في كل مرة تشتعل فيها حرب في الشرق الأوسط، لا تقتصر آثارها على حدود الدول المنخرطة عسكريًا، بل تمتد إلى اقتصادات دول لم تطلق رصاصة واحدة، وليست طرفًا مباشرًا في النزاع، ومع تصاعد التوترات الإقليمية الأخيرة، بدأت المؤشرات الاقتصادية تكشف مجددًا حجم الهشاشة التي تعاني منها المنطقة أمام أي اضطراب سياسي أو عسكري.
ارتفاع أسعار النفط أول المؤشرات وضوحًا، فمع تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، ارتفعت تكلفة الطاقة عالميًا، وهو ما انعكس على الدول المستوردة للنفط، وفي مقدمتها مصر وعدد من الاقتصادات العربية التي تعاني أصلًا من ضغوط تضخمية وأزمات في العملات الأجنبية، مما يؤثر على الأسواق الداخلية.
المعادلة قاسية؛ الدول التي لا تشارك في الحرب تدفع فاتورة اقتصادية باهظة بسبب موقعها الجغرافي أو ارتباطها بأسواق الطاقة والتجارة العالمية، ارتفاع تكلفة الشحن، اضطراب سلاسل الإمداد، تراجع الاستثمارات الأجنبية، وتذبذب حركة السياحة، كلها نتائج تظهر سريعًا مع أي تصعيد عسكري في المنطقة.
في مصر، ازداد الأمر تعقيدًا بسبب اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد على الاستقرار الإقليمي، قناة السويس، باعتبارها أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، تتأثر بأي اضطراب في حركة التجارة العالمية، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الموازنة العامة، بينما تؤدي التوترات الإقليمية إلى حالة من الترقب لدى المستثمرين، وتفشي حالة من التضخم وغلاء المعيشة ليتضرر المواطن العادي العبء أكبر في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
الأزمة ليست مصرية فقط، بل عربية أوسع، اقتصادات تعتمد على الاستيراد تواجه ضغوطًا مضاعفة، ودول تعتمد على السياحة تخشى تراجع الحركة الوافدة، بينما تتضرر الأسواق المالية من موجات القلق العالمية، المفارقة أن كثيرًا من هذه الدول لا تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في مسار الصراع، لكنها تجد نفسها مضطرة لتحمل تداعياته الاقتصادية، وهو ما يكشف خللًا أعمق في بنية الاقتصاد الإقليمي، الذي لا يزال شديد الحساسية تجاه المتغيرات السياسية والعسكرية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
إلى متى ستظل الاقتصادات العربية رهينة لصراعات لا تملك قرارها؟
ربما تكون الإجابة في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على العوامل الخارجية، لكن ذلك يحتاج إلى سنوات من الإصلاح الحقيقي، وتغير في البنية الداخلية.
في النهاية..
الحروب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار العسكري، بل أيضًا بالخسائر الاقتصادية التي تدفعها شعوب لم تكن جزءًا من المعركة، لكنها تجد نفسها دائمًا تدفع فاتورة قرارات لم تشارك في صناعتها.
--------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






