هناك ثلاث إشكاليات أساسية مطروحة عند أي نقاش جاد لحالة الأحزاب السياسية في مصر، الإشكالية الأولى تتصل ببنية النظام السياسي واستمرار واحتكار السلطة، التي نجمت عن عقود طويلة من تأميم العمل السياسي ومصادرته، من خلال القيود التنظيمية والإجرائية المفروضة على حرية التنظيم والعمل النشاط السياسي، والتي أصابت مفهوم السياسة والعمل السياسي العام في مقتل، إلى حد دفع البعض إلى الحديث عما أسماه الصحفي والناشط السياسي اليمني محمد المقالح "موت السياسة". ويبين المقالح في كتاب له حمل هذا العنوان صدر في عام 2020، كيف فشلت "الطبقة السياسية اليمنية" في معالجة الأزمة التي عانى منها اليمن خلال السنوات ما بين 2002 و2010، وكيف أدى هذا الفشل إلى انهيار الدولة، وهو ما نراه في اليمن الآن. وبدلاً من أن يستمع الساسة والقادة إلى ما يقوله المقالح، تعرض هذا الناشط، مثلما يتعرض غيره من نشطاء وكتاب وممارسين في بلدان أخرى للاختفاء القسري وتلفيق الاتهامات والمحاكمات غير العادلة، بسبب كتاباتهم ومواقفهم. غير أن هذا التنكيل الذي يتعرض له النشطاء والمناضلون يظل دوماً ثمناً زهيداً يدفعه المناضل المؤمن بعدالة قضيته والمدافع عن المثل العليا وعن مصالح الغالبية الساحقة من أبناء وطنه.
"موت السياسة" هي الحالة الأشد قسوة الناتجة عن مصادرة النشاط السياسي وتأميم العمل السياسي واحتكار السلطة، وهذا الموت يحدث عندما يعزف الناس عن الانخراط في العمل السياسي، حتى بعد تخفيف القيود أو رفعها. الحالة الأخف وطأة تتمثل في افتقار المجتمعات إلى حياة سياسية تتسم بالمصداقية والفاعلية، وهو ما رصدته تقارير صدرت عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، في بروكسل، بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، وأهمها ثلاثة تقارير تناولت أزمة الإصلاح السياسي في كل من مصر والأردن والعراق. وأشارت هذه التقارير بشكل واضح إلى تأثير الأزمة التي تعاني منها هذه البلدان والناجمة، بالأساس، عن افتقارها إلى أي حياة سياسية تحظى بالمصداقية يمكن التعويل عليها في عمليات الإصلاح السياسي، علاوة على تأثيرها المحتمل على الاستقرار السياسي العام. وحذرت التقارير، في ذلك الوقت، من أن هذه الأزمة تطرح مجموعة من التساؤلات التي تؤثر على استقرار بلدان على المدى الطويل، حتى إذا لم تؤد مباشرة إلى نشوب صراعات عنيفة وانفجارات اجتماعية وسياسية.
ما يهمنا هنا هو تأثير هذا الوضع على حالة الأحزاب السياسية، خصوصاً في مصر، وتأثير الضعف الذي تعاني منه تلك الأحزاب السياسية على الاستقرار السياسي وعلى قدرة النظام السياسي على احتواء التوترات وتنظيم عملية الصراع على السلطة، وترشيد الممارسة السياسية وممارسة الحكم. قد يكون من المهم أن نحدد طبيعة الأزمة الراهنة التي تعاني منها الأحزاب السياسية، وحالة الضعف الذي تعاني، منه رغم العدد الكبير لتلك الأحزاب، فمعظمها على قدر من الهامشية والصغر وضعف التأثير والحضور إلى الحد الذي لا يشعر الناس معه بوجودها أصلاً. لا نتحدث هنا على الجمهور العام، العازف عن السياسة وشؤونها، وإنما نتحدث عن النخبة المثقفة المعنية والمهتمة. إن الحالة التي عليها الأحزاب السياسية اليوم، تجعلها جزءًا من مشكلة المجال العام السياسي وتعذر إصلاحه وتنظيمه، رغم أنه من الضروري، بل من الممكن، أن تكون الأحزاب السياسية جزءًا من الحل، وعلينا أن نعرف الأسباب التي تجعلها عاجزة عن إنجاز تلك المهمة.
أزمة بنائية
تشير تجربة الأحزاب التي تشكلت بعد ثورة 25 يناير 2011 إلى وجود أسباب بنائية لأزمة النظام الحزبي، أو بالأحرى لأزمة المجتمع السياسي، في مصر، فالأحزاب السياسية هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع السياسي. قد يكون مفهوم المجتمع السياسي غير مألوف في الخطاب السياسي في مصر قبل عام 1952، وبعده، على الرغم من النشاط المحموم الذي شهدته البلاد على مدى عقود. في عام 1961، صدر عن جامعة هارفارد، كتاب من تأليف عالم السياسة نداف صفران بعنوان "مصر تبحث عن مجتمع سياسي". صفران يهودي شرقي ولد في القاهرة في عام 1925، وهاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1950، بعد أن عاش سنوات قليلة في إسرائيل شارك خلالها في حرب عام 1948. يقدم صفران، من خلال هذا الكتاب، دراسة موسعة للتطور الفكري والسياسي للدولة الحديثة في مصر، في الفترة بين عامي 1804 و1952، أي ما يقرب من 150 عاماً. تناولت هذه الدراسة بعض المشكلات الجسيمة التي واجهتها مصر في سعيها لأن تنال مكانة مرموقة بين الدول في العالم الحديث، وهو السعي الذي لحق "صدمة الحداثة" التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر، 1798-1801. على الرغم من جهود التحديث التي بذلتها الدولة منذ عهد محمد علي، في شتى المجالات، ظلت هناك أزمة فيما يخص المجال السياسي، التي لم تتمكن النخبة المصرية من حلها، على الرغم من الجهود التي بذلتها منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والتي بلغت ذروتها مع ثورة 1919، واستقلال مصر رسميًا في عام 1922 وصدور دستور 1923.
في تقديري، أن جانبا كبيرا من أزمة المجتمع السياسي المصري وأزمة المجال العام السياسي، مرتبط بالأزمة التي تعاني منها الأحزاب السياسية، منذ تأسيس الحزب الوطني أثناء الثورة العرابية، ومرورا بتأسيس حزب الوفد، وغيره من أحزاب سياسية في ظل دستور 1923، والتي نشأ معظمها في سياق الصراع بين حزب الوفد وبين العرش، الذي اشتد اعتبارا من الفترة بين عامي 1936 و1939، وتمحور هذا الصراع حول تقليص سلطة القصر، كحد أدنى لطموح القوى السياسية والاجتماعية، أو الإطاحة بالحكم الملكي وتأسيس جمهورية، وظل هذا الصراع يؤثر على الحياة السياسية المصرية إلى أن تحركت مجموعة من ضباط الجيش في 23 يوليو عام 1952، وانقلبت على القصر وعلى النخب السياسية المتصارعة على الحكم. وكان لهذه التطورات تأثير على وضع الأحزاب السياسية وعلى المجال السياسي العام. واتهم حُكام مصر الجُدد الأحزاب السياسية، بما في ذلك حزب الوفد، بإفساد الحياة السياسية، وقرروا حلها، رغم اعتمادهم على كوادر سياسية تدربت في أحزاب وحركات سياسية تكونت في العهد الملكي تتبنى رؤى قريبة من رؤى القيادة الجديدة، لكن بشكل فردي.
سعى النظام الجديد في مصر إلى تطوير بديل للأحزاب السياسية وجربوا أشكالاً مختلفة للتنظيم السياسي، من خلال تجربة الحزب الواحد ممثلًا في الاتحاد القومي، ثم في تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي، ونظروا إلى الحزب السياسي كآلية للاتصال السياسي والتعبئة وحشد التأييد، وليس كآلية لتنظيم الصراع السياسي على السلطة التي جرى احتكارها، ليحل محلها صراع على النفوذ داخل التنظيم الواحد. ولم يوفر هذا النموذج آلية لتمثيل مصالح القوى الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، على نحو أدى إلى اختزال الصراع السياسي في البعد الأيديولوجي دون أن يكون لهذا البعد أي صلة بالصراع الاجتماعي والسياسي. نتيجة لذلك استمر عدد من الاحزاب السياسية في العمل، ولكن بشكل غير شرعي، وعبرت هذه الأحزاب عن ثلاث جماعات أساسية تمثل التيارات الكبرى في السياسة المصرية؛ وهي التيار الاشتراكي بتنويعاته المختلفة، والتيار الليبرالي المنحاز لفكرة السوق الحر والمشروع الحر، والتيار الإسلامي الذي يركز على فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية ويبحث لنفسه عن مساحة وسطى بين التيارين، الأمر الذي دفعه أحياناً للمزج بين عناصر من التيارين الآخرين.
الجبهة الوطنية ونبذ التحزب
ارتبطت الإشكالية الثانية لأزمة النظام الحزبي بأسباب لها جذور ضاربة في عمق في الثقافة السياسية التي تميل إلى نبذ الفرقة والروح الحزبية، وتعززت هذه الثقافة بصعود الطبقات الوسطى في المدن، مع انتقال قطاعات واسعة من الريف إلى المدن للعمل في الصناعات الناشئة وفي الوظائف العامة، تزايد معدلات التحضر. وتعمقت بسبب الأزمة التي عانى منها النظام السياسي، إذ اتسمت الحياة السياسية في مصر قبل 1952، بهيمنة حزب الوفد، الذي نشأ في خضم الثورة الوطنية في عام 1919، كمعبر عن تطلعات القطاعات الشعبية الواسعة للاستقلال الوطني ولنظام دستوري ديمقراطي، يقلص من صلاحيات الأسرة الحاكمة. وعلى الرغم من تنافس حزب الوفد مع الحزب الوطني ومع حزب الأحرار الدستوريين، إلا أن وضعه المهيمن حال دون تبلور نظام فعَّال للتنافس السياسي على السلطة، ونشأت أحزاب أخرى كان معظمها انشقاقات عن حزب الوفد بسبب خلافات شخصية على أسلوب قيادة الحزب الذي تمحور حول فكرة الزعامة.
كانت الطبقة الوسطى الصاعدة اعتباراً، من عشرينيات القرن الماضي، تنفر من فكرة الحزبية وتتطلع إلى تشكيل جبهة وطنية واحدة لقيادة النضال، لاستكمال تحرر مصر السياسي من النفوذ البريطاني، القضية الوطنية، وتقليص سلطة القصر، فيما عرف في الأدبيات السياسية بالمسألة الديمقراطية. وعمقت هذه الثقافة السائدة النظرة السلبية للأحزاب السياسية التقليدية التي كانت تواجه تحدياً متزايداً من أحزاب سياسية نشأت متأثرة بالأحزاب الفاشية في تركيا وأوروبا، تمزج بين الفكرة الوطنية والاشتراكية، مثل حزب مصر الفتاة، وتيارات أخرى تمزج بين العقيدة الدينية والفكرة الوطنية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، فيما كانت الأحزاب الشيوعية تعاني من الانقسام والحلقية والتشرذم، رغم محاولات الوحدة التي أفرزت الحركة الوطنية للتحرر الوطني، التي كانت أحد الروافد الأساسية للحركة الوطنية المصرية قبل 1952، والتي كانت من بين القوى الأساسية الداعية لفكرة تشكيل جبهة وطنية موحدة.
تمتعت هذه الأحزاب بنفوذ في النظام السياسي الجديد وظلت تشكل روافد أساسية داعمة له وكانت ممثلة إلى حد ما في التنظيم السياسي الواحد. وتأثرت تجربة الانفتاح السياسي التي واكبت الانفتاح الاقتصادي، في منتصف السبعينات، بهذه الإشكالية، الأمر الذي انعكس في تحويل النظام السياسي الواحد، الاتحاد الاشتراكي العربي، إلى ثلاثة منابر تمثل تيارات اليمين والوسط واليسار، والتي تحولت لاحقا إلى ثلاثة أحزاب سياسية، لكنها عجزت عن استيعاب جميع ألوان الطيف السياسي، فلم يقدم هذا التحول الذي مهد له بيان 30 مارس 1968، وورقة أكتوبر 1974، حلا لمشكلة التعددية السياسية ومنحت الدولة وضعا مركزيا في المجتمع، ولم تؤد إلى تطور المجتمع السياسي، الذي يعد وجوده شرطاً للحياة السياسية السليمة.
أدت هذه التحولات إلى الانتقال إلى ما يعرف في الأدبيات السياسية بنموذج الحزب القائد أو التعددية الحزبية المقيدة. فمنبر الوسط الذي تحول إلى حزب مصر العربي الاشتراكي في عام 1976، ثم تغير اسمه في عام 1978، إلى الحزب الوطني الديمقراطي، أصبح هو الحزب القائد نظراً لأنه يحظى بدعم رئيس الجمهورية والدولة، فيما تعرض الحزبان الآخران المنبثقان عن الاتحاد الاشتراكي العربي، وهما حزب الأحرار الذي تطور من منبر اليمين، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، الذي تبلور من منبر اليسار، للتهميش والحصار. إلى جانب هذه الأحزاب الثلاثة نشأ حزب العمل الاشتراكي، الذي دعمه الرئيس أنور السادات في أواخر السبعينات، والذي ضم وجوها سياسية من حزب مصر الفتاة والحزب الوطني القديم، لكنه تعرض للتهميش، بسبب معارضته، لاحقاً، لسياسات الرئيس السادات، كما ظهر حزب الوفد الجديد الذي عاد في عام 1978، بحصوله على حكم من المحكمة، بعد أن رفضت لجنة شؤون الأحزاب الترخيص له، وكذلك، تأسس الحزب العربي الديمقراطي الناصري في أبريل 1992، بموجب حكم صدر من المحكمة، وضم كوادر من منظمة الشباب والتنظيم الطليعي التابعين للاتحاد الاشتراكي، ليصبح الحزب الرسمي المعبر عن التيار القومي الناصري.
وظلت جماعة الإخوان المسلمين، التي يعتبرها كثير من المراقبين أقدم جماعة سياسية في مصر، محجوبة عن الشرعية، رغم تمتعها بحضور كبير على الساحة السياسية في مصر، منذ السبعينات وطوال عهد الرئيس حسني مبارك، مكنها من الدخول في تحالفات انتخابية مع أحزاب معارضة رئيسية، مثل حزب الوفد في انتخابات عام 1984، ثم مع حزب العمل وحزب الأحرار من خلال تجرية التحالف الإسلامي في انتخابات عام 1987 وعام 1990، وانتخابات 1995، و2000، إلى أن تمكنت من الحصول على 88 مقعدا في انتخابات 2005، واستفادت الجماعة من الانفتاح النسبي، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، الذي شهد تشكل أحزاب جديدة زادت المشهد الحزبي تعقيداً وضعفاً. كذلك استمرت بعض الأحزاب الشيوعية التي رفضت أن تندمج في الاتحاد الاشتراكي، ثم في حزب التجمع لاحقا، في النشاط لكن ضمن تنظيمات سرية، لكن ظل الانقسام والتشرذم سمة أساسية لكثير منها، وإن حافظت على مستوى من الفاعلية على مستوى بناء الكادر.
أزمة التنظيم والفاعلية
لم يؤد التغير في النظام السياسي في مصر والانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، إلى تغير في طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية التي تهيمن على الدولة ومؤسساتها وعلى الحكم، وبين المجتمع. تناولت في مقالات سابقة اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر، الأمر الذي أثر بشدة على حرية التنظيم ومن ثم على فاعلية الأحزاب السياسية وتأثيرها في المجتمع، حتى بعد تخفيف القيود التنظيمية، لاسيما بعد ثورة يناير 2011. ينقلنا هذا إلى مناقشة الإشكالية الرئيسية الثالثة المتعلقة بالتنظيم والفاعلية، وهي مشكلة تتعلق بالشق الذاتي في أزمة النظام الحزبي في مصر، ومن ثم يمكن استكشاف حلول لها من واقع التجربة الحزبية في مصر بعد عام 2011، التي شهدت تكوين أحزاب سياسية تعبر عن التيارات أو المدارس الرئيسية الثلاث في السياسية المصرية. إن قدرة هذه الأحزاب على التطور تتأثر بالإشكاليات المرتبطة بالبنية العامة للنظام السياسي وبالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبالتحولات في الثقافة السياسية، خصوصاً لدى الأجيال الشابة، وهي تحولات عالمية مرتبطة بما تحدثه التطورات في التكنولوجيا والاتصال من تأثيرات على الممارسة السياسية.
الفرضية الأساسية التي ينطلق منها المقال هي أن إصلاح الأحزاب السياسية المصرية هو شرط ضروري لإصلاح النظام السياسي المصري، وهو آلية أساسية لتحقيق الانتقال المنشود إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ومن ثم تأهيل الدولة المصرية لأن تحتل مكانتها الريادية على خريطة القوى العالمية. ويدفع هذا المقال بأن الأوضاع السياسية الراهنة سبب رئيسي لكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها مصر، وسبب في إهدار مقومات القوة المصرية الناعمة والخشنة، ويدفع كذلك بأن ممارسة التفكير النقدي يجب أن تتوسع لتشمل نقد ممارسات قيادات الأحزاب السياسية القائمة والتي تتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن إصلاح تلك الأحزاب وبنائها، إذ أن هذه الممارسات مسؤولة عن تراجع العضوية، وعزوف الفاعلين السياسيين، خصوصاً من الأجيال الشابة، عن الانخراط في الأحزاب القائمة أو حتى السعي لتشكيل أحزاب سياسية جديدة. لا شك في أن النظام الحاكم مسؤول إلى حد ما عن هذه المشكلة، من خلال القيود والعراقيل التي يضعها في وجه التجارب التي يستشعر من الخطر، على النحو الذي يكشف عنه الموقف من تيار الأمل.
الدافع المباشر لكتابة هذا المقال، ما لاحظته من نقاش خلال المؤتمر العام لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الذي عقد مؤخرا، لانتخاب اللجنة المركزية والمكتب السياسي ورئيس جديد للحزب، وهو تطور إيجابي في الممارسة الحزبية يمكن ملاحظته في عدد قليل من التجارب الحزبية، الأمر الذي يشير إلى إصرار قطاع من النخبة السياسية المصرية على تقديم القدوة في الممارسة السياسية الديمقراطية، من خلال التمسك بالانتخابات كألية أساسية لشغل المناصب الحزبية وتقديم مثالا عمليا لتداول السلطة من خلال إصرار من يشغلون مناصب في الحزب على عدم احتكار المقعد، والاكتفاء بدورتين كحد أقصى لشغل المنصب. لكن تجدر الإشارة هنا، إلى تعطل الآليات الأخرى للممارسة الديمقراطية المتمثلة في الرقابة والمساءلة والمحاسبة، والتي أرى أن الالتزام بها والحرص على تطويرها مسألة أساسية لإنضاج التجربة الحزبية المصرية والتعامل مع الإشكاليات الرئيسية لإصلاح النظام السياسي والتنمية السياسية في مصر.
أورد هذا المقال بعض الملاحظات الأولية الخاصة بالإشكاليات والقضايا المتعلقة بالحالة الراهنة للأحزاب السياسية المصرية، وسوف تتبعه مقالات أخرى تتناول بالتفصيل ملامح هذه الأزمة مع التركيز، بشكل خاص، على الشق الذاتي المتعلق بالحزب السياسي، في محاولة لاستكشاف الفرص المتاحة للنخب السياسية والاستراتيجية في هذه الأحزاب كي تضع تصورات للحل من واقع التجربة الحزبية في السنوات الخمسة عشرة الماضية، كي لا يكون نقاش هذه القضايا نقاشا نظرياً. إن قيمة هذا المقال وما يليه من مقالات ترتبط بما سيحدثه من نقاشات عامة ومفتوحة بين المنخرطين في العمل السياسي، في الأحزاب السياسية أو من خلال منظمات المجتمع المدني الحقوقية، لجسر الفجوة بين التحليل والتفكير النظري وبين التطبيق والممارسة العملية، وفتح الطريق أمام حالة من الجدل بين النظرية من ناحية وبين الممارسة والتطبيق من ناحية أخرى.
قد يرى البعض أنه لا يزال من المبكر الحكم على التجربة الحزبية المصرية بعد 2011، لكنني أعتقد أن 15 عاماً تكفي لمعرفة ما إذا كانت هذه التجربة تمضي في الطريق الصحيح، ولتقييم ما أحدثته من إنجازات ونتائج، وما يعترضها من عراقيل ومعوقات تحول دون تقدمها بالوتيرة التي تسمح بها القدرات الكامنة، والظروف المواتية في البيئة المتغيرة على الساحة الوطنية وأيضاً على الصعيد العالمي، وللتعامل مع العقبات التي تفرضها هذه البيئة، مع التطرق حيثما يكون ذلك ضرورياً، إلى التغيرات المطلوب من الدولة وأجهزتها ومن الحكومة أن تحدثها، لتطوير الحياة السياسية ما دام الهدف المعلن هو الانتقال إلى الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
--------------------------------
بقلم: أشرف راضي






