لم يعد الارتفاع المتواصل في الإنفاق العسكري العالمي مجرد تفصيل مالي يرد في تقارير الموازنات السنوية، ولا رقمًا تقنيًا تتداوله مراكز الدراسات المتخصصة، بل أصبح مرآة صريحة لتحوّل عميق يطال طبيعة النظام الدولي ذاته. فعندما يبلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار في عام 2025، وفق تقديرات معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، ويُسجل بذلك العام الحادي عشر على التوالي من الزيادات المستمرة، فإن المسألة تتجاوز شراء السلاح أو تحديث الجيوش، لتلامس جوهر العلاقات الدولية؛ كيف تنظر الدول إلى الأمن؟ وكيف تعرّف التهديد؟ وكيف تستعد لعالم أكثر اضطرابًا وأقل يقينًا؟
لقد ساد الاعتقاد بعد نهاية الحرب الباردة بأن التوسع في التجارة العالمية، وتشابك المصالح الاقتصادية، وصعود المؤسسات متعددة الأطراف، سيجعل الحروب الكبرى أقل احتمالًا وأكثر كلفة. وقد بدا خلال السنوات الأخيرة أن العالم يسير نحو نموذج جديد تحكمه الأسواق أكثر مما تحكمه الجيوش، وتديره الاتفاقات أكثر مما تديره التحالفات العسكرية. غير أن التطورات التي شهدها العقد الأخير نسفت جانبًا مهمًا من هذا التصور. فالحرب في أوكرانيا، والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط، واتساع نطاق الحروب السيبرانية، كلها دفعت الدول إلى إعادة الاعتبار لفكرة القوة الصلبة بوصفها الضامن الأخير للمصالح الوطنية.
من هنا يمكن فهم لماذا ارتفع العبء العسكري العالمي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2009. فالدول لا تنفق أكثر لأنها أكثر ثراءً بالضرورة، بل لأنها أكثر قلقًا. العالم ينتقل تدريجيًا من منطق العولمة الاقتصادية إلى منطق الجيوبوليتيك، حيث تعود الجغرافيا، والتحالفات، والردع، والقدرة العسكرية إلى مركز صناعة القرار.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة كحالة كاشفة، فرغم أن إنفاقها العسكري انخفض في 2025 إلى 954 مليار دولار، أي أقل بنسبة 7.5% من العام السابق، لكن هذا التراجع لا يعكس انسحابًا أمريكيًا من سباق القوة، بل شهدت ما يبدو كإعادة تموضع في الأولويات. فالسبب الرئيسي للانخفاض كان توقف إقرار مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا خلال العام، بعد أن بلغت تلك المساعدات نحو 127 مليار دولار خلال السنوات السابقة. أما استراتيجيًا، فما زالت واشنطن تمضي في تعزيز قدراتها النووية والتقليدية، مع تركيز متزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث ترى في صعود الصين التحدي الأكبر طويل الأمد.
بعبارة أخرى، لم تعد الولايات المتحدة تريد استنزاف مواردها في إدارة الأزمات الإقليمية كما في السابق، بقدر ما تسعى إلى إدارة المنافسة الكبرى مع بكين. وهذا يفسر استمرار رفع ميزانيات البحث العسكري، والتوسع في القدرات البحرية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي العسكري، والدفاعات الصاروخية، والفضاء السيبراني. فالتراجع الرقمي المرحلي لا يلغي حقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال تنفق وحدها ما يقارب ثلث الإنفاق العسكري العالمي.
أما أوربا، فقد تكون الأكثر تعبيرًا عن روح المرحلة الجديدة. فالقارة التي بنت نموذجها السياسي بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة "السلام الدائم"، و"الدولة الاجتماعية"، بجانب المظلة الأمنية الأمريكية، وجدت نفسها فجأة أمام حرب واسعة على حدودها الشرقية. لذلك ارتفع إنفاقها العسكري بنسبة 14% ليصل إلى 864 مليار دولار، وهو ما جعلها المساهم الأكبر في الزيادة العالمية خلال 2025.
التحول الألماني هنا يحمل دلالة خاصة، فقد رفعت ألمانيا إنفاقها العسكري إلى 114 مليار دولار، بزيادة 24%، متجاوزة للمرة الأولى منذ عام 1990 عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا ليس مجرد قرار مالي، بل مراجعة تاريخية لدور ألمانيا الاستراتيجي، بعد عقود من الحذر العسكري المرتبط بإرث الحرب العالمية الثانية. كما رفعت إسبانيا إنفاقها بنسبة 50%، فيما تسارعت برامج التسلح في بولندا ودول البلطيق. أوروبا لم تعد تسأل إن كانت بحاجة إلى القوة، بل كيف تبني قوة مستقلة وأكثر قدرة على الردع.
في المقابل، تتجه الصين بثبات نحو ترسيخ مكانتها العسكرية بما يتناسب مع وزنها الاقتصادي والسياسي. فقد ارتفع إنفاقها العسكري إلى 336 مليار دولار، مسجلًا العام الحادي والثلاثين من الزيادات المتواصلة. ولا يرتبط هذا المقال بملف تايوان فقط، بل يشمل حماية طرق التجارة، وتوسيع النفوذ البحري، وتطوير القدرات الفضائية، وتعزيز التفوق التكنولوجي في مجالات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.
كما أن ما يحدث في آسيا لا يقتصر على الصين. فقد رفعت اليابان إنفاقها العسكري إلى 62.2 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ 1958، في تحول لافت لدولة التزمت لعقود سياسة دفاعية محدودة. كما رفعت تايوان إنفاقها بنسبة 14% وسط تصاعد الضغوط الصينية والمناورات العسكرية حول الجزيرة. هذه المؤشرات تجعل شرق آسيا أحد أكثر أقاليم العالم حساسية، وربما أخطر ساحات الاحتكاك بين القوى الكبرى خلال العقود المقبلة.
أما الشرق الأوسط، فرغم أن إجمالي الإنفاق العسكري فيه استقر نسبيًا عند 218 مليار دولار، فإن ذلك لا يعني تراجع التوترات. فالمنطقة ما تزال تعيش على وقع صراعات مزمنة، وحروب بالوكالة، وتنافسات إقليمية، وممرات بحرية شديدة الأهمية. ولهذا حافظت المملكة العربية السعودية على موقعها بين أكبر المنفقين عالميًا بإنفاق بلغ 83.2 مليار دولار، بينما بلغ إنفاق إسرائيل 48.3 مليار دولار رغم تراجعه النسبي، وظل أعلى بنسبة 97% مقارنة بعام 2022. كما رفعت تركيا إنفاقها إلى 30 مليار دولار في ظل استمرار انخراطها العسكري الإقليمي.
اللافت في كل هذه التحولات أن الإنفاق العسكري لم يعد يذهب أساسًا إلى الدبابات والطائرات التقليدية فقط، بل إلى ساحات جديدة للصراع. وفي الوقت نفسه أصبحت الطائرات المسيّرة، والأنظمة المناظرة (غير المأهولة)، والدفاعات الذكية، والأقمار الصناعية الصغيرة، والهجمات السيبرانية، والخوارزميات العسكرية، كلها جزءًا من ميزانيات الدفاع الحديثة. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لطائرة مسيّرة زهيدة الكلفة أن تدمر منصة قتالية بملايين الدولارات، بما يغيّر معادلات الحرب والتسليح معًا.
لكن خلف هذا التصاعد تكمن مفارقة عميقة؛ فكل دولة تزيد إنفاقها بدعوى تعزيز أمنها، إلا أن هذه الزيادة نفسها تدفع الآخرين إلى الشعور بالخطر، ومن ثم زيادة إنفاقهم هم أيضًا. هكذا يدخل العالم في الحلقة الكلاسيكية المعروفة في العلاقات الدولية باسم "معضلة الأمن"، حيث يتحول السعي الفردي إلى الحماية إلى مصدر جماعي لعدم الاستقرار. وبطبيعة الحال، لهذا الأمر كلفة اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية، فلو جرى توجيه نسبة محدودة فقط من الإنفاق العسكري العالمي إلى التعليم، أو الصحة، أو التحول الطاقي، أو مكافحة الفقر، لأمكن تحقيق قفزات تنموية واسعة. غير أن البيئة الدولية الحالية تجعل الأمن العسكري يتقدم على الأمن الاجتماعي، خاصة في ظل تصاعد الشكوك وتراجع الثقة بين القوى الكبرى.
في المحصلة، لا يشهد العالم مجرد ارتفاع في الموازنات الدفاعية، بل يعيش انتقالًا تاريخيًا من عصر كانت فيه الأسواق والمؤسسات الدولية أدوات الضبط الأساسية، إلى عصر تعود فيه موازين القوة والردع والتحالفات الصلبة إلى الواجهة. إنه انتقال من "العولمة المطمئنة" إلى "القلق الاستراتيجي". ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح السنوات المقبلة ليس من ينفق أكثر، بل ما إذا كان هذا السباق الجديد نحو القوة سيمنع الحروب، أم سيمهّد لها.
---------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






