يذهب عدد من الباحثين في حقل الفقه الإسلامي إلى أن الإشكال لم يكن يومًا في النص ذاته، بقدر ما كان في آليات التفاعل معه؛ إذ شهدت بعض مراحل التاريخ الإسلامي حالة من انكماش الاجتهاد أو تقييده داخل أطر تقليدية، الأمر الذي أسهم تدريجيًا في اتساع الفجوة بين عالم النص بوصفه حاملاً للمعنى، وعالم الواقع بوصفه ساحةً متغيرة لا تهدأ.
ومع تعمّق هذه الفجوة، لم يعد السؤال الفقهي مجرد استنباط حكم، بل تحوّل إلى سؤال وجودي حول قدرة الدين على مواكبة الزمن دون أن يفقد جوهره، وفي خضم هذا التوتر، برزت حركات وجماعات سعت إلى إعادة وصل ما انقطع، محاولةً تقديم قراءة معاصرة للشريعة تستجيب لتحولات المجتمع والدولة، ومن بين هذه المحاولات تجربة الإخوان المسلمون التي سعت إلى إدماج الدين في المجال العام برؤية تتجاوز الإطار التعبدي الضيق نحو تصور شامل للحياة.
غير أن هذه التجربة لم تكن سوى أحد تجليات حراك فكري أوسع شهده العالم الإسلامي، حيث تعددت المشاريع وتباينت مساراتها؛ فمنها من انفتح على مناهج التأويل الحديثة، ومنها من آثر الاحتماء بالتراث وإعادة إنتاجه، وبين هذا وذاك تشكل طيف واسع من المقاربات التي حاولت، بدرجات متفاوتة من الجرأة أو التحفظ، أن تعيد تعريف العلاقة بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير، وبين الإيمان كيقين، والتاريخ كحركة لا تتوقف.
ويمكن القول إن تاريخ الوعي الإسلامي الحديث قد بلغ نقطة انعطاف حاسمة، تتشابك فيها مسارات ثلاثة، لا يمكن فصل أحدها عن الآخر: مسار الاجتهاد بوصفه الفعل الذي يُنتج المعنى ويعيد تأويل النص، ومسار السلطة بوصفها البنية التي تنظّم هذا المعنى وتعيد توجيهه ضمن حدود الممكن والمسموح، ثم مسار الحداثة لا كمرحلة زمنية عابرة، بل كتحول عميق أعاد صياغة مفاهيم الإنسان والعقل والشرعية.
وعند هذا التقاطع المعقد، يتبدد الوهم القائل بإمكانية عزل الديني عن السياسي، أو الفكري عن موازين القوة؛ إذ يتكشف أن كل محاولة لفهم النص إنما تجري داخل شبكة من العلاقات التي تحددها السلطة وتضغط عليها تحولات العالم، ومن ثمة لم تعد الأزمة مجرد خلل في الفهم أو قصور في التأويل، بل غدت تعبيرًا عن توتر بنيوي بين أنماط مختلفة من إنتاج الحقيقة، تتنازع فيما بينها تعريف ما ينبغي أن يكون عليه الدين حين يواجه عالمًا يتغير بوتيرة تفوق أدواته التقليدية في الاستيعاب والتفسير.
مسار الاجتهاد والحداثة
تبلور مفهوم الاجتهاد في السياق الكلاسيكي للفقه الإسلامي بوصفه الطاقة الحيّة التي يتوسل بها العقل إلى استنطاق النص، لا باعتباره معطًى مكتملًا، بل باعتباره أفقًا مفتوحًا لإنتاج الدلالة وتجديدها، فقد كان الاجتهاد، في جوهره، تعبيرًا عن حضور العقل داخل الدين، وعن قدرة الإنسان على التفاعل الخلَّاق مع الوحي ضمن شروط زمانه ومجتمعه، غير أن هذا الحضور لم يظل على وتيرته الأولى؛ إذ أخذ مع تعاقب العصور، يتعرض لنوع من الاحتواء المؤسسي الذي أعاد ضبطه داخل حدود أكثر تحفظًا، حيث غلب هاجس الاستقرار والحفاظ على الموروث على نزعة الابتكار وإعادة التأسيس.
ومن هنا تتكشف ملامح الإشكال: فحين يُعاد تعريف الاجتهاد لا كفعل إبداعي مفتوح، بل كممارسة مقيدة تهاب الخروج عن المألوف، يفقد تدريجيًا قدرته على ملاحقة التحولات العميقة التي يعيد بها العالم تشكيل نفسه، وعندئذ لا يعود التحدي في النص ذاته، بل في الأدوات التي نقترب بها منه؛ إذ يصبح الدين، في ظل هذا التقييد، أقل مرونة في استيعاب الأسئلة الجديدة التي تطرحها الحداثة، وأقل قدرة على إنتاج إجابات تتجاوز التكرار إلى أفق الفهم المتجدد.
ولم تتشكل الحداثة في المجال الإسلامي بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتطور داخلي متدرِّج، بل اقتحمت فضاءه التاريخي في هيئة صدمة مركَّبة، تداخل فيها التفوق الغربي مع تجربة الاستعمار، وما صاحبها من تفكك في البنى السياسية التقليدية واختلال في موازين القوة والمعرفة. ومن ثم، لم تكن الحداثة مجرد انتقال في الأدوات أو التقنيات، بل تحوُّلًا جذريًا أعاد صياغة تصورات الإنسان عن ذاته، وأعاد ترتيب العلاقة بين السلطة والشرعية، بل وأعاد تعريف مفهوم الحقيقة ذاته، من يقين متعالٍ إلى بناء قابل للفحص والنقد.
وفي مواجهة هذا التحول العميق، وجد العقل الإسلامي نفسه في وضع إشكالي بالغ التعقيد؛ إذ لم يعد يكفي أن يستحضر موروثه كما هو، ولا أن يذوب كليًا في النماذج الوافدة، بل صار مطالبًا بإعادة بناء أدواته المعرفية بما يمكنه من استيعاب هذا العالم الجديد. ومن هنا تبلور مأزق مزدوج: إما الانخراط في مشروع تجديد حقيقي يحرر آليات الفهم والتأويل ويعيد تنشيط قدرة الاجتهاد على إنتاج المعنى، أو الارتماء في نزعة انغلاقية تعيد تشكيل الحاضر على صورة الماضي، طلبًا لليقين في مواجهة واقع يتسم بالسيولة والتغير المستمر.
وفي خضم هذا التوتر المتصاعد بين النص واشتراطات الواقع، تبلورت محاولات فكرية متعددة سعت كلٌ بطريقتها، إلى ترميم هذا الانفصال وإعادة وصل ما انقطع، فثمة اتجاهات اختارت الغوص في عمق التراث، لا لتكراره، بل لإعادة قراءته قراءة تأويلية تستكشف إمكاناته الكامنة وتعيد تفعيله في أفق معاصر، مستندة إلى أدوات عقلانية ومنهجيات نقدية حديثة.
مقاربات للتعامل مع تحدي الحداثة
في المقابل، ظهرت مقاربات أخرى حاولت بناء نوع من التوازن بين الانتماء الديني ومقتضيات الحداثة، عبر صيغ توفيقية تسعى إلى استيعاب التحولات دون القطيعة مع الأصول، غير أن مسارًا ثالثًا اتخذ وجهة مغايرة، إذ لم ينشغل بتأويل الحاضر في ضوء النص بقدر ما سعى إلى إعادة تشكيل الحاضر ذاته وفق صورة مثالية مستمدة من الماضي، جاعلًا من التاريخ مرجعية مكتملة ينبغي استعادتها، لا مادة مفتوحة لإعادة الفهم والتجاوز.
من هذا المنظور، لا يعود صعود حركات مثل الإخوان المسلمين، إلى جانب التيارات المنضوية تحت إطار السلفية، مجرد ظاهرة عابرة يمكن ردَّها إلى ظرف سياسي طارئ، بل يتبدَّى بوصفه استجابة عميقة لبنية مأزومة تتقاطع فيها اختلالات المعرفة مع هشاشة الواقع، فقد نجحت هذه التيارات في التقاط لحظة القلق التي يعيشها الإنسان المعاصر داخل عالم تتآكل فيه المرجعيات، وتفقد فيه السرديات الكبرى قدرتها على الإقناع، لتقدِّم، في مواجهة هذا الاضطراب، نموذجًا يقوم على ما يمكن تسميته "يقين المعنى" (The Certainty of Meaning)، حيث يُعاد تثبيت الدلالة وتبسيطها ضمن أطر واضحة تمنح الفرد شعورًا بالثبات والاتجاه.
في زمن تتسم فيه التجربة الإنسانية بالسيولة والتشظي، يغدو هذا النمط من الخطاب - الذي يعد بإجابات حاسمة وحدود معرفية مستقرة - أكثر قدرة على الانتشار من خطاب نقدي مفتوح يراهن على التعقيد وتعدد التأويلات، فحين يتراجع الأمان الوجودي، لا يبحث الإنسان عن الحقيقة بوصفها سؤالًا بقدر ما يبحث عنها بوصفها يقينًا، وهنا تحديدًا تتجلى قوة هذه التيارات: في قدرتها على تحويل القلق إلى انتماء، والالتباس إلى وضوح، حتى وإن جاء ذلك على حساب عمق الفهم وتعدديته.
إذا ما تأملنا في أسباب اتساع حضور هذه التيارات، يتضح أن الأمر لا يُختزل في عامل واحد، بل ينبثق من شبكة معقدة من العوامل التي تتقاطع جميعها عند العلاقة الملتبسة بين الاجتهاد والسلطة والحداثة، وفي مقدمة هذه العوامل تبرز بساطة الخطاب وسهولة تداوله؛ إذ استطاعت هذه الاتجاهات أن تعيد صياغة الدين في صورة منظومة مباشرة وقابلة للفهم، تقوم على ثنائيات واضحة من الأمر والنهي، والحلال والحرام، بحيث يصبح المعنى متاحًا دون حاجة إلى وسائط معرفية معقدة أو أدوات تأويلية متخصصة.
بهذا المعنى، لم يعد الدين خطابًا يحتاج إلى جهد تأملي عميق بقدر ما صار تجربة يومية يسهل الانخراط فيها، وهو ما منح هذه التيارات قدرة واسعة على الانتشار بين عموم الناس، وفي المقابل، ظلت العديد من المشاريع الفكرية الأخرى أسيرة لغة نخبوية ومنهجيات معقدة، الأمر الذي حدَّ من قدرتها على النفاذ إلى المجال العام، فبقي تأثيرها محدودًا داخل الدوائر الأكاديمية، غير قادرة على منافسة خطاب يمنح المتلقي وضوحًا فوريًا وشعورًا مباشرًا باليقين والانتماء.
ثمة عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في الفراغ البنيوي الذي خلَّفته الدولة الحديثة في كثير من السياقات الإسلامية؛ إذ لم تنجح هذه الدولة، في تجارب عديدة، في ترسيخ مفهوم العدالة بوصفه أساسًا للشرعية، ولا في بناء رابطة عضوية بينها وبين المجتمع تجعلها معبِّرة عن إرادته وقيمه، ونتيجة لذلك، بدت في وعي قطاعات واسعة ككيان منفصل، أقرب إلى نموذج مستورد يعاني من ضعف التجذر في البنية الثقافية والاجتماعية، أكثر من كونه امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الجماعة وتطورها.
في ظل هذا الاختلال، لم يكن الفراغ سياسيًا فحسب، بل كان فراغًا أخلاقيًا ومعنويًا أيضًا؛ إذ غابت المرجعية التي تمنح الفعل العام معنى وقيمة، وهنا تحديدًا، وجدت الحركات الإسلامية مجالًا رحبًا للتمدد، حيث قدَّمت نفسها لا مجرد فاعل سياسي، بل كبديل شامل يستند إلى منظومة قيمية متماسكة، تسعى إلى إعادة وصل السياسة بالأخلاق، والسلطة بالمعنى، في محاولة لملء ذلك الفراغ الذي عجزت الدولة الحديثة عن سده.
ثالث هذه العوامل يتمثل في التحول الذي طرأ على وظيفة الدين ذاته، إذ لم يعد يُستحضر بوصفه نسقًا اعتقاديًا فحسب، بل غدا حاملًا للهوية ووسيلة لإعادة تعريف الذات في مواجهة ما يُدرك بوصفه تغريبًا أو تهديدًا للخصوصية الثقافية، ففي سياق اختلال التوازن بين الداخل والخارج، لم يعد الانتماء الديني مجرد تعبير عن إيمان، بل أصبح أيضًا إعلان موقف، وإطارًا رمزيًا للمقاومة وإثبات الذات في عالم تتسارع فيه عمليات الذوبان والتماثل.
ضمن هذا الأفق، برزت السلفية بوصفها أحد أكثر التعبيرات وضوحًا عن هذا النزوع؛ إذ تقدِّم تصورًا يقوم على استعادة نموذج يُنظر إليه باعتباره الأصل النقي غير الملوَّث بتعقيدات التاريخ، ومن خلال هذا الاستدعاء للماضي في صورته المثالية، تُمنح الذات المعاصرة شعورًا بالثبات واليقين، وكأنها تستند إلى أرض صلبة في مواجهة عالم يتسم بالتحول المستمر وعدم اليقين، وهكذا يتحول الماضي من مجرد مرحلة زمنية إلى مرجعية معيارية يُعاد من خلالها تشكيل الحاضر وتحصينه، لا عبر فهمه في سياقه، بل عبر إسقاط نموذج مكتمل عليه.
كما يبرز عامل رابع يتمثل في الطبيعة الإشكالية للعلاقة بين هذه التيارات والسلطة السياسية، وهي علاقة لم تستقر يومًا على نمط واحد، بل اتسمت بدرجة عالية من التداخل والتناقض، ففي بعض السياقات، لجأت أنظمة الحكم إلى توظيف بعض الاتجاهات الدينية، ولا سيما السلفية، كأداة لضبط المجال العام أو موازنة قوى سياسية منافسة، في حين دخلت في مواجهات حادة مع تيارات أخرى مثل الإخوان المسلمين، سعيًا إلى تحجيم نفوذها أو احتواء مشروعها.
غير أن هذه السياسات، التي بدت في ظاهرها سعيًا لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع، أفضت في كثير من الأحيان إلى نتائج مغايرة لما استهدفته؛ إذ أسهمت، على نحو مفارق، في تكريس حضور هذه التيارات داخل الوعي الجمعي، فقد تحولت، في نظر قطاعات من المجتمع، إما إلى بدائل محتملة لسلطة تفتقر إلى الشرعية، أو إلى ضحايا لهيمنة سياسية، وهو ما منحها رصيدًا رمزيًا مضاعفًا، وهكذا، لم تعد هذه العلاقة مجرد صراع على النفوذ، بل أصبحت عاملًا منتجًا للمعنى ذاته، حيث تتشكل صورة هذه التيارات وحدود تأثيرها في ضوء موقعها المتغير بين القرب من السلطة والاصطدام بها.
أما العامل الخامس، فيكمن في صميم الإشكال ذاته، أي في أزمة الاجتهاد بوصفه ممارسة معرفية، فحين يفقد الاجتهاد روحه الأصلية كفعل نقدي حرّ يسعى إلى استنطاق النص في أفق مفتوح من المعنى، ويتراجع إلى حدود التكرار أو التحفظ، فإنه يترك فراغًا لا يلبث أن يُملأ بأنماط بديلة من "الاجتهاد" لا تقوم على البحث عن الحقيقة بقدر ما تنشغل بخدمة غايات مسبقة، وفي هذا التحول، يغدو الاجتهاد أقرب إلى أداة أيديولوجية تُعاد من خلالها صياغة النص بما يتوافق مع مشروع سياسي أو تصور هوياتي محدد.
وعند هذه النقطة، يحدث الانزياح الأخطر: إذ يتبدل منطق السؤال نفسه، فلا يعود الاهتمام منصبًا على كشف ما ينطوي عليه النص من دلالات وإمكانات، بل على كيفية تعبئته وتوجيهه ليؤدي وظيفة معينة داخل صراع قائم، وهكذا ينتقل النص من كونه مجالًا للفهم والتأويل إلى كونه وسيلة للتوظيف والتعبئة، ويتحول الاجتهاد من أفق لإنتاج المعنى إلى تقنية لإعادة إنتاج الموقف، بما يعمِّق الفجوة بين المعرفة بوصفها بحثًا، والمعرفة بوصفها أداة للهيمنة.
الاجتهاد بين التبسيط وإشكاليات الواقع المعقدة
وعليه، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في حضور هذه التيارات بحد ذاته، بل في الفراغ المعرفي والبنيوي الذي أتاح لها أن تتمدد وتكتسب هذه الهيمنة، فعندما ينحسر الاجتهاد في معناه الأصيل بوصفه ممارسة نقدية حرة قادرة على مساءلة المسلّمات وإعادة إنتاج الدلالة، وتخفق السلطة في تأسيس شرعية تستند إلى العقل والعدالة لا إلى مجرد القوة أو الإكراه، وتُختزل الحداثة في مظاهرها التقنية والاستهلاكية دون استيعاب عمقها القيمي والمعرفي، يتشكل فضاء هشّ تفتقر فيه المجتمعات إلى مرجعيات قادرة على الإقناع.
وفي مثل هذا السياق، لا يعود الخطاب الذي يراهن على التعقيد والتفكير المفتوح قادرًا على الصمود أمام خطابات بديلة تقدِّم إجابات جاهزة وتصورات مكتملة؛ إذ يصبح اليقين بديلاً عن الفهم، والانتماء بديلاً عن السؤال، وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الفراغ: فهو لا يظل حياديًا، بل يُملأ سريعًا بأنماط من التفكير تمنح الطمأنينة على حساب العمق، وتعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والعالم على أساس من الإنغلاق لا الانفتاح، ومن التسليم لا النقد. وانطلاقًا من ذلك، فإن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتحقق عبر أدوات الاختزال، سواء تمثلت في المقاربة الأمنية التي تسعى إلى الإقصاء، أو في الرفض الأيديولوجي الذي يكتفي بالمواجهة دون فهم البنية العميقة للأزمة، فمثل هذه المقاربات، وإن بدت حاسمة في ظاهرها، لا تمس جذور الإشكال، بل قد تعيد إنتاجه في صور أكثر تعقيدًا، وإن ما يقتضيه الأمر، في جوهره، هو إعادة بناء العلاقة بين العقل والنص، وبين الدين والواقع على أسس جديدة تسمح باستعادة التوازن بين الثابت والمتغير، وبين الإيمان كمرجعية، والتاريخ كحركة.
وهنا يبرز الاجتهاد بوصفه المدخل الأعمق لهذا التحول، لا باعتباره مجرد آلية تقنية لاستنباط الأحكام، بل كفعل فكري وفلسفي يعيد فتح أفق التساؤل، ويحرر العلاقة مع النص من الجمود، دون أن يفقدها اتصالها بجذورها، ففي هذا الأفق، لا يعود الدين منظومة مغلقة من الإجابات الجاهزة، بل يصبح شريكًا في صياغة الأسئلة الكبرى التي تحدد معنى الوجود الإنساني: ما الإنسان في عالم متغير؟ ما حدود حريته؟ كيف تُبنى العدالة في سياقات متعددة؟ وكيف يمكن للمرجعية الدينية أن تسهم في إثراء هذه الأسئلة، لا أن تعيق انفتاحها؟ بهذا المعنى، يغدو إحياء الاجتهاد استعادةً لوظيفة الدين كقوة مُنتجة للمعنى، لا كقيدٍ عليه.
في المحصلة، يتضح أن ما يجري لا يمكن اختزاله في مجرد تنازع بين اتجاهات فكرية متباينة، بقدر ما هو تعبير عن توتر أعمق يسكن بنية الوعي ذاته؛ توتر بين نمطين من التفكير يتجاوران دون أن يلتقيا: أحدهما ينفتح على العالم بوصفه أفقًا دائم التشكل، فيجعل من المعنى مشروعًا مستمرًا للبحث والتجديد، والآخر ينكفئ على يقين موروث، يرى في الماضي ملاذًا نهائيًا يقيه قلق التحول وأسئلته، وبين هذين الأفقين، لا يدور الخلاف حول الأفكار بقدر ما يدور حول كيفية النظر إلى الوجود نفسه: هل هو مجال مفتوح للتأويل وإعادة الفهم، أم بنية مكتملة ينبغي استعادتها كما هي؟
ومن ثم، فإن مستقبل الفكر في العالم الإسلامي لن يتحدد بقدرة تيار على إقصاء آخر، بل بمدى قدرة هذا الوعي الجمعي على حسم علاقته مع الزمن: هل يختار أن يعيش داخل التاريخ بوصفه حركة متجددة، أم يظل معلقًا عند صورة ثابتة يسعى إلى إعادة إنتاجها؟ وفي هذا الاختيار تتجلى الحكمة الفاصلة: فالمعنى لا يُستعاد من الماضي بقدر ما يُصاغ في الحاضر، ولا يُصان بالخوف من التغيير، بل بالقدرة على فهمه وتوجيهه، وبين عقل يغامر بالسؤال، وعقل يكتفي بالاطمئنان إلى ما هو معطى، يتشكل الأفق الذي سيحمل ملامح الغد.
---------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش







