(مقالة عميقة مدعمه بإضاءات شعرية من نزار قباني إلى محمود درويش إلى فاروق جويدة تساعد على التفاعل مع موضوع مأساوي. فأساس الحضارة هو الاستقرار. فحينما أنزل الله القرآن لم ينزله على أهل البادية الرُحل بالرغم من حركتهم التي قد تساعد على نشر الدين، وأنزله عز وجل على مجتمع مستقر، هو قُريش.
فأساس الحضارة العربية هو اختلاط العرب بالحضارات القديمة والمجتمعات المستقرة في مصر والعراق وإيران والشام مما سمح بالتفاعل الإيجابي بين الفكر الإيماني والمجتمعات المستقرة مما أنتج حضارة مستقرة على الرغم من الصراعات الدموية على سده الحكم.
فلا يمكن لحضارة أن تنمو دون استقرار. وهذا الاستقرار هو مفتاح الحرب على أمتنا حاليًا. فكي يمنع لأعداء إعادة انتاج الحضارة حرصوا على أن يكون عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمكاني سمة لحياة تلك الأمة. حتى الخليج الـمُكون في الأساس من قبائل بدو رُحل، حينما بدأت تظهر عليه سمات الاستقرار بعد الوصول إلى درجة مناسبة من التراكم الاقتصادي، وقعت الحرب على إيران، والتي قد يكون من نتائجها إعادة تفكيك تلك المجتمعات.
أما إسرائيل فهي نموذج آخر للصراع العربي الإسرائيلي، وهو بالأساس غاصب أرض وصاحب أرض، وبالتالي فإن ما سيحسمه من وجهة نظر الأعداء هو قدرتهم على إبعاد السكان من أرضهم.
وقد يكون نزوحهم لأسباب طبيعية مثل التغيرات المناخية أو السعي للرزق ولكن المشكلة أن ما نواجهه بالأساس إنما هو نزوح لأسباب استعمارية وسياسية. أما السياسية فهي في الافتقاد لرباط جامع للمجتمعات يمنع حدوث الاقتتال الداخلي ويقود الفشل في التعامل مع التناقضات الداخلية الطبيعية إلى الحروب الأهلية مثل ما حدث في سوريا ولبنان والسودان وليبيا، والتي لعب الاختراق الخارجي دور كبير فيها، مؤكد مع قصور وأسباب داخليه نحن مسئولون عنها.
العقدة هي؛ لكي تكون قويًا فأنت تحتاج إلى الاستقرار، ولكن أعداءك الأقوى حاليًا لن يسمحوا لك بذلك فكيف يمكن الخروج من تلك الدائرة الجهنمية لنتحول من أمة للنازحين إلى أمة للحضارة). تعقيب الأستاذ الدكتور حافظ السلماوي على مقال (أمة النازحين)، المنشور في هذه الزاوية.
كيف نتحول من أمة نازحين إلى أمة حضارة؟ سؤال مصيري يستحق الوقوف عنده طويلاً، ويحتاج دراسات متعمقة وخبراء في مجالات عدة، وإن لم يمنعنا هذا من إرسال إشارات في الفقرات التالية، إلى أين نتجه أو على الأقل من أين نبدأ.
ولعل استعادة الاستقرار من الداخل يبدو مصيريًا، من هنا يعلمنا التاريخ أن الاستقرار لا يُمنح من الخارج ولا يُنتظر حتى يتوقف الأعداء عن مخططاتهم. قريش لم تنتظر أحداً كي تبني استقرارها؛ بنته بتحالفاتها وتجارتها ووحدتها القبلية. الخروج من الدائرة الجهنمية يكون في ترسيخ مفاهيم دولة المؤسسات، دولة تعلو على الولاءات الطائفية والقبلية والإثنية، وتعلو إلى مصلحة الوطن.
شيء آخر، يتمثل في تحويل المهجر إلى رافعة لا عبء، فبدلاً من النظر إلى النزوح باعتباره خسارة صافية، وهو كذلك في أغلب أحواله، لكن ثمة استثناء جدير بالتأمل. الجاليات العربية في الغرب تمثل تراكماً هائلاً من رأس المال البشري والحضاري والمالي. والنظر في تحويل هذا التراكم إلى استثمار حقيقي في البلدان الأم يحتاج إلى حوكمة رشيدة وضمانات قانونية. الشتات اليهودي صنع إسرائيل، والشتات الصيني موّل نهضة الصين، فلماذا لا يكون الشتات العربي رافداً لإعادة البناء؟
وإذا كان الاستقرار على مستوى البلد الواحد ضرورة، فهو حتمي على المستوى الإقليمي، لا يمكن لدولة واحدة أن تبني حضارتها وجيرانها يحترقون. التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تُقدّم درساً بليغاً؛ أعداء الأمس بنوا منظومة تكاملية أطفأت نار الحروب الأهلية للأبد، وهو ما تحتاجه الأمة العربية تدعمه آليات إقليمية حقيقية لإدارة التناقضات الداخلية قبل أن تتحول إلى حروب، لا منظمات شكلية تجتمع وتتصافح وتتفرق.
إن التحول من أمة نازحين إلى أمة حضارة ليس حلماً رومانسياً؛ هو مشروع يبدأ ببناء الدولة الداخلية الرشيدة المتعلمة، مع استثمار الشتات، وينتهي بمنظومة إقليمية تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة لا استثناءً نادراً. الأعداء لن يتوقفوا، لكن الحضارات الكبرى لا تنتظر أعداءها كي تنهض.
حفظ الله الوطن.
----------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






