02 - 05 - 2026

العنوسة... ناقوس خطر يهدد البيوت المصرية المعاصرة

العنوسة... ناقوس خطر يهدد البيوت المصرية المعاصرة

بداية لعله من المفيد أن نكتب عن هذا الموضوع لأنه يمس وترا حساسا في مجتمعنا، هذا الوتر هو تأسيس الأسر التي بدورها تؤسس لمجتمع صالح فاعل يؤثر على بناء مجتمع قيمي خلقي متزن يساعد مساعدة فعالة في نهضة البلد الذي يسعى كل مخلص محب لها لإحداث تنمية مستدامة فما بالنا بالأسرة التي هي روح المجتمع ووقوده.

ومن هذا المنطلق لابد أن نتحدث عن هذا الموضوع محاولين قدر استطاعتنا الوقوف على الداء وتشخيصه، للوصول إلي دواء ناجح له، فليس هناك داء إلا وله دواء.

فما أسباب زيادة نسب العنوسة بين الفتيات، والعزوبية بين الشباب، لعل من الأسباب المهمة.

-  المغالاة في المهور، فعندما يتقدم شاب لخطبة فتاة تجد الجميع جميع أهل الفتاة القريب والبعيد يريد أن يجامل، ويجلسون الفتى هو وأهله راصين له قائمة طلبات، من شقة في المكان الفلاني، وشبكة بآلاف الجنيهات، وفرش بالشئ الفلاني، وقائمة بآلاف الجنيهات قد تصل في الصعيد إلي المليون جنيه، لماذا؟! لأنها ابنتي وأنا من أنا، أنت من يا عمنا، أنت عبد فقير إلي الله، هل أنت أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا، كبر وعناد بنت فلان ليست أفضل من ابنتي، ما هذه المقارنات الباطلة، الناس ظروف وكل أدرى بأوضاعه، والأسوأ من ذلك لن يتم زفاف إلا في القاعة الفلانية، والمغني الفلاني والراقصة الفلانية وإلا سيتوقف عقد الزواج، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والنتيجة الحتمية ستفشل المفاوضات والاتفاقات، لماذا؟! لأنه شاب صغير في مقتبل عمره، يريد أن يعف نفسه بالزواج من فتاة ارتضاها لنفسه قبلها قلبه وتعانقت روحيهما، فلماذا نكسر خاطرهما بتحميلهما ما لا يطيقا هي تريده زوجا لها وهو كذلك لانسجام أرواحهما، لكن لهذه المغالاة الفجة يحدث ما لا يحمد عقباه، فلا تلوموا إلا أنفسكم، ماذا سيفعلان؟ سيطرقان الأبواب الخلفية ويقعان في براثن الرذيلة، سيسلكان طريق الزواج العرفي.

أو سيحدث فرقة وافتراق بينهما وقد تصاب الفتاة بالمرض النفسي نتيجة للاكتئاب، وقد يصاب الفتى بضيق يجعله يكره الحياة ويصب وابلا من اللعنات على واقعه وعلى ظروفه وعلى مجتمعه، وقد يودي به الأمر إلي أمرين، إما أن يقدم على الانتحار إذا لم يكن ذا دين قويم، أو يهجر البلد ويسافر دون عودة. أو يحجم عن الزواج نهائيا، وهذا سبب رئيس لزيادة نسب العنوسة.

- ثم سبب آخر قد يكون مقوما رئيسا من مقومات العنوسة، إهتمام الطرفين بالشكل وإغفال الجوهر، هي أريده "مهند" ذا العيون الزرقاء، أريده مودرن يلبس على الموضة، (اتيكيت)، أريده من شباب الراب والجاز، والموسيقي بمعني أوضح أريده شاب (فرفوش) بلغة العصر صاحب قصات شعر معينة وفي يده ورقبته سلاسل، ونسيت الآنسة بنت الناس الطيبين نسيت أصلها وأصل أهلها الطيبين.

وكذلك الأمر بالنسبة للشاب، يريدها ذات شعر أصفر وعيون خضراء، وتلبس بالشكل الفلاني وتأكل كذا وتشرب كذا، ونسي أو تناسى أن من مقومات الزواج الناجح التوافق النفسي والتواؤم الروحي بما يحقق كيمياء تضمن حياة سعيدة، ما بالنا بالمظهر، نجعل معولنا الجوهر الداخل لا الخارج، القلب والروح لا الشكل وجمال المنظر.

فالجمال يفنى ويزول أما جمال الروح فيظل هو كما هو.

والنتيجة كلاهما يريد عروسة وعريسا تفصيل، حتى الترزي سيعجز عن التفصيل والنتيجة عنوسة وعزوبية للجنسين.

- أما ثالث الأسباب، وهو سبب مهم من وجهة نظري، المغالاة في الحب من الوالدين، فقد تكون لديهما فتاة واحدة فقط ومعهما عدد من الصبيان، ما يسمونه بزينة إخوتها، ففرط الحب يجعلهما كلما تقدم لها شخص يتعمدان تعقيده وإثقاله بالطلبات لإفشال الإرتباط.

أو أن الوالدين وخصوصا الوالد كبر في السن فيحتاج من يقعد معه بعد وفاة زوجته ، فيمتنع عن تزويج ابنته، أو الأبوين فقراء لا يجدون قوت يومهما وأبناؤهما يقومون عليهما فيظنا بزواجهم أنهما سيفقدان من يعولهما، ومن ثم يحجمون عن تزويج ابنتهما أو قد يكون الأب فقيرا لا يستطيع تحمل نفقات الزواج وتجهيز ابنته، وإن كان هناك فقراء كثر يستدينون أو يذهبون إلي القروض لإكمال جهاز ابنتهما.

- أما رابع الأسباب فهو نسيان الفتاة والفتي لنفسيهما، كأن ينشغلا بدراستهما سواء دراسات عليا ماجستير ودكتوراة وتتفلت السنوات من بين أيديهما كما يتفلت الماء من أصابع اليدين وتمر الأعوام وتجد نفسها في الأربعين أو الخمسين من عمرها وهو كذلك، لكن ثم فارق فهو قد يجد من يقبل به وهو في هذا العمر، أما هي فلن تجد اللهم إلا رجلا طاعنا في السن يريد من يقوم عليه ويلبي طلباته. مما يجعلها تعزف عن الزواج وتصاب بالعنوسة.

هذا بالنسبة لتشخيص الداء.

أما الدواء فسيحمل بعدين مهمين، أولهما: البعد النقلي الديني، ويتمثل في قوله تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، فالأصل في الزواج المودة والرحمة التى لولاهما لا يتحقق السكن، فالحب والود والإخلاص أساس البيوت فكيف يكون بيتا وما حالته إذا فارقه الحب، إذا لم تتعانق فيه الأرواح وتسمو فيه وبه النفوس، تفكروا في هذه الآية التي ما يعقلها إلا العالمون، ما حاجتنا إلي القصور والقلوب فارغة، تتحول إلي قبور، ما حاجتنا إلي المجوهرات والمصوغات الثمنية وجواهرنا خربة وقلوبنا فارغة من الود والوئام.

أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم، تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها ونسبها ودينها فاظفر بذات الدين، وتأخير الدين إلي المرتبة الرابعة فيه إختبار هل يتقبل الجمال عن الدين، هل سنسعى خلف المال، هل سنسعى خلف الأنساب، نعم ذات الدين تتحقق فيها كل هذه الصفات، فذوات الدين هن مصابيح البيوت.

لذلك قالها النبى صلى الله عليه وسلم فاظفر بذات الدين لأنها إذا غبت عنها حفظتك في مالك، وولدك، وفي عرضك، فذات الدين هي المحبة الودود العطوفة.

أما بالنسبة للشباب فقد أخبرنا عنهم النبي، من جاءكم من ترضونه دينا وخلقا فانكحوه، صاحب الدين الذي يحسن المعاشرة ويحسن المعاملة حتى لا قدر الله إذا حدث فراق يكون "فتسريح بإحسان"، حتى وإن أعطى قنطارا لا يأخذ منه شيئا، حتى فعاشرونهن بالمعروف وفارقوهن بالمعروف، هذا صاحب الخلق، الحيي التقي الورع.

أما البعد العقلي، فاعرضوا المسألة على عقولكم تختر لابنتك الخلوق الودود المحب لها الذي يصون عرضك ويحفظ شرفك، أما تزوجها لمن يهدر كرامتها وفي ذلك إهدار لكرامتك وقد يقودك ذلك إما إلي قضاء سنوات في المحاكم أو تقبل الدنية وتعيش ذليلا له وتسعى بشتى الطرق لإرضائه ولن يرضى، لذلك نقول من جاءكم من ترضونه دينا وخلقا فاختاروه لبناتكم، ولا تتمسكوا بأمور صغيرة، ولا تضعوا العراقيل، ولا تثقلوا الكواهل بما لا يطيقون فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولسنا أفضل من الأنبياء، هل علمتم كم مهر فاطمة ريحانة الرسول، هل علمتم أثاث منزلها بيت الإمام علي، حصير واناء وثوبان (قميصان)، كانا يتبادلاه وقت الصلاة.

هل علمتم ما هو مهر ابنة سيدنا شعيب، على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك، يكون كرم منكم ليس ثمة شروط، ليس ثمة قوائم بآلاف الجنيهات، وإن كنا لا نرفض هذه الأمور، لحفظ الحقوق المادية، وإن كنا نرى أن من يحب لا يكره، ولكن كل ما نرفضه هو المغالاة والتشدد، فما لا يستطيع إحضاره اليوم يحضره غدا، فلا تتكلفوا ولا تغالوا يرحمكم الله.
----------------------------------------
بقلم:
د. عادل القليعي
* أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

مقالات اخرى للكاتب

العنوسة... ناقوس خطر يهدد البيوت المصرية المعاصرة