18 - 04 - 2026

حين يتحول العالم إلى ساحة صيد

حين يتحول العالم إلى ساحة صيد

لن أتحدث في مقالي هذا بالدبلوماسية وتجميل الكلمات. لقد كتبنا كثيرًا عن الإنسانية، وحقوق الإنسان، والإنصاف، والعدل، والمساواة، والتسامح، والقيم النبيلة، والحرية، والديمقراطية، ونبذ العنف والتطرف والكراهية والجريمة… كتبنا حتى جف الحبر، وتعبت الأقلام، وبحّت الأصوات. لكن الحقيقة المؤلمة التي تقف أمامنا اليوم عارية بلا أقنعة: من أسّسوا منظمات حقوق الإنسان، ومن رفعوا شعارات الحرية، هم أنفسهم من يمارسون القتل والتدمير تحت لافتة “الدفاع عن النفس”.

أي دفاع هذا الذي يحوّل المدن إلى رماد؟

وأي أمن هذا الذي يُبنى فوق جماجم الأبرياء؟

وأي حضارة هذه التي تبرر القتل الجماعي باسم النظام الدولي؟

لقد أصبح الإنسان في عالمنا مجرد رقم في نشرات الأخبار، وصورة عابرة في شريط عاجل، وصرخة مكتومة لا يسمعها أحد. تُقصف البيوت، وتُمحى العائلات، وتُدفن الطفولة تحت الركام، ثم يخرج علينا من يتحدث ببرود عن “توازن القوى” و“المصالح الاستراتيجية”.

إن ما يحدث اليوم ليس دفاعًا عن النفس، بل اعتداء منظم على الإنسانية نفسها. ليس حمايةً للأمن، بل فرضٌ للهيمنة بالقوة. ليس نشرًا للديمقراطية، بل إعادة إنتاج للاستعمار بثياب جديدة.

لقد تعب العالم من لغة المبررات.

وتعبت الشعوب من ازدواجية المعايير.

وتعبت الحقيقة من كثرة الكذب باسمها.

كيف يمكن لدولة تدّعي حماية الحقوق أن تدعم قتل الشعوب؟

كيف يمكن لمن يرفع شعار الحرية أن يخنق حرية الآخرين؟

كيف يمكن لمن يتحدث عن القانون الدولي أن يخرقه كلما تعارض مع مصالحه؟

إن الدم العربي، والدم الإنساني عمومًا، ليس أقل قيمة من أي دم آخر. والطفل الذي يولد في الشرق ليس أقل حقًا في الحياة من الطفل الذي يولد في الغرب.

لكن السياسة حين تتحول إلى تجارة، والهيمنة حين تتحول إلى عقيدة، يصبح الإنسان ضحية سهلة في لعبة المصالح الكبرى.

وهنا يظهر نموذج السياسة المتوحشة التي يمثلها بعض قادة العالم، وعلى رأسهم ذلك النموذج الذي يشبه مصاصي الدماء في خطابه وسلوكه، حين يتعامل مع الحروب وكأنها صفقات، ومع الدماء وكأنها أرقام، ومع مصائر الشعوب وكأنها أوراق تفاوض.

إن هذا النموذج لا يرى في الإنسان إنسانًا، بل يرى فيه أداة ضغط، ووسيلة ابتزاز، وساحة اختبار للقوة.

إن أخطر ما في الأمر ليس القصف وحده، ولا الحصار وحده، ولا الدمار وحده…

بل أخطر ما فيه هو محاولة إقناع العالم بأن هذا كله طبيعي، ومقبول، ومبرر.

حين يصبح القتل سياسة… فهذه كارثة.

وحين يصبح الدمار خيارًا مشروعًا… فهذه مأساة.

وحين يصبح الصمت الدولي موقفًا رسميًا… فهذه خيانة للإنسانية.

إن العالم اليوم بحاجة إلى شجاعة أخلاقية قبل أن يحتاج إلى قوة عسكرية. بحاجة إلى ضمير حي قبل أن يحتاج إلى تحالفات جديدة. بحاجة إلى صوت إنساني صادق يقول: كفى.

كفى قتلًا باسم الحرية.

كفى تدميرًا باسم الأمن.

كفى هيمنةً باسم الديمقراطية.

لقد آن الأوان أن يدرك العالم أن الشعوب الضعيفة ليست بلا كرامة، وأن الدول الفقيرة ليست بلا صوت، وأن الإنسان أينما كان ليس مشروع ضحية، بل صاحب حق في الحياة والعدالة والكرامة.

وسيظل السؤال قائمًا يوجع الضمير الإنساني كله:

إلى متى يبقى القوي فوق القانون؟

وإلى متى يبقى الضعيف وحده يدفع الثمن؟

لم تعد القضية اليوم قضيةَ مواقف سياسية عابرة، ولا اختلافاتٍ دبلوماسية تُطوى صفحاتُها ببياناتٍ رسميةٍ باردة، بل غدت مأساةً إنسانيةً مفتوحةً تُراق فيها الدماء على مرأى العالم ومسمعه، ثم يُراد لنا أن نُصدِّق أن ما يجري إنما هو دفاعٌ عن النفس، أو حفاظٌ على التوازن والاستقرار.

لقد ترسَّخ في وجدان قطاعاتٍ واسعةٍ من شعوب العالم أن السياسات التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إبّان تولّيه الحكم لم تكن سياساتٍ متوازنة، بل كانت منحازةً انحيازًا بيّنًا إلى سياسات الاحتلال الصهيوني، وهو ما أسهم في تعميق الجراح، وتوسيع دائرة الصراع، وإضعاف الثقة في إمكانية قيام سلامٍ عادلٍ يُنصف الإنسان ويحفظ كرامته.

وإنَّ أخطر ما في الأمر ليس اختلاف المصالح بين الدول، فذلك شأن السياسة منذ فجر التاريخ، وإنما الخطر كلُّ الخطر حين يُصبح دم الإنسان أداةً في حسابات القوة، وحين تتحول معاناة الشعوب إلى أوراق ضغطٍ تُستخدم على موائد التفاوض، لا إلى نداءاتٍ إنسانيةٍ تستوجب الإنصاف والرحمة.

فأيُّ سلامٍ يُرتجى من فوق أنقاض البيوت؟

وأيُّ أمنٍ يُبنى على خوف الأطفال؟

وأيُّ عدلٍ يُقام في ظلِّ حصارٍ طويلٍ ومعاناةٍ ممتدة؟

إنَّ السلام الحقَّ لا يُفرض بالقوة، ولا يُصاغ في لغة الغلبة، ولا يُشيَّد على حساب الضعفاء، وإنما يقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وصيانة كرامة الإنسان، وإعلاء قيمة العدل فوق اعتبارات النفوذ والهيمنة.

وإنَّ التاريخ ، وهو الشاهد الذي لا يغفل ولا يجامل

لن ينسى من جعل الدماء وسيلةً للسياسة، كما لن ينسى من وقف موقف الحقِّ نصرةً للإنسان وكرامته، فالسياسة التي تُبنى على الدم لا تُنبت سلامًا، ولا تُثمر استقرارًا، وإنما تورث الأجيال جراحًا لا تندمل وذكرياتٍ لا تموت
---------------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي

مقالات اخرى للكاتب

حين يتحول العالم إلى ساحة صيد