30 - 04 - 2026

مغزى إعادة إغلاق مضيق هرمز

مغزى إعادة إغلاق مضيق هرمز

إيران أعلنت إغلاق مضيق هرمز والأسوأ وقع.. زوارق الحرس الثوري قامت بإطلاق النار صوب سفينتين حاولتا العبور، من بينهما ناقلة نفط هندية.. ما الذي يحدث فعلاً؟..

الدنيا اشتعلت مرّة واحدة.. لم تمر 24 ساعة على قرار إيران بإعادة فتح المضيق، حتى عادت الأمور للمربع صفر.. إغلاق وهجمات بالزوارق الإيرانية.. والمدهش أن ترامب أخبر العالم ألف مرة أنه دمّر القوة البحرية الإيرانية، وأن البوارج الأميركية تراقب حركة الموانيء الإيرانية، وأن الطيران الحربي الأميركي يمشط المنطقة دوريًا بحثًا عن أي مسلّح إيراني على جانبي المضيق.. ثم بسهولة شديدة تخرج الزوارق الإيرانية لتنفّذ مهمة اعتراض للسفن الهندية، دون أي مواجهة أميركية.. إيران لا تُغلق المضيق من جديد فحسب.. الحرس الثوري يُرسل رسالة شديدة اللهجة.. كما فُتح المضيق، يُمكن في ثلاث ثوان إغلاقه.. وأن ترامب لا قيمة له في مسألة فتح وإغلاق المضيق.. وعلى العالم أن يعرف جيدًا أن القرار يمر من خلال طهران فقط..لكن القصة أعقد من ذلك ألف مرّة.. مضيق هرمز هو رأس جبل الجليد في صراع عملاق على العالم الجديد.. الصين والهند والكيان وأميركا.. هم أبطال القصة.. لكن إيران محورها.. سأحاول تبسيط الأمر..

هناك في باكستان منطقة شديدة الثراء بالموارد الطبيعية واسمها بلوشستان، التي تشكّل نحو 44 % من مساحة باكستان، ويقطنها فقط 6 % من سكانها.. منجم ريكو ديك على سبيل المثال يضّم قرابة تريليون دولار من احتياطات الثروة من الذهب والنحاس.. وحقل سوي يمدّ باكستان ب 60 % من كامل احتياجاتها من الغاز الطبيعي.. ثروة هائلة لباكستان.. ما دخل العالم؟ ..الصين سوف تُعيد اكتشاف المنطقة بالكامل.. في عام 2019 أطلق الرئيس تشي جين بينج أضخم خطة في التاريخ للربط بين مسارات التجارة، واسمها خطّة الحزام والطريق.. المخطط الاستراتيجي الصيني انتبّه إلى بلوشستان باكستان.. من هناك يُمكن للصين أن تصل للمرة الأولى إلى بحر العرب وتُصبح على بُعد عشرات الكيلومترات من مضيق هرمز.. كيف ذلك؟.. الصين أعلنت عن استثمارات بقيمة 60 مليار دولار لخلق ما يُعرف باسم ‘‘الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني CPEC"، وقلب هذا الممر هو ميناء جديد يُجرى تطويره في باكستان ويُطل على بحر العرب واسمه.. ميناء جوادر.. ولأجله خصّصت الصين قرابة 1.62 مليار دولار.. كان مشروعًا استراتيجيًا عملاقًا نقل الصين إلى قلب منطقة الخليج العربي دون طلقة واحدة، وجنّبها الاعتماد على مضيق ملقا الخاضع للرقابة الأميركية.. أين إيران في تلك القصة؟.. سأخبرك..

استحوذت الصين إذن على ميناء جوادر.. من التالي في خطتها؟.. إيران.. وبالفعل في عام 2021 توقّع بكين اتفاقًا ضخمًا مع طهران تُقدر قيمته الإجمالية بنحو 400 مليار دولار ويمتد لخمسة وعشرين سنة، تحصل فيه الصين على النفط الإيراني مقابل استثمارات ضخمة في قطاعات النفط والبنية التحتية.. 13% من احتياجات الصين النفطية أصبحت تأتي من إيران الخاضعة للعقوبات.. و90% بالكامل من إنتاج النفط الإيراني يُخصّص لدولة واحدة هي الصين.. شراكة من قلب الحصار الأميركي لكن على الهامش تُسقط عناوين الأخبار الكبرى تفصيلة هامشية صغيرة وهي إنشاء طريق بري بين جوادر الباكستانية وإيران يمتد على طول يفوق 2000 كم، باستثمارات صينية هائلة.. وهنا تبدو القصة أكثر وضوحًا.. تنطلق البضائع من غرب الصين عبر شبكة قطارات جديدة تربط بينها وبين باكستان، ثم تصل البضائع الصينية إلى ميناء جوادر الباكستاني، حيث يتم شحنها برًا إلى إيران، لتنطلق من بعدها إلى الأسواق الآسيوية.. شبكة عملاقة من النقل البري والبحري.. ستتضاعف أهميتها ألف مرّة لو علمت التالي عن.. إيران والهند..

في عز حرب العامين على غزّة كانت الهند تدعم العدو العبري عسكريًا بتوريد الطائرات المسيّرة من طراز هيرمس 900.. وكانت إيران على الطرف المناقض تمامًا بدعم الأبطال في الحركة الخضراء عبر الإسناد القادم من الجنوب اللبناني والأنصار في اليمن.. إذن يقول المنطق أن إيران والهند يقفان على طرفي النقيض.. خطأ.. انتبهت الهند في مايو 2024 لتنامي النفوذ الصيني في باكستان.. أخبرتها الجغرافيا أنه وعلى بُعد 70 كم فقط من ميناء جوادر الباكستان يقع ميناء آخر شديد الأهمية.. لكنه في إيران، في جنوبها وتحديدًا محافظة سيستان-بلوشستان.. واسمه ميناء تشابهار.. وهنا تدخلت الهند لتبرم اتفاقًا تاريخيًا مع الجمهورية الإسلامية لتطوير ميناء تشاباهار بكلفة إجمالية تصل إلى 370 مليون دولار تدفعها شركة الموانيء الهندية العالمية المحدودة IPGL على مرحلتين.. 120 مليونًا لتطوير معدات الميناء و 250 مليونًا لتطوير البنية التحتية.. لماذا تستثمر الهند في إيران، رغم أن نيودلهي حليف استراتيجيًا للكيان والولايات المتحدّة؟.. ببساطة لأن ميناء تشابهار يتيح لها أولًا فرصة الالتفاف على الحصار الصيني للهند في جوادر الباكستانية، وثانيًا وهو الأهم لأنه يدشّن خطوط تجارة جديدة، أولها بين الهند وروسيا عبر إيران بما يقلل تكلفة الشحن 60% والوقت بنسبة 50%، وثانيها بين الهند وأفغانستان عبر إيران.. وذلك بإنشاء ممر بري يربط بين تشابهار الإيرانية وزرنج وهرات الأفغانيتين، في اتفاق رسمي جرى توقيعه بين نيودلهي والإمارة الإسلامية في كابول.. وهكذا وضعت إيران نفسها في قلب معادلة الصراع الدولية..

أصبحت الجمهورية الإسلامية مركز الصراع الصيني - الباكستاني ضد الهند.. وفي الوقت نفسه تحولت إلى ساحة المعركة الهندية ضد كلا من باكستان والصين.. التوظيف الهائل للموقع الجغرافي المطل على مضيق هرمز والمحيط الهندي وبحر قزوين وبحر العرب وخليج عُمان مكّن الإيرانيين من إعادة تعريف أهمية الجغرافيا السياسية الرابطة بين إقليمي جنوب وجنوب شرق آسيا بغرب القارة الصفراء.. نقلت التجارة الصينية في غمضة عين للخليج ونقلت الهند في ثوان لآسيا الوسطي وأفغانستان.. كل ذلك جرى ومضيق هرمز على الحياد.. ممر ملاحي دولي تعبره جميع السفن دون إذن أو ضريبة عبور.. إلى أن جاء العدوان الأميركي-العبري-الخليجي على إيران.. وأتاح لها فرصة لن تتكّرر مرة أخرى في التاريخ.. إظهار وجه السيطرة على المضيق الذي تمر منه 20% من إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز.. لم يعد الهدف الإيراني فحسب هو تحدّي الهيمنة الأميركية في العالم.. ولم يعد أيضًا مجرد التحكم في خناق الآبار الخليجية ومساومة العالم إما على الصعود الإقليمي الإيراني أو رفع أسعار الوقود.. إيران باتت تسعى لما هو أضخم.. ترجيح كفة اللاعبين الدوليين..

لو سيطرت إيران على مضيق هرمز.. تسهيلًا وإعاقة.. سيرفع ذلك مكانتها الدولية لحاجز المحكّم في لعبة تغيير موازين القوى الدولية.. لن تصبح وقتئذ مجرد مسّهل للصين للوصول للمياه الدافئة، أو ممكّن للهند لحصار باكستان من خصمها الأفغاني.. إيران الجديدة هي التي سوف تسهل للصين تجهيز ساحة حرب تحرير تايوان بالإفلات من الحصار الأميركي لها في بحري الصين الجنوبي والشرقي نحو حصار صيني موازي لقواعدها في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي.. إيران المُسيطرة على هرمز ببضع قاذفات وزوارق مطاطية هي التي ستُعيد هيكلة لعبة الطاقة الدولية.. منذ الحرب العالمية الثانية كانت المعادلة هي استكشاف أميركي+ إنتاج خليجي + حماية أميركية.. ستتغير لتصبح استكشاف أميركي+ إنتاج خليجي+ حماية إيرانية.. ومن يمتلك الحماية هو وحده من يُحدد سعر الطاقة في السوق العالمية.. هو وحده من يسمح بالإنتاج وإلا تحول لمخزون في المرافيء، وهو وحده من يُعطي امتياز الاستكشاف بضمان عدم الاستهداف.. وهو بالتأكيد من يُمكنه لاحقًا ترجيح كفة القوة الدولية المهيمنة، حين يمنحها تلك المزايا في اتفاق شراكة استراتيجية.. ومن هنا الجنون الأميركي حول هرمز..

تعلم الإدارة الأميركية أنها إن خسرت الترتيبات الأمنية في المضيق فكأنها بذلك تسرّع بيدها الصعود الصيني للقيادة العالمية.. ليس فقط أنها تخنق بيدها حلفاءها الخليجيين، ولا أنها تُعزز القوة الإيرانية في مواجهة الوكيل الاستعماري الغربي الجاثم على أنفاس أهالينا في الأراضي المحتلّة.. لا.. الصين التي سوف يزورها الرئيس الأميركي خلال الأسابيع المقبلة، ولا يرغب في أن يخوض المفاوضات التجارية معها استنادًا إلى حقائق جغرافية جديدة تقول بأن الولايات المتحدة فقدت للمرة الأولى منذ خمسة وسبعين عامًا السيطرة على نقاط التجارة وآبار النفط الشرق أوسطية.. هذا هو الكابوس الأميركي الأكثر فداحة على الإطلاق.. وإن كانت حرب إيران خطيئة، فتحت الباب أمام اهتزاز الثقة في القيادة والقوة الأميركية، فإن نهاية الحرب دون ضمان استعادة أميركا السيطرة الكاملة غير القابلة للنزاع على المضيق، ستكون إشعارًا للقوى الكبرى بالاستنفار لأن عهد الهيمنة الأميركية قد أوشك على الأفول.. بين صيني يستعد لتولي زمامها، وأوروبي يسعى لموقع جديد على تخومها، وهندي يناور في الفوائض المتاحة بينهما..

إيران لحد اللحظة تُدير معركة فوق طاقتها العسكرية.. ليست أبدًا مؤهلة لمواجهة الجيش الإمبراطوري الأميركي ولا تمتلك حتى واحدًا على مائة من قوة وكيله العبري.. لكنها استطاعت خلال الأربعين سنة الأخيرة تطوير أوراق موجعة.. الصواريخ والمسيرات التي دمّرت ما قيمته 50 مليار دولار من بنية النفط الخليجية.. واكتشفت في الأثناء حيوية موقعها الجغرافي كأهم ورقة عسكرية.. وهو ما يمنحها نفسًا كافيًا للتفاوض، وجلدًا في مواجهة خسائر قاسية ألمّت بها وتُقدرها إيران نفسها ب 270 مليار دولار إلى حد الآن.. إن كانت حرب إيران للولايات المتحدة هي معركة القيادة العالمية في وجه الصين، فالمعركة بالنسبة لإيران تتعلق أصلًا بوجودها.. النجاة منها بشروط المضيق والقوة النووية ستحولها إلى قوة كاسحة، والخروج منصاعة للشروط الأميركية سيعني حربًا ثالثة لن تتأخر طويلًا لإسقاط نظامها.. وتسعى في هذه المرحلة لإيجاد نقطة وسط تضمن لها جني بعض المكاسب في كل الملفات.. هيمنة مؤجلة على المضيق بالإبقاء على قدرة شل الحركة فيه، والاحتفاظ بجزء من المخزون النووي بما يكفل لها هامش المناورة به، والإبقاء على القدرة التقنية لإنتاج الصواريخ، بما يسمح باستدامة أخطارها على المستعمرات الأميركية في الخليج.. بعض من كل شيء يضمن المكانة ويعزز دائمًا الخوف من إيران.. ومن الخوف وحده سوف تجني طهران المكاسب.. الكثير مما لا يُحصى منها..

من يجلس في الخلف ليشاهد صراع المغانم العالمية بين الصين والهند، باكستان وإيران، أميركا والكيان؟.. العرب.. هناك الخليجي الذي سيخرج من الحرب مطية للكيان ولا بديل أمامه بعد أن رهن كل مقدراته للأميركيين وتفاجأ برد فعل عربي ناقم على الخليج من خيانة الجار واحتضان القواعد.. وهناك الشامي المندفع بشقيه السوري - اللبناني نحو تطبيع مع العدو العبري، وهناك المصري المأزوم محليًا والمثقل بالدين الكثيف للخليج، وفي نفس الوقت يرفض رهن قوته العسكرية الضخمة للدول النفطية.. وهناك شمال إفريقيا المنكفيء على نفسه والرافض للاشتباك مع القضايا العربية سوى بحضور اجتماعات القمة التي لا قيمة لها، وفي القلب منه القوة الجزائرية العملاقة نفطيًا وجغرافيًا وعسكريًا.. وأمام واقع عربي منهار بات التعويل فقط على تحالفات عربية مع دول الطوق والجوار.. وبالأخص.. مصر وباكستان وتركيا.. والذين يشكلون في مجموعهم قرابة 480 مليون نسمة.. ثمة مناورات عسكرية مصرية - باكستانية وسط حديث متنامي عن مسعى مصري لتوطين التكنولوجيا العسكرية الباكستانية خاصة في مجالات إنتاج الصواريخ من طراز شاهين وغوري والتي يبلغ مداها بين 1500-2700 كم..ومناورات باكستانية - تركية موازية.. ويزداد الأمر أهمية مع نمو التنسيق العسكري المصري - التركي في ملفات أرض الصومال والدعم المقدّم من كليهما للجيش السوداني لمواجهة عصابات الجنجويد المدعومة من الإمارات.. أتعرف بحق ما الذي أنتجته متواليات الحروب العبرية؟..

الخوف.. الكل خائف من أن يكون الهدف التالي.. وزير الخارجية التركي لم يخطيء أبدًا حينما قال بأن أنقرة ستكون العدو القادم للكيان.. الخوف حتى في القاهرة التي حوّلت كامل علاقتها الخارجية خلال النصف قرن الأخير صوب القبلة الأميركية ووصل بها الأمر حد تنفيذ أكبر صفقة في تاريخ الكيان باستيراد الغاز.. الخوف في باكستان التي تعلم أن إيران حجر زاوية مهم في مشاريع تكافؤها مع الهند في شبه القارة الهندية المثقلة بخلافات تاريخية قد تنفجر في أي دقيقة.. الخوف من ثلاثي حليف لأميركا وبات يرى بشكل واضخ معنى أن تقوم واشنطن في لحظة باعتقال رؤساء من قلب قصورهم وتدمير دول كاملة والتهديد بمحو حضارات.. والخوف دائمًا ما يكون دافعًا للتحالف في نموذج يُعرف باسم Threat-Partnership Model.. حيث يتّحد كل الخائفين من تهديد وجودي ضمن إطار واحد متجاوزين كل مشكلاتهم التاريخية.. ولم يعد هناك مجال في فورة الجنون العبري سوى لتحالف ثلاثي مماثل.. حرب إيران لن تكون تداعياتها إقليمية، وليس أخطر ما فيها هو ارتفاع أسعار الطاقة، ولن تنتهي آثارها باتفاق مهما كان حجمه..

هذه الحرب هي نقطة انطلاق صراع كوكبي قادم بين قوة متراجعة تحاول الحفاظ على مواقعها وهي الولايات المتحدة، وقوة صاعدة لمركز القيادة، تكتفي الآن بممرات التجارة والدعم العسكري الخفي لحلفائها، وغدًا ستطالب بما كان لها في تايوان، وما أصبح حقًا أصيلًا نتيجة لتراكم قوتها الاقتصادية وهو العالم بأسره.. وأمام هذه السيولة.. لم يعد ثمة مفر للقوى الثلاث من تحالف وثيق.. وما دون ذلك هلاك فردي.. تقف فيه القاهرة وانقرة وإسلام آباد كل ينتظر دوره.. كل ينتظر أن يصبح إيران جديدة.. كان بإمكان العرب ما هو أفضل من الانتظار.. كان بموقعهم أخذ زمام المبادرة لو وقفوا ضد الترويع في القطاع.. دفن الغزّي ليس فقط رفات أهله، بل دفن آخر ما تبقى من بقايا نظام عربي مهتريء، لم يعد له مجال غير الأغاني والخطب.. لم يبق هناك عرب.. وتلك هي المحصلة الأليمة.
----------------------------------
بقلم: عبده فايد
* نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك

مقالات اخرى للكاتب

مغزى إعادة إغلاق مضيق هرمز