كشفت جولات الصراع الأخيرة بين المثلث الأمريكي والإسرائيلي والإيراني عن أزمة بنيوية حادة تتجاوز مجرد الضعف العسكري، لتصل إلى ما يمكن وصفه بضمور العقل السياسي العربي؛ وهو ضمور لا يعكس غياباً للقدرة فحسب، بل يمثل حالة من الشلل الفكري والاستراتيجي جعلت المنطقة العربية، رغم ثقلها الجغرافي والمالي، مجرد مسرح للأحداث لا لاعباً فيها. وتتجلى أولى علامات هذا الضمور في تحول الدور العربي من صناعة الحدث إلى إدارة الارتدادات، فبينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية وفق مشاريع عابرة للحدود، سواء كان المشروع الإيراني بتمدده الأيديولوجي، أو العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أو التوازنات الأمريكية، يكتفي العقل السياسي العربي بوضعية رد الفعل، محاصراً بين خيارين كلاهما مرّ؛ القبول بالهيمنة الإقليمية الصاعدة، أو الارتهان الكلي للمظلة الأمنية الخارجية، مما أدى في نهاية المطاف إلى غياب المشروع الثالث الذي يمثل المصالح القومية المستقلة.
هذا الرضوخ للمظلة الأمنية الإسرائيلية الأمريكية ليس مجرد تحالف عسكري تفرضه الضرورة، بل هو تنازل طوعي عن السيادة الاستراتيجية يعكس عمق الاستلاب في تعريف التهديدات، حيث لم يعد العقل العربي يملك استقلالية تعريف العدو والصديق، بل أصبحت بوصلته تتحرك وفق مصالح واشنطن وتل أبيب، مما أدى إلى مقايضة السيادة بالولاء عبر معادلة الحماية مقابل التبعية، وهو ما حوّل الدول العربية إلى جزر أمنية معزولة تفتقر لمنظومة أمن قومي متكاملة. وهذا المسار في جوهره ليس قدراً تكنولوجياً أو عسكرياً لا يمكن الفكاك منه، بل هو خيار مريح للنخب السياسية يجنبها كلفة بناء مشروع نهضوي أصيل يتطلب تلاحماً مع الشعوب واستثماراً حقيقياً في القوة الذاتية، لكنه راحة تؤدي بمرور الوقت إلى الاستقالة من التاريخ بتحويل الدولة من فاعل يشتبك مع الواقع إلى مجرد وظيفة في مشاريع الآخرين.
ويتعمق هذا الضمور حين تتآكل المناعة الداخلية بفعل الفجوة بين السلطة والجماهير، مما يجعل الدولة رهينة لتقلبات المزاج السياسي الخارجي، ويقود إلى تبديد المقدرات بتحويل الثروات الوطنية إلى جزية أمنية في صفقات تسليح لا تمنح استقلالاً قرارياً، بل تكرس التبعية التقنية، مما يؤكد أن الأمن القومي العربي تحول من مفهوم تحصين المجتمع إلى مفهوم تحصين الوضع الراهن، لتصبح المنطقة مجرد فراغ جيوسياسي يغري الآخرين بملئه.
غير أن أخطر ما في هذا المشهد ليس العجز المؤسساتي فحسب، بل هو تبعية العقل النخبوي في مختلف تخصصاته؛ إذ تحولت النخب من مختبرات لإنتاج الحلول وبناء النماذج الوطنية المستقلة إلى مجرد صدى للمدارس والمناهج والرؤى المستوردة، وهو ما أدى لتكريس حالة الضمور ومن ثم الدخول في حالة "الموت السريري" للفاعلية العربية، حيث يتوقف العقل عن تخيل أي مستقبل خارج إطار التبعية.
في هذا المأزق يقتضي تعميق الرؤية للنفاذ إلى ما وراء السطح السياسي المباشر، لملامسة الجذور التي جعلت من العجز استراتيجية ومن التبعية قدراً، حيث يبدو هذا الضمور تجلياً لقطيعة تاريخية ومعرفية بدأت حين استقالت النخب من مهمة بناء الدولة القومية المنتجة للقوة، وتحولت إلى الدولة الريعية التي تستهلك الأمن كما تستهلك السلع. فالعقل الذي يدير المنطقة اليوم لا يعاني من نقص في الموارد، بل يعاني من استلاب الخيال السياسي الذي يمنعه من رؤية بدائل خارج ثنائية الرضوخ أو الانتحار، مما حول الجغرافيا العربية إلى فراغ في فيزياء القوى العالمية تملؤه المشاريع الإقليمية الصاعدة التي تمتلك فائض إرادة وقدرة على تعريف مصالحها بصرف النظر عن الرضا الدولي. ويتجلى عمق الأزمة في تجريف السيادة المعرفية؛ فالدول التي لا تنتج تكنولوجيا دفاعها ولا تملك قرار استخدام سلاحها، تفقد بالضرورة قدرتها على صياغة لغتها السياسية الخاصة، فتصبح المصطلحات والمفاهيم التي تقود المنطقة مستعارة من قاموس الآخرين.
وهذا المسار يكرس حالة من الاغتراب الاستراتيجي حيث تدافع الجيوش والميزانيات العربية عن خرائط تُرسم في عواصم بعيدة، بينما تنكفئ المجتمعات على ذاتها في حالة من اليأس السياسي، مما يضعف المناعة الوطنية ويجعل الدولة هشة أمام أي تحول في مصالح القوى الحامية. إن الضمور هنا ليس قدراً جغرافياً، بل هو نتيجة لتعطل محركات النهضة التي تربط القوة العسكرية بالعمق الشعبي والسيادة التقنية، مما يجعل استعادة العقل العربي رهينة بكسر هذه الحلقة المفرغة والاشتباك مع الواقع كطرف أصيل، لا كملحق أمني في مشاريع الآخرين؛ فالمنطقة التي كانت يوماً قلباً للتاريخ لا يمكنها البقاء طويلاً في دور الهامش المشاهد دون أن تواجه خطر التلاشي ككيان سياسي فاعل.
---------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي






