30 - 04 - 2026

نذير التراجُع: إسرائيل الإمبريالية

نذير التراجُع: إسرائيل الإمبريالية

نشرت مجلة "Cicero" الألمانية مقالاً للرأي بقلم د. غيدو شتاينبرج، عالِم وباحث إسلامي في مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP) في برلين، استعرض خلاله رؤية استشرافية حول النهج الذي تتبعه إسرائيل والذي حمل في طياته مؤشرات انهيار مُبكرة للأسطورة المزعومة التى طالما حلم بها المشروع الاستيطاني الصهيوني. وفي مقاربة لا تختلف كثيرًا عن الأنظمة الفاشية نرى اسرائيل تتغول منذ أحداث 7 أكتوبر سيرًا على الخُطى المرسومة سلفًا في مخططاتها العتيقة لاستلاب الأرض بالإكراه والقوة الغاشمة. ففي مقاله المطول تطرق د. غيدو إلى فرضية غاية في الأهمية، ألا وهى، أنه  في لحظة استعراض القوة المفرطة، غالبًا ما ينطلق نذير التراجُع وتتردد أصداؤه قادمة من المستقبل. فكل انتصار يجلب معه أعداءً جُدد، ويهشم تحالفات قديمة، ويحشد قوى المعارضة وصولًا إلى الصدارة، حاملاً في ثناياه هزيمة وئيدة.

أشار الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط إلى أن هناك مؤشرات عديدة تدل على أن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في ربيع عام 2026 ستشكل لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، ربما تضاهي في أهميتها حروب أعوام 1967 و1991 و2003. ومن نتائجها المحتملة أن تخرج إسرائيل من هذا الصراع وهى أقوى قيادة عسكرية مُسيطرة في الشرق الأوسط. وقد بدا هذا الأمر مُستبعدًا للغاية قبل ما يربو على عامين، عندما هاجمت حركة حماس إسرائيل، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 250 آخرين كرهائن في قطاع غزة.

ولكن بعد هذه الهزيمة بفترة وجيزة، اندلعت سلسلة من الحروب والنزاعات المسلحة التي بلغت فيها إسرائيل - أحيانًا بدعم أمريكي مباشر وأحيانًا بدونه - ذروة قوتها المؤقتة في الشرق الأوسط بهزيمة خصمها الرئيسي، إيران، بطريقة مُذلة. ولكن، كما هو مُعتاد في التاريخ، تظهر أولى بوادر التراجع والسقوط في لحظات الانتصار. ومن المرجح حدوث ذلك في حالة إسرائيل خلال الأشهر والسنوات القادمة.

وفي مطلع عام ٢٠٢٣، لم تظهر أي مؤشرات على التحولات الكبيرة التي ستحدث لاحقًا، بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في ربيع ٢٠٢٦. كانت إسرائيل تعتقد أن حماس وحزب الله لا يشكلان تهديدًا حقيقيًا. ومع ذلك، فاجأت حماس إسرائيل بهجومها في 7 أكتوبر 2023، مما أدى إلى قناعة بضرورة التصدي للتهديدات سريعًا. خلال الحرب التي تلت ذلك، فقدت حماس معظم قيادتها، بينما خسرت إسرائيل أيضًا عددًا كبيرًا من القادة في حربها ضد حزب الله في لبنان.  جراء هذه، سقط النظام السوري، حيث أدت الغارات الإسرائيلية إلى فقدان الإيرانيين وحلفائهم القدرة على دعم الحكومة السورية. وانتهت الهجمات الإسرائيلية الكبرى في يونيو ٢٠٢٥، عندما هاجمت إسرائيل إيران ودمرت منشآتها النووية بمساعدة الجيش الأمريكي.

القوة والقوة المضادة

لفت د.غيدو إلى استغلال اسرائيل الانطلاق من "حرب متوقفة" إلى "ساحة حرب جديدة" بالتعاون مع حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية. ففى أعقاب انتهاء حرب الأيام الاثني عشر، ظنت الأوساط الإسرائيلية أن الهجمات توقفت مبكرًا، إذ أوقف الرئيس "ترامب" الحرب عقب هجمات على منشآت إيرانية. وفي النصف الثاني من 2025، بدأت تل أبيب التحضيرات لشن ضربة عسكرية جديدة بين أبريل ويونيو 2026. وفي ديسمبر، طرح "نتنياهو" في البيت الأبيض فكرة شن حرب جديدة، لكن لم يحصل على ضمانات أمريكية. لكن الوضع قد تغير بعد نجاح التدخل الأمريكي في فنزويلا واحتجاجات إيران، مما دفع "ترامب" للإعلان عن ضربة عسكرية. وقد أبلغ الجيش "نتنياهو" بالحاجة إلى وقت إضافي، وتم اتخاذ القرار النهائي بالحرب في فبراير 2026.

لقد مثّل استعداد الولايات المتحدة لدعم إسرائيل انتصارًا لـ "نتنياهو"، الذي حذر من الخطر الذي تشكله إيران. وفي بداية الحرب في 28 فبراير، كانت الضربات الجوية أكثر كثافة، مما أضعف الجيش الإيراني على نحو كبير، إذ استهدفت الضربات العسكريين والسياسيين، بهدف إضعاف الجمهورية الإسلامية. كذلك رأت حكومة "نتنياهو" فرصة في توسيع رقعة الحرب إلى لبنان في مارس، رغم وقف إطلاق النار، حيث واصلت إسرائيل قصف حزب الله، مما أسفر عن مقتل قادته وتدمير قدراته. وبعد هجوم حزب الله على إسرائيل، شنت الحكومة هجومًا واسع النطاق للقضاء على التهديد الذي يشكله الحزب.

وفي السنوات الأخيرة، شكلت النجاحات الإسرائيلية تأثيرًا واضحًا على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، حيث كانت دول المنطقة قلقة من توسع إيران منذ 2015. لقد طورت إيران برنامجًا للصواريخ والطائرات المسيّرة وسعت إلى امتلاك برنامج نووي عسكري، رغم تباطؤه بسبب الاتفاق النووي الذي انسحب منه "ترامب" في 2018. كما شارك الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه في النزاعات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما زاد من قلق الدول العربية المجاورة، خصوصًا السعودية التي تشعر بتهديد الحوثيين المدعومين من إيران. تدخلت السعودية في اليمن عام 2015 لتقويض هذا التهديد، وسعت لتكوين تحالفات، بما في ذلك التواصل مع إسرائيل التي تشعر أيضًا بالتهديد من الوجود الإيراني. ومن ثم، توسعت قنوات الاتصال بين الرياض وتل أبيب بعد 2015.

كان التهديد الإيراني قويًا، وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023، كان اتفاق سلام مع السعودية وشيكًا، إذ أعلن ولي العهد محمد بن سلمان عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، لكن بعد حرب غزة، تراجعت القيادة السعودية بسبب الممارسات الإسرائيلية في القطاع، التي وصفها بن سلمان بـ"الإبادة الجماعية". هذه الأحداث أدت إلى إعادة تقييم جوهرية للسياسة الإسرائيلية، مما سيؤثر على سياسات السعودية ودول أخرى بعد الحرب ضد إيران.

كيف يُغيّر مسار إسرائيل الشرق الأوسط؟

على الرغم من أن التعاطف مع إسرائيل في العواصم العربية كان محدودًا حتى قبل أكتوبر 2023، إلا أن الحكومات في الرياض وغيرها كانت تنظر إلى الدولة اليهودية كقوة عسكرية جبارة تعمل ضمن نطاق جغرافي ضيق. ومع الحملات التي انطلقت منذ أكتوبر 2023 في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا وضد إيران، ولا سيما مع الحرب الكبرى التي تشنها إسرائيل بالاشتراك مع الولايات المتحدة في ربيع 2026، يترسخ الانطباع في السعودية ودول أخرى بأن إسرائيل تتصرف بعدوانية أكبر بكثير من ذي قبل، وتسعى للتوسع في الدول المجاورة، بل وتطمح إلى الهيمنة الإقليمية. لقد عبّر عالم السياسة الإماراتي د."عبد الخالق عبد الله" بدقة عن المزاج السائد في المنطقة عندما تحدث عن "إسرائيل إمبريالية" في وقت مبكر من عام 2025.

سيؤثر التحول في نظرة الدول إلى الدولة اليهودية على الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، حيث قد تسعى دول مثل السعودية للحد من النفوذ الإسرائيلي. من ناحية أخرى، لم تُظهِر حكومة نتنياهو اهتمامًا بتحسين العلاقات مع الدول العربية الموالية للغرب، بل توقعت أن تكون السعودية مستعدة للسلام بعد انتهاء الصراع مع إيران. بالمقابل، يعتبر محمد بن سلمان الدولة اليهودية تهديدًا. فإذا سقط النظام في طهران وانتهى التهديد الإيراني، قد يتوحد خصوم الشرق الأوسط ضد إسرائيل، كما بدأت بوادر هذا التوحد بالظهور في عام 2025 مع تقارب السعودية وتركيا. وإذا أدى الصراع مع إيران إلى تحالف جديد بين هاتين القوتين، سيكون ذلك انتكاسة خطيرة لإسرائيل. وفي أسوأ الأحوال، ستواجه البلاد خطر محاصرتها بتحالف جديد كلياً من الدول والمنظمات المعادية لإسرائيل.

قاعدة قوة هشة

في ضوء حروب إسرائيل الأخيرة، يتساءل البعض عن قدرتها على مواجهة التحديات. عدد سكان إسرائيل عشرة ملايين، بينما يتجاوز عدد سكان جيرانها مثل إيران وتركيا والسعودية بكثير. رغم تفوقها التكنولوجي والاقتصادي، قد تواجه صعوبة في الحفاظ على مكانتها القوية الحالية في الشرق الأوسط. كما أن دعم الرئيس الأمريكي "ترامب" كان له دور كبير في تعزيز قوة إسرائيل، حيث لم يسبق لأي رئيس أمريكي سابق أن قدم دعماً عسكرياً وسياسياً بهذا المستوى. تجلى ذلك في حرب الأيام الاثني عشر عام 2025، حيث لم تتمكن إسرائيل من تدمير المنشآت النووية الإيرانية بمفردها، واضطرت للجوء إلى دعم الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها.

تجلّت مرونة دونالد ترامب في ربيع 2026 حين أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بالانخراط في صراع مسلح، متجاهلاً رغبته السابقة في تجنب حروب الشرق الأوسط. رغم دعمه لنتنياهو، فإن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يواجه ضغوطًا متزايدة. أظهرت استطلاعات الرأي معارضة أغلب الأمريكيين للحرب الإيرانية العراقية في مارس 2026، كما يتزايد النقد لإسرائيل من كلا الحزبين في الولايات المتحدة، خاصة داخل حركة "ماغا" وحزب الديمقراطيين.

انسحاب أمريكا .. ومخاطرة إسرائيل

خلص الباحث إلى أن ما يحدث ليس مجرد تباعد سطحي بين حليفين ما زالا وثيقين. فالنفور المتزايد من إسرائيل يعكس رغبة سائدة بين الجمهوريين والديمقراطيين منذ نحو عقد ونصف، في الانسحاب من الحروب التي لا تنتهي في أفغانستان والعراق والشرق الأوسط. وبينما برر رؤساء مثل باراك أوباما ودونالد ترامب خلال ولايته الأولى وجو بايدن هذا التوجه بضرورة مواجهة الولايات المتحدة للمنافسة الجديدة في المحيط الهادئ، وتحديدًا الصين، فإن العديد من السياسيين من كلا الجانبين يرون الآن أن على الولايات المتحدة الانسحاب من السياسة العالمية كليًا، أو على الأقل توخي الحذر الشديد.

لم يترسخ هذا التحول الانعزالي في السياسة الأمريكية بعد، ولكنه سيستمر في التأثير عليها خلال السنوات القادمة. لذا، يبقى من المشكوك فيه بشدة ما إذا كانت الولايات المتحدة، مستقبلًا، ستكون مستعدة مجدداً للانخراط في عمليات عسكرية مشتركة مع إسرائيل كما فعلت في عامي 2025 و2026. سيكون لهذا الأمر تأثير بالغ على موازين القوى الإقليمية إذا حاولت إيران مجدداً امتلاك أسلحة نووية (ولم تعد إسرائيل قادرة على منع هذه المحاولة دون مساعدة أمريكية). لذلك، هناك الكثير مما يشير إلى أن لحظة هيمنة إسرائيل في الشرق الأوسط ستكون قصيرة الأجل - خاصة إذا اعتمدت الحكومة الإسرائيلية القادمة، بشكل أساسي، على الوسائل العسكرية وقللت من أهمية التحالفات مع جيران أقوياء مثل المملكة العربية السعودية.
------------------------------------
بقلم: Dr. Guido Steinberg
عرض وتقديم: 
شيرين ماهر
رابط المقال:
 https://www.cicero.de/aussenpolitik/vorboten-des-niedergangs-das-imperiale-israel