خرج علينا تقرير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية (USCIRF) الصادر في 27 أبريل 2026 ، التقرير يعتمد على إطار انتقائي يركز على الجوانب السلبية ويقلل من حجم الإصلاحات الهيكلية الجارية في مصر منذ سنوات. والنص المنشور يصف "تمييزًا منهجيًا" ضد المسيحيين، (مع التركيز على قيود بناء الكنائس، حماية قانونية غير متساوية، وضغوط مجتمعية). هذا السرد مبالغ فيه ويغفل الأرقام والوقائع على الأرض، بينما رفعت الدولة المصرية في السنوات الأخيرة الخطاب الرسمي عن التسامح الديني إلى مستوى دستوري، وربطته برؤية الدولة للهوية والمواطَنة، ودعمت مشروعات قانونية وتشريعية لحماية الأقليات الدينية، حتى لو كانت هذه الخطوات غير مُكتملة أو قابلة للنقد.
فإن تسريع تسوية الكنائس والبناء في الأماكن المأهولة لا يمكن انكارها، فإن قانون بناء وترميم الكنائس رقم 80 لعام 2016 أنهى عصر الموافقات الرئاسية العثمانية العتيقة، حتى أبريل 2026، تم تسوية وترخيص أكثر من 3804 كنيسة ومبنى خدمي تابع لها (من إجمالي حوالي 3730-5415 طلبًا حسب التحديثات).
وفي 2024-2025 وحدها، تمت دفعات كبيرة مثل 293 كنيسة في أكتوبر 2024، و 160 في فبراير أكتوبر 2025، و191 في أبريل 2026. هذا يعني متوسط حوالي 475 كنيسة سنويًا منذ بدء تنفيذ القانون، وفي 2025 وحده، جرى إعادة ترميم وتطوير ما يقارب 40–60 كنيسة رئيسية أو مبنى كنسي كبير، بالإضافة إلى عدد أكبر من المباني الخدمية الصغيرة والقُرى، ضمن الخطة الرسمية للترميم ورفع كفاءة دور العبادة المسيحية، دون أن يُعلن رقم معياري دقيق مفصّل عن الترميم وحده.
و كثير من هذه الكنائس موجود في مناطق مأهولة بالسكان وتخدم تجمعات مسيحية كبيرة في الصعيد والدلتا والمدن الكبرى، لا في المناطق النائية فقط، مثل ملف كنائس دار السلام وقنا.
ووافقت الحكومه على بناء وترميم كنائس جديدة في مناطق سكنية كثيفة، وهو ما كان مستحيلاً قبل 2016، و مقارنة بالمساجد، نعم، هناك تمويل حكومي كبير لترميم وصيانة آلاف المساجد (أكثر من 13,900 مسجد منذ 2014 بتكلفة تقارب 25 مليار جنيه مصري)، لأنها تابعة للأوقاف والدولة بشكل مباشر، أما الكنائس فتُبنى وتُرمم غالبًا بجهود الكنيسة والمجتمع المسيحي، مع دعم إداري وقانوني متزايد، و التمييز ليس"منهجيًا" كما يدعي التقرير، بل يعكس اختلاف الطبيعة القانونية والتمويلية بين المؤسستين الدينيتين، لكن تمت خطوة تُعدّ الأكبر في تاريخ مصر الحديث من حيث تخصيص ميزانيات وموارد لترميم وتأهيل مقار العبادة المسيحية.
ومن حيث الحماية القانونية وحقوق الأحوال الشخصية، فالادعاء بحماية قانونية غير متساوية غير دقيق، فقد وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين وأحاله إلى البرلمان، ويهدف هذا القانون إلى توحيد القواعد بين الطوائف المسيحية المختلفة، ويحافظ على خصوصيتها الدينية مع ضمان المساواة في الجوانب المدنية غير العقائدية، يعد هذا تكافؤا وليس تمييزًا، فالمسيحيون يحكمون أنفسهم بقوانينهم الدينية في شؤون الأسرة، كما يفعل المسلمون، و المحاكم المصرية تطبق هذه القواعد، رغم بعض التحديات الإجرائية التي تحدث في كل النظم القانونية، و يكفي انها توحد قواعد الإجراءات بين الأقباط والمجتمع المدني، وفقًا لنفس الأطر الإجرائية الموجودة في قانون الأسرة للمسلمين، مما يُقلّل من التمييز الإجرائي، فهي خطوة كبيرة لكنها تحتاج تطبيقًا عادلًا ورقابة مستقلة، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة المسيحية.
وشهدت أيضا صفحة وزارة الداخلية وقائع لفتيات أعلنن إستغاثتهن عبر مواقع التواصل الإجتماعي، و كان رد فعل محترم وسريع في حالات مثل منيريت متياس و مونيكا عماد وحالات أخرى.
وقد انخفضت حدة العنف الطائفي وأجريت الإصلاحات الأمنية وسجلت منظمات انخفاضًا في العنف الطائفي بنسبة تصل إلى 29% في السنوات الأخيرة مقارنة بفترة ما بعد 2011 و ذروة الإرهاب و تدخلت السلطات الأمنية بسرعة أكبر لاحتواء الحوادث في الصعيد، وانخفضت الهجمات الكبرى على الكنائس بشكل ملحوظ بعد حملات مكافحة الإرهاب الناجحة، وفي 2025 ، كانت نسبة التدخل الأمني السريع (احتواء الحادثة قبل تفاقمها) 60-75% من الحوادث المسجلة، بينما تقدر نسبة استخدام جلسات الصلح العرفي من 50-70% من الحالات الطائفية المحدودة.
أما عن إستراتيجية حقوق الإنسان الوطنية، وترميم وإعادة فتح مواقع دينية مسيحية ويهودية، فجهود التسامح الديني تحت رعاية الرئاسة ملموسة، مع انخفاض ملحوظ في التطرف الديني المسلح مقارنة بـ2013-2017، ويعترف التقرير ببعض هذا التقدم لكنه يصفه بـ"انتقائي" أو "غير كافٍ"، فهذا يعد تحيزا واضحا، فلا دولة في المنطقة حققت تقدمًا مشابهًا في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة مثل مصر، لكن يتعمد التقرير ذكر اختفاء فتيات قبطيات، وحدوث تحويل قسري للدين، و هو مردود عليه مسبقا أن هناك تقارير عن تورط محليين أو شبكات استغلال و حالات أخرى تكون هروبًا طوعيًا بسبب مشاكل عائلية أو علاقات، وتقوم السلطات الأمنية في بعض الحالات بتدخل فعال، وفي حالات أخرى تبدو بطيئة حسب تعقيد أو سهوله ملف الحالة وملابساته، و بناءً على متابعة للتقارير الحقوقية، يبدو أن نسبة القاصرات القبطيات (تحت 18 عام) المختفِيات في 2025 اللاتي تُبلَّغ قضيتهنَّ وتُتَابع إعلاميًا وحقوقياً وتعود في النهاية إلى أهاليهِن تتراوح تقريبًا بين 70–85٪، أما عدد الحالات المبلغ عن اختفائها في 2025، من 20 إلى 50 حالة (أو أكثر) موثقة علنيًا خلال العام، بينما يبقى جزء غير موثَّق من الحالات غير مكشوف النتيجة ولا يُمكن تقييمه إحصائياً بدقة لكنه ليس اختطافًا منظمًا، بينما يمثل نقطة ضعف في الشفافية، و أصبحت مؤخرا قيام وزارة الداخلية بنشر بيان أمني مختصر دون ذكر الديانة، لكن هذا لا يُقصي التساؤلات حول مآل هؤلاء القاصرات بعد العودة، هل تُحمى القاصرات من الضغط المجتمعي والتحويل القسري؟ وهل تُقدَّم لهنّ حماية قانونية ونفسية مستدامة، أم تُعاد الحالات إلى الصمت والتجاهل بعد تهدئة الشارع؟، لذلك نوصي بلجان متخصصه من حقوق الأنسان و التضامن الاجتماعي.
ويعكس التقرير الذي يغطي أساسًا أحداث 2025 نهجًا سياسيًا أكثر منه موضوعيًا، فتوصي اللجنة بوضع مصر على "قائمة المراقبة الخاصة" رغم الإصلاحات الملموسة في بناء الكنائس في أكثر من 3800 حالة، تسريع التسويات، مشروع قانون الأحوال الشخصية المسيحي الجديد، وانخفاض العنف الطائفي.
وفي قضايا حرية الدين، مثل قانون ازدراء الأديان (المادة 98 ف)، نرى محاكم مصرية تُنظِّم المعاملة للأشخاص المتهمين بهذه التهمة، وتصدر أحكامًا متفاوتة، أحيانًا مخفَّفة، وأحيانًا شديدة القسوة. لكن الواقع أنه لم تُلغَ هذه القوانين، وظلت مادة خصبة للنقد الدولي، بينما حاولت الدولة توظيفها غالبًا في إطار ‘الحُمَى المجتمعية’ وضغط الشارع، وليس كأداة قانونية واضحة ومتجانسة تُطبَّق بمعايير معيارية ومحايدة
وتواجه مصر تحديات حقيقية كأي دولة كبيرة متعددة الطوائف، خاصة في المناطق الريفية بالصعيد، لكن الحكومة تتقدم بخطى ملموسة نحو المواطنة المتساوية. والتركيز الدولي يجب أن يكون داعمًا للإصلاحات بدلاً من الضغط الانتقائي الذي يتجاهل الواقع والأرقام، خاصة وأن هذا التوقيت يسبق عدة مناقشات للكونجرس الأمريكي حول المساعدات العسكريه والاقتصاديه لمصر.
والحقوق لا تتقدم بالتقارير النارية المبنية على سرد واحد، بل بالشراكة والاعتراف بالتقدم المحقق على الأرض. مصر ليست مثالية، لكنها بالتأكيد ليست "مضطهدة منهجيًا" كما يُصور التقرير.
----------------------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي






