من الشخصيات الإسلامية التي أتوقف عندها كثيرا شخصية سيدنا (حاطب بن أبي بلتعة) وهو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، من مشاهير المهاجرين، وعد في كتب الطبقات من كبراء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المقوقس، وكان - رضي الله تعالى عنه، وعن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم - ممن شهد غزوة بدر في العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم - أي من شهدوا بدرا - ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله قد اطلع على قلوبكم، فقال افعلوا ماشئتم فإني قد غفرت لكم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم..
ولم يكن للرجل قرابة تحمي أهله وذويه في مكة من كفارها، فأراد أن يكون له يد على قريش بإبلاغهم عن فتح مكة، وأرسل بذلك كتابا مع جارية كانت في طريقها من المدينة إلى مكة، ليخبرهم بما نوى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في مسيره لفتح مكة..
وتم العثور على الكتاب مع الظعينة، أو الجارية التي أرسلها، وفي مرويات تاريخية هب نفر من الصحابة بقتله؛ إلا أنه دافع عن نفسه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يفعل ذلك عن ردة، او كفر، قائلا له:-
(لاتعجل علي يارسول الله....) موضحا مقصده على نحو ماسبق بيانه.
وقد عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم مذكرا بما قاله المولى - سبحانه وتعالى - في شان من شهد بدرا على نحو ماسبق ذكره أيضا.
وهنا يقف الباحث حائرا بين قوة إيمان الرجل وعقيدته، وحالة الضعف النفسي التي اعترته، والتي دفعته إلى مخاطبة كفار قريش بموعد فتح مكة؛ وهو مايمكن أن يعد في الآونة المعاصرة من قبيل أعمال الخيانة العسكرية التي تستوجب القتل، لكن الله كان رؤوفا بعباده، مطلعا على مافي صدورهم، والفرق شاسع وكبير بين ضعف العقيدة، ومخالفة أحكامها ، وبين ضعف النفس الذي يمكن أن يؤدي بالإنسان إلى ما لايحمد عقباه....
فسيدنا حاطب بن أبي بلتعة لم يفعل ذلك عن ضعف في عقيدته، بل عن ضعف في نفسه، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عفا عنه، وفيه نزلت الآيات من سورة الممتحنة التي لم تنف عنه إيمانه وجاء فيها قوله تعالى:-
(يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق....) الآية. ... موضحا سبحانه عدم نفع الأرحام والأولاد يوم القيامة.... قائلا في ذلك سبحانه :-(لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير...) الآية
وهناك العديد من المواقف التاريخية التي يقف المرء فيها حائرا بين التفسير الديني، وقوة العقيدة، ومخالفة أحكامها، وبين الضعف النفسي الذي يعتري النفس الإنسانية، فيندفع صاحبها إلى ارتكاب ما حرم الله تعالى كما هو الحال في شان ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه، والذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم معترفا بالزنا ويطالب بتطبيق الحد عليه، وكذلك المرأة الغامدية التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعترف بالزنا، وتطلب تطبيق الحد عليها، وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، وفي موطن آخر قال صلى الله عليه وسلم لو قسمت توبتها على سبعين رجلا لوسعتهم......
وامثال هذه المواقف هي التي تعبر عن التفسير الديني للشخصية ومدى مخالفتها لأحكام الشريعة في إطار ضعف النفس الإنسانية، وليس ضعفا في العقيدة الدينية.
وهذا الضعف النفسي أيضا يمكن أن يجده المرء في بعض آي الذكر الحكيم من سورة الجمعة، كما هو الحال في قول الحق سبحانه وتعالى:- (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما..) الآية وهو الضعف الذي يجعل المؤمن يسعى لملاقاة عير قريش باحثا عن الطعام للأولاد والذرية، متغافلا، أو متناسيا ان سماعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى له من كل شيء، وأن ما عند الله تعالى خير من اللهو ومن التجارة.
وهذا الذي ربما ينظر إليه البعض على أنه ضعف في العقيدة، هو في الواقع ضعف في النفس الإنسانية، قد يدفعها إلى الوقوع فيما لا يحمد عقباه، كما هو الحال في قول الحق سبحانه وتعالى.. في سورة آل عمران...:- (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.....) الآيات التي توضح ان المتقين من عباده الصالحين قد يقع منهم بعض الفواحش..، ثم يعودون إلى ذكر الله تعالى، واستغفاره.... (ومن يغفر الذنوب إلا الله..) عافانا الله تعالى وإياكم من ضعف النفس، وحفظ علينا العقل والدين، وسلك بنا سبيل المهتدين..
---------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
* باحث أكاديمى في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية
عضو اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة






