30 - 04 - 2026

ديناميات التفاوض بين إسرائيل ولبنان: إدارة الصراع بين الاعتبارات الأمنية والتوازنات الإقليمية

ديناميات التفاوض بين إسرائيل ولبنان: إدارة الصراع بين الاعتبارات الأمنية والتوازنات الإقليمية

تُعدّ المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ظاهرة لافتة في سياق صراع طويل ومعقّد، يتداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي. فعلى الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية واستمرار حالة العداء، شهدت السنوات الأخيرة محطات تفاوضية مهمة، عكست تحوّلًا في مقاربة الطرفين من منطق المواجهة المباشرة إلى إدارة الصراع وتقليل كلفته. يهدف هذا المقال إلى تحليل الدوافع الكامنة وراء انخراط الطرفين في هذه المفاوضات، مع تسليط الضوء على الأبعاد الأمنية والاقتصادية والإقليمية التي تحكم هذا المسار.

أولًا: دوافع إسرائيل للدخول في مفاوضات مع لبنان  
ترتبط رغبة إسرائيل في التفاوض بجملة من الاعتبارات الاستراتيجية، في مقدمتها البعد الأمني. إذ تسعى إلى تقليل احتمالات الاحتكاك العسكري مع حزب الله على الجبهة الشمالية، خاصة في ضوء دروس حرب لبنان 2006 التي أظهرت ارتفاع كلفة الحرب الشاملة وانعدام الحسم العسكري. وقد أفضت تلك التجربة إلى ترسيخ مفهوم “الردع المتبادل”، حيث بات كل طرف يحسب بدقة تداعيات أي تصعيد.

إلى جانب ذلك، تبرز المصالح الاقتصادية، لا سيما في قطاع الطاقة. فقد شكّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022 نموذجًا عمليًا لإمكانية التوصل إلى تفاهمات تقنية تخدم الطرفين، خصوصًا في ما يتعلق باستغلال حقول الغاز مثل “كاريش” و“قانا”. كما يعزز الاستقرار في جنوب لبنان فرص تطوير مشاريع البنية التحتية والطاقة، وهو ما يشكّل حافزًا إضافيًا للتفاوض.

في المقابل، تعكس هذه السياسة نهجًا أوسع قائمًا على “إدارة الصراع” بدلًا من حله، حيث تفضّل إسرائيل تقليل التهديدات دون تقديم تنازلات استراتيجية جوهرية. كما يلعب الضغط الدولي، ولا سيما من الولايات المتحدة، دورًا مهمًا في دفع هذا المسار، انطلاقًا من رغبتها في منع توسّع النزاع الإقليمي.

ثانيًا: دوافع لبنان للمفاوضة رغم ضعف الدولة
لا يمكن فهم الموقف اللبناني بمعزل عن طبيعة تركيبته السياسية والأمنية، حيث لا تحتكر الدولة وحدها قرارالحرب والسلم. إذ يشكّل حزب الله فاعلًا رئيسيًا في معادلة الردع، ما يجعل أي مفاوضات تأخذ في الاعتبار موازين القوى غير الرسمية.

غالبًا ما تتم هذه المفاوضات بوساطة دولية، خاصة من قبل الولايات المتحدة، وتهدف إلى تثبيت حقوق لبنان، سواء في ما يتعلق بالموارد الطبيعية أو النزاعات الحدودية مثل مزارع شبعا، أو على الأقل منع فرض وقائع جديدة على الأرض.

ثالثًا: مآلات المفاوضات المحتملة
يمكن تصور عدة سيناريوهات لنتائج هذه المفاوضات. أولها التوصل إلى تفاهم أمني محدود يهدف إلى تقليل الاحتكاك العسكري وتعزيز الاستقرار الحدودي، على غرار الترتيبات التي أعقبت حرب 2006، مع دور أكبر لقوات اليونيفيل.
السيناريو الثاني يتمثل في تحقيق تقدم جزئي في ترسيم الحدود، بما يخفف التوتر دون حل القضايا العالقة بشكل نهائي.
أما السيناريو الثالث، فهو فشل المفاوضات، ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري، خاصة إذا تعارضت حسابات إسرائيل مع مواقف حزب الله أو توجهات إيران.

رابعًا: الارتباط بالملف الإيراني - الأمريكي
ترتبط المفاوضات بين إسرائيل ولبنان بالسياق الأوسع للعلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن هذا الارتباط لا يأخذ شكل تبعية مباشرة أو تنسيق تفاوضي مغلق، بل يظهر بوصفه تفاعلاً بنيويًا بين ساحات صراع متعددة تتقاطع فيها المصالح والأدوات.

تقوم الاستراتيجية الإيرانية في الإقليم على ما يُعرف بمفهوم “وحدة الجبهات”، والذي يقوم على ربط ساحات متعددة مثل لبنان وغزة والعراق واليمن في إطار ضغط متزامن على إسرائيل، بما يسمح بتوزيع القوة وتعدد أدوات الردع عبر حلفاء غير دولتيين، وفي مقدمتهم حزب الله. هذا النموذج يمنح إيران قدرة على خلق توازن ردع مركب، بحيث لا يكون أي صراع محصورًا في ساحة واحدة، بل قابلًا للتوسع الأفقي عند الحاجة.

في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة استراتيجية مضادة تقوم على “تفكيك الترابط بين الجبهات” بدل تعزيزها. الهدف المركزي لهذه المقاربة هو منع تحول الصراعات المحلية إلى حرب إقليمية شاملة متعددة الساحات. لذلك تعمل واشنطن على إبقاء كل ساحة صراع ضمن حدودها الجغرافية والسياسية، عبر أدوات تشمل الوساطة الدبلوماسية، والضغط على الحلفاء الإقليميين، وإدارة التصعيد العسكري بشكل تدريجي.

ضمن هذا الإطار، تكتسب الساحة اللبنانية أهمية خاصة، إذ تمثل نقطة تقاطع حساسة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تنظر إلى أي تصعيد بين إسرائيل ولبنان باعتباره احتمالًا لفتح جبهة إضافية ضمن منظومة “وحدة الساحات”، وهو ما تسعى إلى منعه عبر الدفع نحو تفاهمات جزئية أو ترتيبات تهدئة تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وبالتالي، فإن أحد الأهداف غير المعلنة للسياسة الأمريكية يتمثل في “فصل الجبهات” أو على الأقل تقليل قابلية انتقال الصراع من لبنان إلى ساحات أخرى أو العكس.

في المقابل، لا تعمل إيران بالضرورة على توجيه المفاوضات اللبنانية بشكل مباشر، لكنها تستفيد من حالة التشابك الإقليمي لتوظيفها كورقة ضغط تفاوضية في أي مسار يتعلق بعلاقتها مع واشنطن، سواء في ملفات النووي أو العقوبات أو النفوذ الإقليمي. ومن هنا، يصبح لبنان ساحة اختبار للتوازن بين استراتيجيتين: إحداهما تسعى إلى ربط الجبهات وتوسيعها، والأخرى تعمل على تفكيكها وعزلها.

وبناءً عليه، فإن أي تحسن في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة سواء عبر تفاهمات مباشرة أو عبر وسطاء نعكس عادة في شكل تهدئة نسبية على الساحة اللبنانية، نتيجة تراجع الحاجة إلى استخدام لبنان كساحة ضغط. أما في حال تدهورها، فقد يتحول لبنان إلى ساحة ضغط متبادل، ما يزيد من احتمالات التصعيد.
في المحصلة، تعكس المفاوضات بين إسرائيل ولبنان تحولًا براغماتيًا في إدارة الصراع، حيث تتقدّم حسابات الكلفة والمصلحة على اعتبارات الحسم العسكري. ومع ذلك، تبقى هذه المفاوضات محدودة في نطاقها، إذ لا تستهدف حلًا جذريًا للصراع بقدر ما تسعى إلى احتوائه. كما يظل مستقبلها مرهونًا بتوازنات إقليمية أوسع، تجعل من لبنان جزءًا لا يتجزأ من شبكة معقدة من التفاعلات الجيوسياسية
.
-----------------------------------
بقلم: د. محمد فاروق مهنى


مقالات اخرى للكاتب

ديناميات التفاوض بين إسرائيل ولبنان: إدارة الصراع بين الاعتبارات الأمنية والتوازنات الإقليمية