- سألتني مديرة منزلي : لماذا قتلوا الدكتور ضياء العوضي .. فانهمر شلال تساؤلاتي.
- هذه الحالة الكارثية يسأل عنها الجميع .. السلطات المصرية والاماراتية.. الإعلام من محمود سعد إلى عمرو أديب!
- وصل بنا الحال حد ان زوجته تتشكك في ان من يتم تشريح جثمانه هو زوجها! امر عجيب يدين من منعها من إلقاء نظرة وداع عليه قبل دفنه.
- لماذا وكيف دفن في عجالة حرمت أهله وذويه توديعه والتأكد من وفاته الطبيعية ؟!
- لماذا أدخلتم الناس في هذه الدوامة الرهيبة من الشك والتساؤل؟ وفاة شخص واحد تغطي على ٢٦٠٠ شهيد في لبنان و١٢٠٠ آخرين و٦٠٠٠ جريح في ايران و ٧٠ الفا في غزة ؟!!
قبل القراءة :
ما الذي فعلتموه ايها السادة في هذا الملف المتشابك الشائك؟ لا اعرف من "فعل" ذلك بالتحديد حتى أخاطبه.. فالجميع مسؤولون عما حدث، من مصر إلى الإمارات.. من محمود سعد الذي استضافه ويتهم بأنه سبب شهرته وذيوع اسمه واسم نظامه الغذائي.. إلى عمرو أديب الذي ينتقده بشدة هو ومحمد الباز واخرون لا أتذكرهم! الفعل الذي انتقدُ الجميع - سلطات في الداخل والخارج وإعلاميين ومن لهم علاقة بالأمر ولا أعرفهم - هو ماخلقوه وتسببوا فيه من حالة بلبلة وغموض رهيب وجدال طال حتى استطال، حول وفاة ضياء العوضي . لن أستطيع أن ألصق به صفة الطبيب ، فقد نزعتها عنه نقابته العريقة، بكل ماتضمه من أطباء عظام ومتخصصين، ونزعتها ايضا عنه كلية طب مرموقة، تخرج منها وعمل في أقسامها طبيبا متخصصا في التخدير والرعايات المركزة (وليس في الأنظمة الغذائية ؟!) لماذا أدخلتم الناس في هذه الدوامة المنهكة، وحالة الشك وانعدام اليقين وضرب أخماس في أسداس بلا طائل؟! لماذا تركتم كل الأمور حتى تشابكت وتعقدت على هذا النحو، حتى ان سيدة المنزل عندي (دادة أولادي المقدرة والمحترمة) تخلت كليا عن اهتماماتها اليومية والأسرية والحياتية وانشغلت بمتابعة كل تفاصيل الساعات الأخيرة - وحتى عادت إلى الايام الأولي! في حياة الراحل العوضي! أنا مدين لها بالاهتمام بالموضوع الذي لم يستغرقني من قبل، فقد لمست منها حيرة شديدة وتساؤلات عميقة لم أخالها تسألها!!
- حالة من الشك وانعدام اليقين بشأن وفاة رجل! رجل واحد فقط.. وليس ٢٨٠٠ شهيد في لبنان و١٢٠٠ قتيل و٦٠٠٠ جريح في ايران جراء العدوان الصهيو أميركي! متوفي واحد فقط مقابل كل هذا القتل، جعلنا ننشغل به، هذا ماكان ينقصنا؟! هذا ما فعلتموه أيها السادة المتسببون بسلطاتكم ونفوذكم وإعلامكم وإهمالكم - أو تضليلكم لا أعرف.. حتى وضعتمونا في هذه الوضعية البائسة؟ .
كل منكم يغني على ليلاه، فهذا يتهم الدولة لأنها ضاقت بفيديو الـ"كهن" الذي سمعوه وما فيه من إسقاطات، وكأننا لا نختلف ولا نشتبك مع الدولة والسلطة والحكومة والرئاسة طوال الوقت وعلى مدار اليوم ؟! حتى أنه إذا أذاع العوضي فيديو "ما" حولناه إلى مناضل يذيع بيان الثورة الأول المخيف والرهيب، ويقود الدبابة الآولى إيذانا ببدء عملية الانقلاب، التي ستزلزل اركان النظام، وبعدها تخرج الناس زرافات وجموعا يطالبون بالرحيل على طريقة مبارك ونظامه! ما قيمة انتقاد شخص مثل العوضي رحمه الله - وهو ليس قامة ثقافية او علمية أو رمزا سياسيا مثلا - لرئيس او غفير؟ الانتقاد المهم هو للجماعة المصرية.. يحدث عندما تتآكل الشعبية نهائيا، وتصبح شخصية الحاكم بلا ظهير شعبي، تصبح وضعية الرفض له أشبه بوضعية وحالة ناس تساوت حياتها مع الموت "ومش خسرانين حاجة"؟ فهل نحن اليوم - رغم كل ما نحن فيه - وصلنا إلى هذه الدرجة من عدم الاحتمال ومن الإجماع على رفض النظام الحاكم؟
أجيبوا أنتم!
يقول لك بعضهم قتلته شركات الأدوية؟ فما هي التقارير التي تقول أن هذه الشركات خسرت أموالاً مليارية حتى يهددها نظام غذائي لم يضعه متخصص؟ وبفرض أنه متخصص، ماهي شركات الأدوية التي أعلن أنها تأثرت؟ القواعد السرية الأمريكية ظهرت صورها وهي مدمرة رغم فرط السرية المشددة عليها! هل لدى أحد أي معلومات عن انخفاض معدلات بيع الأدوية؟ وما نسبة هذا الخفض وهذا التأثر.. عالم اليوم "مفيهوش اسرار" ؟ الأدوية ارتفعت - وترتفع - اسعارها بجنون.. قبل موت العوضي وبعده، من دون رادع او وازع من ضمير، وقتل العوضي كان ممكنا لو أن هناك تأثراً في نسب المبيعات، او تحققت خسائر لشركات.. وأغلبها مسجل في بورصات عالمية، وسهمها المنخفض ينبيء عن كوارثها إذا حدثت. شركات الدواء تريليونية رؤوس الأموال ويمكنها ان تصنع جائحة مثل كورونا، تماما، كما تخطط شركات السلاح لتولي رئيس دولة يشن حربا هائلة لتفرغ مخازنها من الأسلحة، وتبيعها للمتحاربين وتعيد الإنتاج والملء من جديد، بأسلحة اكثر فتكا وأكثر تقدما، إلى جانب الأسلحة الكلاسيكية. هذه الشركات لاتحتاج إلى جندي تقتله لتتخلص من أسلحتها، ولكن إلى قوة جبارة مثل رئيس (٥٢) ولاية مجتمعة تحت راية دولة واحدة تحكم العالم اليوم. إذا كانت الشركات التريليونية تصنع جائحة كارثية مثل "كورونا" فتدفع ثمنا لها المليارات، فهي ليست بحاجة إلى قتل طبيب لم يسمع به احد خارج مصر، إلا قليلا، وعلى من رآه خبرا منشورا في الجارديان أو الواشنطن بوست أو الصنداي تايمز او النيويوركر او لا ريبوبليكا يدلنا عليه، ويؤكد لنا أنه اصبح طبيبا عالميا مهما جدا ومخيفا ومستهدفًا التخلص منه !
قد أبدو هنا غير محايد بشأن الرجل، من حيث يعتبره بعضكم ولكم كل الاحترام - عالما ونابها ونابغا - وتبدو لكم صورته عندي صورة الرجل المتناقض، ولكن ليس هذا هو المهم، وإنما التساؤلات المشروعة الخطيرة التي اطلقتها هي المهمة.. لن أنافق القاريء أو أجامله او أسير مع التيار العام . لا أستطيع ذلك.. وصوتي لا اظنه مسموعا بحيث يجعل شركات الدواء تهتم بالدفع لي، فأنا لم أهتم به من قبل، وإنما أصدقكم التساؤلات، فهذا رجل رأيته من خلال مرضاه يفتح صدره لكل فكرة غريبة يتبناها وتساعده على تقاضي أربعة الاف جنيه ثمنا للكشف بعيادته، وشهد كثيرون - وظهر من أسلوبه في الفيديوهات التي يبثها أنه يتعامل مع من يذهب إليه ويطلب مشورته الطبية بفوقية شديدة، وغطرسة، "وناقص يطرد المريض من عيادته"! لأن شيئا ما فيه لا يعجبه، قد يكون الفشل في التعبير عن تقديره لما يقول مثلا، أو عدم توقيره أو احترامه لما يمليه عليه من تعليمات "مطبوعة"(!!) يلزم بها كل من يترددون عليه. ولا أعرف كيف تكون تعليماته مطبوعة، مايعني أنها موحدة، لمريض الكلى ومريض القلب ومريض الضغط والسكر! لا يمكن تجاهل تلك السيدة المصرية المقيمة في أميركا التي شهد زوجها قبل يوم أو أكثر أنها ذهبت إليه فطلب منها الامتناع عن دوائها، فإذا بها تخر بعد ذلك صريعة في غضون ثلاثة أيام وتنتقل إلى رحاب الله! يومان او ثلاثة فقط من توقف العلاج، وبعد ذلك نسمح لآنفسنا بقول ما نقوله عن نبوغه ونظامه المبتكر الذي لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه! من المستحيل تجاهل شكوى امرآة اخري أمرها "ضياء" بوقف الدواء، فلما شعر أهلها بأنها تدنو من كارثة صحية تحدثوا معه، فطلب منهم ان تعاود تناول دوائها!
الكارثة التي تهمني هنا هي لماذا تركنا الموضوع يكبر بهذه الطريقة، وحتى تصبح كل الاتهامات مقبولة عند الناس، من نوعية أن السلطات هناك في دبي وهنا في القاهرة دبرت لقتله، أو أن شركات الأدوية تخلصت منه، أو أن الإماراتيين حقنوه بالحقن السامة (وهو الذي لا يتناول الدواء، ويقينا سيرفض الحقن والإبر، ولن يشرب الماء وهو الذي يقلل منه وينصح بذلك(!!) وكونه متخصصا في الغذاء، فحتما سيعرف ماسيتناوله وماسيرسل إليه من مطبخ الفندق، ويعرف المخاطر التي تهدده من الغذاء المسموم أو الدواء المخلوط بالسم أو المنقوع فيه، فيلزم لأمانه الصحي الامتناع عنه!
لماذا تركنا الموضوع يكبر، فلم تسأل السلطات هناك وهنا الأسئلة الواجب سؤالها؛ هل صحيح أنه أقام في الفندق يومين كاملين لم تدخل إلى غرفته أو تسأل عنه إدارة الفندق؟ هل هذا طبيعي أو معقول؟ ألا يطالبونه بأي أموال تحت الحساب ؟، ألا يرسلون له الـ (هاوس كيبينج) لتنظيف الغرفة أو إعادة ترتيبها؟ وهل صحيح أنه استمر قابعا بغرفته أكثر من أسبوع لا يعرف أحد عنه شيئا.. وهل ذهب إليه صديق في الفندق فقالوا له أنه في قسم الشرطة؟ فماذا كانت تهمته أو جريمته ومتى خرج من القسم؟ وكيف كانت هيئته ساعتئذ؟ وهل أخطرت الشرطة الإماراتية الشرطة المصرية بأسباب اقتياده إلى القسم؟ وبآي تهمة، وماذا جرى له وماذا حدث منه أو له؟ وهل هو من أعيد إلى الوطن وكيف تمت إعادته وما الهيئة التي كان عليها جثمانه؟ وهل عاد جثمانا أم أنه ليس هو الذي عاد، لاسيما وأن زوجته لم تره ولم تعاينه، وقالت بعد تشريح جثته التي دفنت على عجل أنها تشك أنه زوجها!! وكيف عاد من دون أن يلحق بجثمانه تقرير طبي متكامل، ولم تخطر سفارتنا بالإمارات لحضور عملية التشريح وهل جرت هناك ام لا؟ نحن الآن في الألفية الثالثة .. فكيف ولماذا لم يتوقع احد ان ينفجر بركان التساؤلات أو حتى الغضب من جراء ما حدث من غموض في الإقامة والوفاة، ومن تردد الأصدقاء عليه، ومن دعوتهم له إلى الاقامة في الإمارات، وأين ذهبوا جميعا واختفوا فجأة ؟ لماذا حينما عاد لم يكن سهلا وطبيعيا أن تأمر النيابة بتشريح جثته، أم تم التشريح دون إعلان؟ وكيف تمنع زوجته من إلقاء نظرة اخيرة على جثمانه هي ومحاميها، حتى أنهم طالبوا بعد أيام من دفنه باستخراج الجثة وإعادة تشريحها، بل وأن تقول زوجته أنها لم تشعر بان هذا الذي تم تشريح جثته هو زوجها؟
كل هذه البلبلة وعشرات التساؤلات الحالية والمستقبلية لماذا تركناها بلا إجابة؟ لماذا أدخلنا أنفسنا في دوامة لن تتوقف.. فنحن بين أمرين: إما أن العوضي سيصبح في نظر الناس مقتولا او شهيدا، وستصبح السلطة هناك في الإمارات قاتلة، وستصبح السلطة هنا متسترة أو متواطئة؟ لماذا ارتكبنا كل هذه الأخطاء فحولنا طبيبا مفصولا من نقابته إلى شهيد؟ وإلى ضحية وإلى مناضل عتيد ضد شركات الأدوية؟ لماذا أهملنا طرح الأسئلة الصحيحة، ونجيب عليها، ولاندري أنه كلما غمض موضوع وفاته سيتحدث الناس أكثر وأكثر.. وكانّها كرة ثلج تتدحرج وتكبر وتشتعل مع الوقت!
لا أعرفه.. ولم اسمع عنه قبل رحيله المفاجيء.. إلا قليلا. طريقته في الحديث لم تقرب المسافات بيننا، كطبيب ومواطن (يعمل صحفيا). لكن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة هي وحدها القادرة على فك طلاسم وفاته المفاجئة، التي أصبحت الشغل الشاغل للعامة والمثقفين على السواء!
-------------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






