهم يتقبلون ويقبلون على الخيال في كثير من أحوالهم، عازفين عن الواقع، ففي الخيال مجال لرسم صور ومواقف لا تعد ولا تُحصى، تجمع المحب، وما عز في الواقع تحقيقه، تناله بيسير الخيال. من ثم، يظن المحب أن محبوبه مشغول به، يتمنى وصاله، ويترقب المناسبات كي يرسل له نظرة، أو كلمة، أو تحية ولو عابرة، ثم يذهب في تأويل رد فعل محبوبته أيما مذهب، فإن التفتت، ولو كانت التفاتة عابرة، ظنها تجيب رسالته، وتفيض عليه بكريم حبها، وهي عنه لاهية أشد ما يكون اللهو، ناكرة أشد ما يكون الإنكار، حتى إذا ما عاد إليه رشده، وحكم بعقله بدلاً من قلبه، صارت تلك المواقف مصدرًا لضحكه وسخريته من فرط سذاجته، وآمن وبصم بالعشرة أن (نظارة الحب عميا)، على رأي المثل الشعبي.
والرشد في الحب يعود، بالأحرى يعود إليه المحب، من طول الصد واليأس فيسلك في ذلك مسلك أبي فراس الحمداني حين سأل في رائيته؛ (أراك عصي الدمع)، (أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟)، ثم لا يطاوعه قلبه فيجري بالإجابة (نعم، أنا مشتاقٌ/ وعندي لوعةٌ، ولكن مثلي لا يذاعُ له سرُ).
وربما عاد العقل من أثر صدمة، تقذف بالقلب بعيدًا، وتُصَدِر العقل، فينطق بما لم يكن يتخيل أن ينطق به من كلمات، كتلك التي ذكرها الأمير عبد الله الفيصل في قصيدة (ثورة الشك)، ولحنها رياض السنباطي، وشدت بها أم كلثوم؛ (أجبني إذ سألتك هل صحيح.. حديث الناس عنك.. خنت؟ ألم تخني؟)، حتى إذا ما استبد به القنوط، ووقف على حافة بحر جنون الشك، ألقى بنفسه يائسًا بائسًا وهو يقول بمرارة (أكاد أشك في نفسي لأني/ أكاد أشك فيك وأنت مني!).
وها تقول إيه في قاسي القلب، ناكر الجميل، ناسي العيش والملح، غير أنك تعيد في الأسئلة وتزيد (هو حناني عليك قسّاك حتى عليا؟.. ولا رضايا كمان خلاك تلعب بيا؟.. ولا تسامح روحي معاك غرك فيا؟!؟)، وتصل إلى قناعة مفادها أنك لا تفهم في أمور العشق والحب، عملاً بقول بيرم (عن العشاق سألوني/ وأنا في العشق لا أفهم).
ويا ريت بعد ما بصمت بالعشرة واعترفت بالجهل وعدم الفهم، وأقريت بأن كلام الليل مدهون بزبدة، وإن القمر لم يكن يضحك لك حين رسم هلالاً منيرًا من فوق سحابة شاهقة البياض، وأن الجري تحت المطر من أجل طلة، قبل بسلامتها ما تركب العربية، وتسيبك واقف مبلول، لم يكن إلا عبط ناقصة شهادةً وختمًا، بعد كل هذا وأكثر تجد أم كلثوم تقول بأعلى ما في حنجرتها الماسية من طبقات أعجزت فحول المطربين والمطربات، (هو صحيح الهوى غلاب؟/ ما أعرفش أنا!/ جاني الهوى من غير مواعيد/ وكل مَدى حلاوته تزيد/ ما حسبش يوم حياخذني بعيد/ يمني قلبي بالأفراح/ وأرجع وقلبي كله جراح...).
ما تزعل.. حقك علينا.. بكره تبعت لك في عيد ميلادك قطن وشاش!
-------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






