خاض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على إيران بمشاركة إسرائيل، دون الرجوع للكونجرس مستغلاً الصلاحيات التي كفلها قانون "قرار سلطات الحرب" الذي صدر عام 1973، والذي منح الرئيس الأمريكي بصفته "القائد الأعلى للقوات المسلحة"، سلطة الرد السريع على التهديدات الوشيكة، أو حماية القوات الأمريكية دون انتظار ، ووفقاً لتصريحات ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" ووسائل الإعلام، فإيران دولة تمثل خطراً عسكرياً بما تمتلكه من 440 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب الذي يمكنها من صناعة سلاح نووي، فضلاً عن قدراتها الصاروخية، مما يمثل خطورة على قواعدها في الخليج والأردن والعراق وسوريا، والحليفة إسرائيل، والخطر الإيراني سيصل مداه للولايات المتحدة الأمريكية ثم دول أوروبا، وبعدها دول شرق آسيا.
قانون "قرار الحرب" فرض على الرئيس الأمريكي، إبلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من بدء الهجوم، ومواصلة العمليات العسكرية لمدة 60 يوماً فقط دون تفويض رسمي من الكونجرس، في حال انتهاء الـ 60 يوماً، ولم يصدر الكونجرس تفويضاً باستخدام القوة، أو يعلن الحرب، أصبح الرئيس ملزماً قانونياً بالبدء في إنهاء القتال، ويمكنه طلب تمديد لمدة 30 يوماً إضافية فقط، لضمان انسحاب آمن للقوات من منطقة النزاع، بشرط أن يقدم إفادة خطية للكونجرس بأنها ضرورية لحماية القوات أثناء الانسحاب، ويجب في نهاية مدة الـ 30 يوما أن تكون جميع القوات قد توقفت وانسحبت، ومن الأسلحة القوية التي يملكها الكونجرس إلى جانب القانون قدرته على قطع التمويل عن العمليات العسكرية، وبالتالي لا يمكن استمرار الحرب.. وإذا أصر الكونجرس على الرفض، ولم يسحب الرئيس القوات بعد مهلة الـ 90 يوماً، قد يدخل في مواجهة قضائية أمام المحكمة العليا، أو يواجه العزل بتهمة انتهاك القانون الفيدرالي.
** تمرد أوروبي وزلزال البنتاجون
في الحالة الإيرانية باقي من الزمن 4 أيام على انتهاء مهلة الـ 60 يوما، فالحرب بدأت في 28 فبراير 2026، وتنتهي في 28 إبريل 2026، وبالتالي دخل ترامب في سباق مع الزمن حتى لا يصطدم بالكونجرس، الذي من المتوقع ألا يمدد لأكثر من 30 يوماً لسحب القوات الأمريكية، خاصة مع فقدان الولايات المتحدة لهيبتها العسكرية والسياسية، وتراجع ثقة دول القواعد في القدرات الدفاعية الأمريكية لهم، وبدء حالة من التمرد الأوروبي، الذي رفض الانخراط في حصار مضيق هرمز، ويسعى لتشكيل قوة عسكرية لحماية ناقلات النفط بمضيق هرمز بالتفاهم مع إيران، مما يعني انفراط عقد التحالف الدولي الذي كانت تعتمد عليه واشنطن وتركها وحيدة في المواجهة.
وما يعزز فرضية مد الكونجرس المهلة لـ 30 يوما فقط لانسحاب القوات الأمريكية، أن غالبية أعضاء الكونجرس بما فيهم بعض الجمهوريين (مثل النائب توماس ماسي والسيناتور سوزان كولينز) يرون أن إدارة ترامب تعاني من "تخبط استراتيجي" وليس لديها خطة واضحة للنهاية، مما قد يؤدي لرفض التمديد أو عرقلة التمويل، خاصة وأن تلك الإدارة التي مر عليها عام ونصف بالبيت الأبيض، شهدت في شهري مارس وإبريل 2026، استقالة أو إقالة 3 وزيرات للعمل والعدل والأمن الداخلي، كما تعرضت القيادة العسكرية لزلزال، بالإطاحة بـ 12 قيادة منهم رؤساء أفرع كاملة وقادة عسكريين رفيعي المستوى، بإعلان البنتاجون (3 إبريل 2026) عن تنحي رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ورئيسة العمليات البحرية، ونائب رئيس أركان القوات الجوية، ورئيس وكالة استخبارات الدفاع، ويوم الأربعاء 22 إبريل 2026، أعلن وزير البحرية كارلوس ديل تورو، استقالته (الأربعاء 22 إبريل 2026) وهو أحد أبرز قياداته المدنية والذي شغل المنصب منذ أغسطس 2021، وهي نتيجة خلافات مع وزير الحرب بيت هيغسيث، في الرؤية العسكرية، وسعي إدارة ترامب لإعادة ترتيب القيادات بما يتوافق مع رؤيتها السياسية والأمنية للمرحلة المقبلة، والرغبة في وجود قادة عسكريين لا يعارضون أو يبطئون وتيرة الضربات العسكرية ضد طهران، حيث أفادت التقارير الأمريكية أن بعض القادة المقالين كانوا يبدون تحفظات على حجم التصعيد العسكري، والولاء المطلق لترامب، خاصة بعد تعمد بعض القادة الميدانيين طلب توضيحات مستمرة للأوامر، أو التذرع بمشاكل لوجستية لتأجيل ضربات معينة، خوفاً من رد فعل إيراني يدفع ثمنه جنودهم، وذلك وفقاً لتقارير إعلامية أمريكية.

** الواقعيون يحاولون استرداد الهيبة
يواجه ترامب معارضة ممن يطلق عليهم "الواقعيون في الدولة العميقة" بالبنتاجون والمخابرات، والقادة الذين تمت الإطاحة بهم، هؤلاء يدفعون للانسحاب لإنقاذ ما تبقى من الهيبة التي تبددت بعجز أقوى جيش في العالم عن حماية قواعده وأصوله العسكرية وجنوده من مسيرات وصواريخ إيران والمقاومة، واستنزاف الموارد، لذلك تلاحظ مؤخراً مع اقتراب انتهاء مهلة الـ 60 يوماً، زيادة التسريبات الصحفية من البنتاجون، وهي وسيلة يستخدمها "العسكر المحترفون" للضغط على البيت الأبيض والكونجرس عبر الرأي العام.
صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت عن مسؤولين وجود نقص في الذخائر بسبب الحرب على إيران، مما يعوق الدفاع عن تايوان ضد أي غزو صيني (وهنا تم استخدام الصين باعتبارها الخصم الحقيقي لأمريكا) وأن تعويض كامل الذخيرة المستهلكة قد يستغرق 6 سنوات، بسبب إطلاق أكثر من 1000 صاروخ توماهوك بعيد المدى منذ اندلاع حرب إيران، وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي، موضحة بأن البنتاجون يحول الصواريخ المخصصة للدول الأوروبية إلى مخزونات الجيش.
كما سربت مصادر استخباراتية أن الدفاعات الجوية الأمريكية تلقت ضربة موجعة بتدمير أو تضرر 12 نظام رادار ومحطات أقمار صناعية، وتدمير رادار واحد على الأقل من نوع "ثاد" وأخر من نوع "باتريوت"، و17 موقعاً عسكرياً أمريكياً في أنحاء الشرق الأوسط.
وكشف مسؤولون أميركيون مطلعون على معلومات استخباراتية للبنتاجون لشبكة "CBS News" أن إيران لازالت تمتلك قدرات عسكرية أكثر مما اعترف به البيت الأبيض وترامب ووزير الحرب علنا، وأن نصف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية كان سليما عند بدء وقف إطلاق النار، و60% من بحرية الحرس الثوري ما تزال موجودة بما في ذلك زوارق الهجوم السريع، والقوة الجوية الإيرانية تراجعت بشكل ملحوظ لكن لم يتم القضاء عليها كليا وثلثها ما تزال تعمل بعد قصف أمريكي إسرائيلي لآلاف المواقع. في حين يقول ترامب وإدارته أنه تم القضاء على إيران عسكرياً، ولم يعد لديها شيء.
فيما كشفت مجلة "ذا إنترسبت" وصحيفة اندبندت" الأمريكيتين، نقلا عن مصادر طبية بالمستشفيات العسكرية أن عدد القتلى لا يقل عن 50 إلى 70 قتيلاً، مع وجود عدد من المفقودين في حوادث سقوط الطائرات مثل (F-15) التي سقطت فوق إيران، مع الإشارة إلى أنه خلف كل قتيل 3 أو 4 جرحى بإصابات مستديمة، وإصابة أكثر من 750.. فيما تعترف وزارة الحرب بمقتل 15 وإصابة 400 خلال عملية الغضب الملحمي ضد إيران
ترامب سيسعى لإقناع الكونجرس باستمرار الحرب، فقد نقلت صحيفة "واشنطن بوست" أن البنتاجون أبلغ الكونجرس أن تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام قد يستغرق 6 أشهر، وأنه من غير المرجح تنفيذ عملية تطهير مضيق هرمز من الألغام قبل انتهاء الحرب..
ترامب الذي أحاط نفسه بمجموعة من المتشددين الذين يربطون السياسة الخارجية بالنبوءات الدينية، يراهن على الصهيونية المسيحية التي لن تقبل بوقف الحرب، لأنها جزء من نبوءات آخر الزمان، والانسحاب خيانة للمهمة الأخلاقية والدينية، وسيمارسون ضغوطاً على الكونجرس لتمرير تفويض جديد، أو عرقلة قرار الانسحاب، خاصة وأنهم يمثلون كتلة تصويتية ضخمة، وأي رئيس أو عضو كونجرس يعارض رغباتهم يواجه انتحارا سياسيا في الانتخابات، والمنظمات التابعة لهم مثل "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" تمتلك قدرة هائلة على حشد الكونجرس، ويمكنها إقناع الجمهور بأن الحرب لم تعد هجومية، بل دفاعية لحماية إسرائيل، وهو مخرج يسهل على المشرعين التوقيع عليه.
لذلك الواقعيون في الدولة العميقة، يقومون حالياً بتسريب المعلومات التي تتكتم عليها إدارة ترامب خاصة بالنسبة للقتلى لإثارة الشارع الأمريكي للضغط على الكونجرس، بتحويل نوابه لأشرس المعارضين لترامب خوفاً على مقاعدهم الانتخابية، لأن أصوات عائلات الجرحى والقتلى هي من توصلهم لمقاعد الكونجرس.
إيران تدرك الضغوط القانونية والزمنية التي يواجها ترامب الذي قال "لست تحت أي ضغوط زمنية والجانب الإيراني هو من يسابق الوقت لتفادي انهيار قطاع الطاقة"، وتستخدم الوقت كورقة ضغط، واستنزافه من خلال المماطلة في الرد النهائي على المقترحات الأمريكية، أو الدخول في تفاصيل تقنية، وتضع شروطاً صعبة، لدفع ترامب إلى حافة مهلة الـ 60 يوماً (28 إبريل 2026) لإحراجه أمام الكونجرس، وتضعه في موقف المضطر للتهدئة، وترفض الذهاب لإسلام آباد لعلمها أن ترامب يريد إنجازاً دبلوماسياً سريعاً لتجنب الحاجة لتفويض جديد قد يكون غير مضمون، وبالتالي تشعر طهران أنها في موقع يسمح لها بانتزاع تنازلات مقابل منح ترامب مخرجاً سلمياً يصنع منه نصراً وهمياً يتفاخر به.






