عناصر الصورة متعددة وهى كما يلى:
أولاً: تعنت أمريكى يقابله تحدى إيرانى، فلا الطرفان سيختفيان وانما أثرت هذه الحرب وهذا الصراع عليهما جذريا كما سنرى.
ثانياً: أن أمريكا فى الغالب فقدت هيبتها فى العالم مقابل تدمير إيران واغتيال قادتها ومع ذلك فإن إرادتها تأبى أن تخضع لامريكا.
ثالثاً: انتهت الحرب فعلا بتدمير ايران وفوجئت أمريكا بصلابتها وهناك قاسم مشترك بين العرب وإيران وهى قابلية الطرفين للعمالة للخارج علماً بأن هذه الظاهرة أوسع لدى العرب، وتحتل القمة بحيث أن ايران هىى الدولة الوحيدة المستقلة فى المنطقة. وما كان لإسرائيل أن تتوحش فى المنطقة إلا بتمكين أمريكا لها من المنطقة العربية والإسلامية. وإيران بالإسلام هزمت أمريكا وإسرائيل، ولكن عندما كانت وثنية وكان العرب والمسلمون يحاربون فى سبيل الله تحت راية الإسلام خضعت للعرب المسلمين فى موقعة القادسية، والآن تخلى العرب عن الإسلام وتعلقت إيران بالإسلام. والحرب ضد إيران مؤكد أنها حرب عقيدة أحد الآدلة هو تصريح وزير الحرب الأمريكى بأن الصراع مع إيران هو صليبية جديدة .
رابعاً: أن المنطقة سوف تشهد تداعيات الصمود الإيرانى الذى يعكس حضارة فارس القديمة عندما تمتزج بالإسلام. ويخطئ من يعتقد أن إيران دمرت وفقدت دورها فى المنطقة.
خامساً: أن الصراع بين أمريكا وإيران صراع على النفوذ وصراع علي تغيير النظام الإقليمى والدولى . وسوف يترتب عليه النتائج الآتية.
1 - مصير العلاقات الأمريكية الإسرائيلية .
لا تستطيع إسرائيل أن تبقى بغير الدعم الأمريكى، وقديماً زعم الصهاينة أن إسرائيل محاطة ببحر من العداء العربى وكان يمكن أن يستمر هذا العداء حتى يحرق إسرائيل، ولكن تدخلت أمريكا ونصبت الحكام العرب وحمت فسادهم ودكتاتوريتهم، ولذلك أنست إسرائيل إلى الدول العربية المحيطة التى أحيانا فضلت دعم إسرائيل على انقاذ غزة بحجج مختلفة، ولكن السبب الحقيقى هو حرص الحكام العرب على كرسى الحكم الذى تضمنه أمريكا فى خدمة إسرائيل.
2 - العلاقات الإسرائيلية الأمريكية سوف تشهد انفصاماً كاملا، وهذا هو السبب الذى دفعنا إلى التنبؤ بزوال إسرائيل وحلول قواعد جديدة تحكم علاقات المنطقة.
3- فالشعوب العربية والإسلامية جربت الثورات ضد حكامها، ولكن الغرب وإسرائيل من مصلحتهم استمرار هؤلاء الحكام ولذلك أحبطت الثورات العربية التى أطلق الغرب عليها الربيع العربى تيمناً بربيع براغ اغسطس1968 .
4 - علاقة فارس بمشيخات الخليج العربى، أثبتت تجربة مضيق هرمز أن إيران القوية سند لدول الخليج ومواردهم البترولية وأن أمريكا لا تحمى أحدا، والدليل أن إيران متمسكة بإزالة التواجد العسكرى الأمريكى فى المنطقة، وسوف يحدث ذلك بسبب تراجع القوة الأمريكية بشكل خطير، ولذلك أتوقع أن تتعايش مشيخات الخليج مع فارس على حساب مصر والسعودية وتركيا، والأفضل أن يقوم نظام إقليمى يضم الجميع ضد الغرب واستعماره وهيمنته .
5 - زوال إسرائيل لن يمكن للأسف من التحليل لأن استغناء إسرائيل عن أمريكا مستحيل عمليا، وسوف تزول إسرائيل كما سوف تستقبل أمريكا الجزء الأكبر من صهاينة إسرائيل الذين يتمتعون بالجنسية الأمريكية.
6 - بقى أن الصفة الصهيونية لأمريكا تتحلل داخل المجتمع الأمريكى لصالح الأقوام المهاجرة ومنها الاسيوية والعربية والإسلامية.
7 - سوف يترتب على انتصار إيران والنيل من مكانة أمريكا دخول ملايين من غير المسلمين فى الإسلام وترتفع راية الإسلام الشيعى، علماً بأن الإسلام واحد وليس فيه شيعة ولا سنة. الشيعة أشد تمسكا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مما يسمى بالسنة. ومطلوب من الأزهر الشريف فى المرحلة القادمة أن يتعامل مع الشيعة والسنة وفق منهجه فى الخمسينات من القرن الماضى. ومطلوب تثقيف عامة المسلمين عن المذهب الشيعى.
8 - الصورة بعد انتصار إيران. سوف تعود إيران إلى فارس القديمة فى حضارة فارس، فرغم الثورة الإسلامية على الشاه إلا أنهم حافظوا على تراث البلاد وقصورها خلافاً للانقضاض على الرموز الملكية لبعض الدول العربية .
9 - ومعلوم أن فارس كانت القوة الشرقية ضد الروم ولن يزيل إسرائيل سوى إيران، أما العرب فسوف تتغير طباعهم بعد زوال حكامهم لأن فى الوقت الراهن معظم الحكام العرب مع أمريكا وإسرائيل. أما الشعوب العربية والإسلامية بما فيها شعوب الخليج فتتمنى سحق إيران لإسرائيل. ومن نافلة القول أن السخافة الإعلامية فى بعض أجهزة الإعلام العربية خاصة الخليجية المتأثرة بالصهيونية تفاضل بين إسرائيل وإيران. والصحيح أن إسرائيل هى عدو العرب وأن التنافس بين المشروعات الإيرانية والتركية والصهيونية هو بسبب عدم وجود قوة عربية ولذلك أصبح الجسد العربى مجالاً للتنافس بين المشروعات الثلاثة، خاصة وأن مصر سحبها السادات من قيادة العالم العربى واكتفت بالقرب من أمريكا وإسرائيل واعتبرت إسرائيل وأمريكا بديلا عن العالم العربى، ولذلك لم يكن هناك تعاطف بين المصريين والعرب فى عهد أنور السادات.
10- ومعلوم أن مصر الملكية هى التى مدت يد العون لكل البلاد العربية فقد أرسل سعد زغلول 1919 بهدوء أول بعثة تعليمية لدولة الكويت الناشئة، كما كان المحمل يزف من أحياء القاهرة إلى مكة المكرمة وكانت التكايا المصرية التى نشأت فى القرن الثانى عشر الميلادى فى عهد الأيوبيين آخر شاهد على عظمة مصر.
11 - من المتصور ان تعود مصر إلى امجادها بعد الأزمة بين إيران وأمريكا، ولن تحترم فارس سوى مصر حيث تجمع بين البلدين قواسم مشتركة أهمها الاشتراك فى السمات الحضارية.
12- وسوف يتم الفرز على اساس البداوة والحضارة. ومعلوم أن فارس والعراق ولبنان وسوريا ومصر من أصحاب الحضارات . وسوف تتحرر الشعوب العربية من الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية التى فرضها الحكام العرب على هذه الشعوب.
--------------------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل






