هل التعدد هو الأصل أم العكس؟ هناك من يقول إنه الأصل، ودليله ما نراه في أغلب الحيوانات التي لا تقبل بشريك واحد فقط، في حين أنَّ هناك من يقول إن الزواج الفردي هو الأصل، ودليله على ذلك أنَّه لو كان الزواج المتعدد هو الأصل لخلق الله آدم ومعه حواءات عدّة.
يقول الأستاذ مصدق السرطاوي: "كان الإسلام أول من حدد التعدد بأربعة؛ لأن الديانات التي سبقته لم تحدد وتركت الأمر مفتوحًا، وإلى الآن وفي أمريكا مثلًا توجد طوائف من المورمن والمسيحيين يتزوجون أكثر من عشر نساء، ولأن القانون المدني يمنع التعدد، فيقوم الرجل بتسجيل واحدة رسميًا، بينما الباقي يعشن معه كصديقات، فهل المرأة والرجل يمكن أن يلبِّيا احتياجات بعضهما الجسدية والعاطفية والإنجابية والحياتية؟ والبيوت أسرار، ولكل حالة خصوصيتها، والتعدد أفضل من الزنا، خاصة إذا كانت المرأة لا تلبي احتياجات الرجل، وللمرأة الحق في طلب الطلاق، إذا لم يلبِّ الرجل احتياجاتها المختلفة".
هل يوجد نص قرآني يحدد أسباب الزواج الثاني؟
الآية الكريمة (3) من سورة النساء، واضحة وصريحة: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مثنى وثلاث ورباع} ثم يتبعها بالآية الكريمة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} قيد أساسي، ثم تأكيد قاطع: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}.
الغالبية تتجاهل الجزأين الأول والأخير من الآية الكريمة، وتركز فقط على: "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مثنى وثلاث ورباع".
والكثير من الفقهاء يفسرون النص القرآني بشكل يحقق العدالة الاجتماعية، مثل الشيخ محمد عبده، والشيخ الغزالي، من فقهاء السُنّة، ومن فقهاء المذهب الجعفري، آية الله كمال الحيدري، ويتفقون على أن تعدد الزوجات في الإسلام ليس حكماً أصلياً أو مستحباً، بل مشروطًا بأسباب محددة، ويؤكدون على ضرورة العدالة المطلقة، وإن الأصل القرآني في أحادية الزواج، مع ربط التعدد باليتامى، حيث أن سياق الآية الكريمة يُشير إلى أن التعدد جاء كحل لضمان حقوق اليتامى، وليس كتشريع عام مطلق.
العدالة شرط التعدد، فالعدالة المالية والجسدية واجبة، لكن في المشاعر غير ممكنة، مما يجعل التعدد مُباحا لكن بحدود ضيقة جدًا، وعلينا مراجعة الفهم الشائع الذي يُصوّر التعدد كأنه أمر مطلوب لذاته، لأن القرآن قدّم "الواحدة" كخيار أفضل لتجنب الظلم.
-أصل الآية {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} جاءت في سياق اليتامى والخوف من ظلمهن، فالتعدد مرتبط بحل مشكلة اجتماعية محددة، وهي كفالة الأرامل والأبناء الأيتام.
-العدل شرط أساسي، الآية: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا} قرينة على أن التعدد حالة استثنائية وليست الأصل.
- التعدد مُباح لكنه مقيّد بالمصلحة الاجتماعية، وليست رخصة مفتوحة للرجل لمجرد الرغبة.
هناك الكثير من المراجع الدينية التي تحدد أسباب الزواج الثاني على أسس شرعية، ومن أهم الأسباب التي تسمح للرجل الزواج من زوجة ثانية: مرض زوجته الأولى الذي يستدعي عدم قدرتها على المعاشرة الزوجية، أو عدم قدرتها على الإنجاب، لكن ماذا لو كان العقم أو المرض من الرجل؟ سنتطرق إلى هذا السؤال في مقال لاحق.
والشرط الأساسي قبل الاقتران بزوجة ثانية هو: موافقة الزوجة الأولى على ذلك، والشرط بعد الاقتران هو: العدل بينهما في الفراش وفي الإنفاق وفي كل شيء.
وهناك من يدّعي أن النسبة العالمية للنساء أكثر من الرجال، وهذه معلومة غير صحيحة؛ لأننا لو تركنا الأمر بشكل طبيعي دون تدخل إنساني، لأصبحت النسبة متقاربة بين المرأة والرجل، لكن نتيجة الحروب - والتي غالبًا يصنعها الرجال - أصبح عدد الرجال أقل من النساء، كما في العراق وسوريا واليمن، في حين أنَّ النسبة بينهما متقاربة في البحرين، بل إنَّ نسبة الرجال تفوق النساء 51%، وفي فلسطين أيضًا النسبة متساوية تمامًا 50%.
هل القدرة الجنسية للرجل تؤدي إلى حاجته لزوجة ثانية؟ وماذا في حال وجود قدرة جنسية كبيرة لدى بعض النساء، والتي تصل أحيانًا إلى حدّ الشبق؟
إن أساس التشريع الإسلامي هو الزواج بواحدة، والاستثناء هو التعدد، ثم إن التعدد يُنقص من إنسانية كل من المرأة والرجل، ولا أعتقد أنه توجد امرأة تمتلك قدرًا من الإرادة تقبل ذلك، ومن حق المرأة شرعًا أن تطلب الطلاق في حال اقترن زوجها بأخرى، ولا بد من علم الزوجة الأولى كشرط لإتمام الزواج الثاني.
عندما كنا صغارا ، كنا نرى في كل البيوت، الرجال لديهم زوجة واحدة فقط، وإذا ماتت الزوجة يقترن بأخرى، ولا يُجمع الرجل بين زوجتين، أما الآن فإننا نرى حالات التعدد في ازدياد، لماذا؟ ربما لأنه سابقًا كان الرجال يفهمون الدين على حقيقته، وحاليًا فقط الغالبية يتمسكون بقشور الدين.
إن ما يهمنا في الأمر هو السلوك والمعاملة؛ لأن الدين المعاملة؛ فمن يتزوج على زوجته بلا سبب شرعي مقنع، كمرض الزوجة وعدم قدرتها على الإنجاب مثلًا، أو بدون أن يحقق الشروط الشرعية، التي أولها موافقة الزوجة الأولى، وتوفير العدل التام من الناحية المادية والعاطفية والجنسية، فهو رجل لا يستحق الاحترام؛ لأنه لم يحترم العشرة الطويلة. وبعض الرجال ممن لا دين ولا أخلاق لديهم، إذا تزوجوا ثانية، يهينون زوجتهم الأولى، ويمارسون كل أشكال العنف ضدها.
والحمد لله مازلنا نرى نماذج كثيرة جميلة في العلاقة الزوجية بين المرأة والرجل، من حيث احترام الحياة الزوجية، وتكريم الزوجة، وبالمقابل التضحية والحب والإخلاص من قبل الزوجة.
وحتى بداية الثمانينات، لم نكن نرى رجلًا عربيًّا متزوِّجًا من زوجتين إلا فيما ندر، لكن الظاهرة بدأت تنتشر في الوطن العربي بجنون؛ لأسباب عدة، منها انتشار تيارات التأسلم السياسي؛ فأغلب من ينتمون إلى هذه التيارات تجد أن لديهم أكثر من زوجة وأطفالًا كُثر، وغالبًا فإنَّ الأسر التي بها تعدد زوجات يغلب فيها التفكك والتناحر. لذا فإن ظاهرة التعدد برزت مع ظهور تلك التيارات التي تستغل الدين لأغراض شخصية، وتتمسك بقشور الدين لا جوهره.
-------------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






