17 - 04 - 2026

أمة النازحين

أمة النازحين

(لن أقرأ التاريخ بعد اليوم/ إن أصابعي اشتعلت/ وأثوابي تغطيها الدماء/ ها نحن ندخل عصرنا الحجري/ نرجع كل يومٍ.. ألف عامٍ للوراء...)

كتب نزار قباني هذه الأبيات عام 1981، يرثي رفيقة حياته بلقيس الراوي بعد اغتيالها في بيروت. مرت عقود على رحيله، ومع ذلك تبدو كلماته حية برائحة الدم، كأنها كُتبت هذا الصباح؛ عصيّة على النسيان، لأن ما رثاه لم ينتهِ، بل استمر وتكرر.

لم يكن التاريخ العربي انتقالاً من القبيلة إلى الدولة، بل كان لحظة انبثاق حضاري هائلة انطلقت من الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، صهرت في بوتقة الإسلام إرث الأنباط وممالك اليمن القديم وما جاورها. ومع امتداد الفتوحات من تخوم الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، بلغت هذه الحضارة ذروتها في العهدين الأموي والعباسي، حين تحولت مدن مثل بغداد وقرطبة والقاهرة إلى مراكز إشعاع إنساني، حفظت التراث وأضافت إليه في الطب والرياضيات والفلسفة.

غير أن هذا الازدهار لم يكن نقيًّا من الدم. فمنذ الفتنة الكبرى، لم يتوقف الصراع على السلطة. والمفارقة أن مسارين متناقضين كانا يسيران جنبًا إلى جنب: ازدهار علمي وثقافي من جهة، واقتتال داخلي ونزيف مستمر من جهة أخرى. كانت المدن تُبنى، وفي الوقت ذاته كانت الدماء تُراق، أحيانًا بالسيف ذاته.

ثم جاءت الضربات الخارجية لتكمل ما بدأه الداخل: حملات صليبية أنهكت، وغزو مغولي دمّر، بلغ ذروته في سقوط بغداد عام 1258. تلت ذلك قرون من الحكم العثماني أعادت تشكيل البنية السياسية دون أن تعالج جذور الانقسام. ومع مطلع القرن العشرين، شطر الاستعمار الأوروبي الخرائط ورسم حدودًا، وأسس نُظمًا تدين بالولاء. وفي قلب هذا المشهد، زُرعت إسرائيل قهرًا وغصبًا، لتتحول من كيان ناشئ إلى قوة توسّع نفوذها على حساب محيطها جيلًا بعد جيل.

في البدايات، كان النزوح استجابةً للطبيعة؛ هروبًا من الجفاف بحثًا عن الماء والكلأ. ثم صار رد فعل للعنف المقابل. بعد سقوط غرناطة عام 1492، غادر مئات الآلاف من عرب الأندلس ديارهم إلى شمال إفريقيا، حاملين ما استطاعوا من بقايا حياة. وتكررت المشاهد في هجرات بلاد الشام نحو الأمريكيتين، حيث وُلد ما عُرف بأدب المهجر، شاهدًا على ألم الاقتلاع الأول.

لكن التحول الأكبر جاء عام 1948، حين وقعت النكبة الفلسطينية، فوجد مئات الآلاف أنفسهم خارج أرضهم، بين لجوء داخلي وتشريد عبر الحدود إلى دول الجوار. لم تكن تلك نهاية القصة، بل بدايتها الحديثة. فمنذ ذلك الحين، صار النزوح فصلًا متكررًا في السردية العربية.

ومع عام 2011، دخلت المنطقة طورًا جديدًا من الاضطراب. بدأت الاحتجاجات، ثم انزلقت إلى صراعات مفتوحة، فتوالت موجات النزوح من العراق واليمن وليبيا والسودان، واتسعت رقعة الهشاشة. لم يعد النزوح استثناءً، بل تحول إلى حالة عامة، جعلت من العرب أمة من النازحين.

أمة رُحل لا تعرف الاستقرار، يُكتب تاريخها على طرق الهجرة؛ فوق شاحنات، وفي قوارب الموت، وبين حدود لا تعترف بها، ويُحفظ في حقائب السفر المتهالكة. وفي كل انتقال، يسقط جزء من الذاكرة ولا يستدل عليه.

(أخيراً، يقول الدم العربيُّ:/ تساويْتُ والماءَ/ أصبحتُ لا طعْمَ،/ لا لوْنَ، لا رائحة!)

بهذه الكلمات لخّص فاروق شوشة حالةً يتجاوز فيها الوصف حدود اللغة؛ دمٌ أُريق حتى فقد دلالته، وهويةٌ تآكلت حتى كادت تتلاشى. لم تعد قراءة التاريخ العربي مجرد فعل معرفة، بل تجربة موجعة؛ صفحات مثقلة بالقتل والتشريد والحرق والسبي.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا تغيّر؟ في عام 1971، كتب محمود درويش عن غزة بوصفها رمزًا للصمود. وبعد عقود، لا تزال غزة تحترق وبنار أشد، (غزة لا تواصل انفجارها اليومي، لنقول لها شكرًا، وغزة لا تواصل انقضاضها اليومي على الموت، لكى نكتب عنها قصيدة وغزة لا تجد متسعا من الوقت لكى تقرأ تحياتنا
ولا بريد يصل إلى غزة لأنها محاصرة بالأمل والأعداء، ....).

كتب محمود درويش يومًا: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة." لم يقلها في وقت هادئ، بل في أشد لحظات القهر. وهذا بالضبط ما يجعلنا نصمد. ليس النزوح هو الجرح الحقيقي، بل أن تنسى، وأنت في طريق الرحيل، ما الذي تركته وراءك. فالأمم التي تحفظ ما خسرته لا تُهزم، بل تنهض من كبوتها وتواصل المسيرة.

حفظ الله الوطن.
--------------------------------------------
بقلم:
 د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

أمة النازحين