30 - 04 - 2026

لوحة شطرنج الحرب بقوانين "السلم والثعبان"

لوحة شطرنج الحرب بقوانين

في ساحة السياسة الدولية والنزاعات الاستراتيجية، اعتاد الجميع دائماً على استخدام استعارة "الشطرنج". فالشطرنج هو رمز العقلانية المحضة، والحسابات الدقيقة، والتنبؤ بحركات الخصم، والتضحية بالقطع الأقل قيمة للوصول إلى لحظة "كش ملك". لكن الواقع المرير والمضحك أحياناً للحروب المعاصرة، لا سيما في الشرق الأوسط والاشتباكات الأخيرة بين إيران والقوى العالمية، يظهر أننا نواجه مفارقة كبرى: اللاعبون يجلسون خلف الطاولة بملابس لاعبي شطرنج محترفين، لكن المنطق الحاكم في الميدان هو منطق "السلم والثعبان" القاسي والمتقلب.

في الشطرنج، أنت تعرف كيف يتحرك الحصان وفي أي قطر يسير الفيل. أما في "لوحة شطرنج الحرب بقوانين السلم والثعبان"، ففي اللحظة التي تظن فيها أنك اقتربت من مربع النصر بحركة استراتيجية، يفتح فجأة تحت قدم قطعة الشطرنج الخاصة بك فجوة عميقة. لدغة حدث غير متوقع، أو اغتيال مباغت، أو تحول دبلوماسي مفاجئ، قد يلقي بك من المربع التاسع والتسعين إلى قعر الجدول ونقطة الصفر.

**نرد يكتب المصير**

في لعبة "السلم والثعبان"، العامل الحاسم هو "النرد"؛ رمز الحظ والقوى الخارجة عن السيطرة. وفي ميدان الحرب أيضاً، تخضع أحياناً كل حسابات الجنرالات ومراكز الفكر لتأثير حدث عشوائي. خطأ بشري في الدفاعات الجوية، أو تغير مفاجئ في الأحوال الجوية، أو تسريب استخباراتي صغير، يعمل كالنرد الذي يأتي بالرقم (1) تماماً عندما كنت تحتاج للرقم (6) لتحقيق النصر.

يعتقد الكثير من المحللين أن المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني وأمريكا قد وصلت إلى مرحلة لم يعد من الممكن تحليلها بنظرية الألعاب الكلاسيكية (مثل معضلة السجين). هنا، كل حركة على لوحة الشطرنج تمتلك القدرة على أن تتحول إلى "سلم" للصعود السريع أو "ثعبان" للسقوط المميت.

**السلالم الهشة والثعابين الخفية**

السلالم في هذه اللعبة هي التحالفات المؤقتة والانتصارات التكتيكية. عندما تتصور دولة ما أنها قفزت عدة مربعات للأمام بحصولها على سلاح جديد أو كسب دعم قوة كبرى، فهي في الواقع تقف على سلم. لكن قانون "السلم والثعبان" لا يرحم؛ فالسلالم ليست مستقرة دائماً. لقد أثبت التاريخ أن الدعم الخارجي يمكن أن يتحول في ليلة وضحاها إلى ثعبان سام يلدغ من الخلف .

في السنوات الأخيرة، شهدنا كيف عملت أحداث مثل اغتيال شخصيات محورية أو ضربات مفاجئة كأطول الثعابين على هذه اللوحة. لدغة هذه الثعابين لا تقتصر على فقدان قطعة واحدة، بل تعيد الكيان الاستراتيجي للطرف الآخر بأكمله إلى المربعات الأولى، حيث يجب عليه إعادة بناء الثقة بالنفس، والاقتدار، والردع من الصفر.

**الغموض في قواعد اللعبة**

المأساة الكبرى تكمن في أن اللاعبين في هذا الميدان لا يزالون يصرون على القول بأنهم يلعبون الشطرنج. يتحدثون عن "الصبر الاستراتيجي"، "تغيير العقيدة"، و"تصميم الهجمات المركبة". هذه الكلمات تنتمي لعالم الشطرنج. ولكن عندما تكون قاعدة اللعبة هي "السلم والثعبان"، تتحول العقلانية الشطرنجية إلى نوع من "الحماقة المنظمة". في هذه اللعبة، لا يمكنك التخطيط لعشر حركات قادمة، لأنك لا تعرف ما هو الرقم الذي سيظهره النرد التالي.

هذا التناقض جعل الفضاء الدولي يعاني من نوع من "الأنوميا" أو فقدان المعايير. في مربع ما من الجدول، قد يسود قانون "الصاروخ بالصاروخ" (شطرنج)، ولكن في المربع التالي، قد يؤدي هجوم سيبراني مجهول إلى تعطيل كافة الأنظمة الحيوية وإرسال اللاعب إلى الطوابق السفلية (ثعبان).

**تبادل الأدوار بين "الملك" و"الجندي"**

في الشطرنج، قيمة القطع ثابتة؛ الملك دائماً غالي الثمن والجنود يتم التضحية بهم. لكن في نسخة الحرب القائمة على "السلم والثعبان"، قد يلعب "جندي" أحياناً (مجموعة صغيرة غير حكومية أو خلية عملياتية مشتتة) دور السلم الذي يدفع بالجبهة كلها للأمام. وبالعكس، فإن استهداف قطعة بمستوى "الملك" (القادة الكبار) يمكن أن يغرق اللعبة بأكملها في الفوضى.

الأحداث الأخيرة، بما في ذلك استشهاد شخصيات من الصف الأول والتغييرات في هرم السلطة، أظهرت مدى انزلاق هذه اللوحة. وفي اللحظة التي كان المحللون يتحدثون فيها عن نهاية حقبة (السقوط من ذيل الثعبان)، أظهرت التعيينات الجديدة وإعادة الهيكلة السريعة أن اللاعبين يحاولون بناء سلالم جديدة للعودة مجدداً إلى أعلى اللوحة.

**نهاية اللعبة: هل ينتصر أحد؟**

في لعبة السلم والثعبان، يتحقق النصر بالوصول إلى المربع (100). ولكن في لوحة شطرنج الحرب اليوم، أين هو المربع (100)؟ هل النصر يعني التدمير الكامل للخصم؟ أم يعني الوصول إلى سلام مستدام؟

المشكلة هي أنه في هذه اللعبة المركبة، كلما اقتربت من المربع (100)، زاد عدد الثعابين وأصبحت لدغاتها أكثر سمية و تزداد التوترات حدةً كلما اقتربتَ من القمة، وتصبح تكلفة أصغر انزلاق باهظةً أكثر بكثير مما كانت عليه في بداية اللعبة.

يجب الانتباه إلى أننا نعيش في حقبة لم تعد فيها الدبلوماسية والحرب مجرد "شطرنج جاد" كما في الحرب الباردة، ولا "ألعاباً بسيطة" كما في العصور الاستعمارية. نحن في عصر "شطرنج السلم والثعبان"؛ حيث يتعين عليك ترتيب القطع بدقة الشطرنج، ولكن عليك أن تكون مستعداً دائماً لتغيير المخطط بالكامل مع كل لدغة ثعبان.

للبقاء على قيد الحياة في هذه اللوحة، لم يعد "ذكاء الشطرنج" وحده كافياً، بل نحتاج إلى "مرونة السلم والثعبان"؛ أي القدرة على النهوض مجدداً بعد كل سقوط، وإدراك أن في عالم السياسة لا يوجد صعود أبدي ولا سقوط يمثل النهاية. لا يزال النرد يدور، واللوحة -التي باتت أ?ثر انزلاقاً من أي وقت مضى- تنتظر الحركة التالية. دعونا نأمل أن يتمكن العقل في هذه اللعبة المحفوفة بالمخاطر من كبح ثعابين الحقد والحرب، قبل أن تحترق اللوحة بأكملها بنيران "نرد سيء".
---------------------------
بقلم: سجاد عابدي
* خبير إيراني في الشؤون الأمنية


مقالات اخرى للكاتب

لوحة شطرنج الحرب بقوانين