مثّل سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي نهاية "الثنائية القطبية" التي حكمت العالم لعقود. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الانهيار إلى "نهاية التاريخ" كما تنبأ فرانسيس فوكوياما، بل فتح الباب أمام تحولات راديكالية داخل المجتمعات الغربية نفسها. إن تراجع الفكر الاشتراكي كبديل منظم ومنافس أدى إلى اختلال موازين القوى الاجتماعية، مما مهد الطريق لظهور اليمين المتطرف كقوة "احتجاجية" اتسمت بالعنف والتنظيم المسلح.
أولاً: تآكل "دولة الرفاه" وظهور الفراغ السياسي
خلال الحرب الباردة، اضطرت الأنظمة الرأسمالية في الغرب إلى تبني سياسات اجتماعية ديمقراطية (دولة الرفاه) كآلية دفاعية لمنع تمدد الفكر الاشتراكي بين الطبقات العاملة.
بعد السقوط: تراجع التهديد الاشتراكي، مما شجع النيولبرالية على تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي.
النتيجة: شعور الطبقة العاملة البيضاء في الغرب بالتهميش والضياع. ومع غياب التنظيمات اليسارية القوية التي كانت تستوعب غضب هذه الفئات، نجح اليمين المتطرف في ملء هذا "الفراغ" عبر خطاب شعبوي يوجه الغضب نحو "الآخر" (المهاجرين) بدلاً من "النظام الرأسمالي".
ثانياً: من الصراع الطبقي إلى الصراع الهوياتي
أدى سقوط الاشتراكية إلى تراجع "الأدوات التحليلية الطبقية" في الخطاب السياسي العام.
التحول: انتقل مركز الثقل من المطالبة بالعدالة التوزيعية إلى قضايا الهوية والقومية المتشددة.
الأدلجة: استبدل اليمين المتطرف "الصراع ضد الاستغلال" بـ "الصراع من أجل البقاء العرقي"، مستخدماً نظريات المؤامرة مثل "الاستبدال العظيم" لتبرير العمل التخريبي والعنف الممنهج ضد الأقليات والمؤسسات الديمقراطية.
ثالثاً: عسكرة التنظيم والتحول نحو العنف التخريبي
شهدت العقود الأخيرة تحولاً من "اليمين السياسي" التقليدي إلى "اليمين الميليشياوي" المنظم، ويمكن رصد ذلك عبر مستويين:
التنظيم: الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لخلق شبكات عابرة للحدود (مثل "بوغالو" في أمريكا أو "أجيال الهوية" في أوروبا).
العمل التخريبي: لم يعد العنف مجرد رد فعل عفوي، بل صار استراتيجية "التسارع" (Accelerationism)، التي تهدف إلى تفجير صراعات عرقية شاملة لإسقاط الدولة الحديثة.
ملاحظة تحليلية: تشير الإحصاءات الأمنية في الغرب (خاصة تقارير اليوروبول والإف بي آي) إلى أن خطر الإرهاب المنبثق من أقصى اليمين بات يتجاوز في بعض السنوات الأخطار الأمنية الأخرى، مما يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة العنف السياسي.
رابعاً: الديمقراطية الليبرالية في مواجهة "الوحش" الذي صنعته
إن غياب المنافس الأيديولوجي (الاشتراكية) جعل الرأسمالية الغربية تفقد كوابحها، مما أنتج أزمات اقتصادية (أزمة 2008 وما تلاها). هذه الأزمات كانت الوقود الحيوي لليمين المتطرف الذي استغل أدوات الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم تقويضها من الداخل، كما رأينا في صعود تيارات اليمين في شرق أوروبا وبعض دول غربها.
الخاتمة
إن سقوط الاشتراكية لم يكن انتصاراً نهائياً للديمقراطية، بل كان إيذاناً بعودة "الغرائز القومية البدائية" في أقبح صورها. إن مواجهة اليمين المتطرف لا تكمن فقط في الإجراءات الأمنية، بل في استعادة التوازن السياسي والاجتماعي الذي يضمن كرامة الطبقات الكادحة، وإعادة إحياء خطاب العدالة الاجتماعية الذي كان يمثل حائط الصد الأول ضد العنصرية والتعصب.
---------------------------
بقلم: كامل السيد
* أمين حزب التجمع بالقليوبية






