15 - 04 - 2026

"كماشة العصر": كيف تنسج إسرائيل خيوط العنكبوت من القوقاز إلى النيل؟

لا يخفى على أي مواطن عربي حقيقة ما يجري من مخططات لتفتيت الأمة العربية، لكننا و رغم كل ما نعرفه لازلنا نسقط أفرادا و حكومات في فخاخ نصبها لنا العدو، و رغم أن الخطط معلنة إلا أننا كما قالت عنا جولدامائير من قبل: العرب لا يقرأون و إذا قرأوا لا يفهمون و إذا فهموا فهم لا يقدمون و لا يؤخرون ...

كلنا يعلم أن إسرائيل تعمل على تفتيت التكتلات وبث الفرقة بين الإخوة كمرحلة أولى ضمن خطة طويلة الأمد تنتهي الى تقزيم الدول الكبيرة وتحويلها لكيانات صغيرة متحاربة في مشهد يعيد رسم خارطة الشرق الأوسط يكون لها فيه السيادة والهيمنة، ورغم هذا فإننا نحن العرب ننساق إلى ما خططت لنا، ونشعل الخلافات بيننا وبين بعضنا البعض عبر السوشيال ميديا و المنصات الاعلامية ونسرع إلى التلاسن منشغلين عن خرائط "التطويق الجيوسياسي التي تحيط ببلادنا".

ما نشهده اليوم في عام 2026 ليس مجرد صدفة عسكرية، بل هو تنفيذ دقيق لإستراتيجية إسرائيلية تهدف إلى شل حركة القوى الإقليمية المؤثرة، وعلى رأسها إيران ومصر، و تركيا و السعودية عبر خلق "أطواق" خانقة تحرم هذه الدول من مجالها الحيوي وتجعلها في حالة دفاع دائم، و للنظر الى ما كشفت عنه الحرب "الإسرائيكية" على إيران من تداخل بلاد آخرى كنا نظنها بعيدة عن الصراع فإذا بها احد أذرعه ضمن خطط التطويق التي يجري تنفيذها منذ زمن في محاور عدة.

المحور الشمالي:

خنق طهران من القوقاز

تبدو إيران اليوم محاصرة بـ "عيون وآذان" إسرائيلية على حدودها الشمالية. اللاعب الأساسي هنا هو "أذربيجان"، التي تحولت إلى منصة انطلاق استراتيجية. لم يعد سراً أن باكو توفر لإسرائيل قواعد مراقبة ومطارات (مثل نخجوان ولنكران) مقابل تفوق عسكري كاسح بمسيرات "هاروب" وأنظمة صواريخ "باراك".

ولم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل امتد التطويق إلى "كازاخستان"، التي دخلت رسمياً في عام 2026 مدار "اتفاقيات أبراهام"، لتؤَمِن لإسرائيل مورداً إستراتيجياً لليورانيوم والطاقة، وتكمل قوس الحصار الذي يمتد من بحر قزوين إلى حدود آسيا الوسطى، مما يجعل العمق الإيراني مكشوفاً تماماً أمام التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.

المحور الجنوبي:

تطويق القاهرة بـ "الأشقاء والأعداء"

بينما تنشغل إيران بالشمال، تواجه مصر مخططاً أكثر تعقيداً يهدف لتحجيم دورها التاريخي. اللاعب الأساسي والمثير للجدل هنا هو "الإمارات العربية المتحدة".

عبر "التكامل الاستراتيجي"، تلعب أبوظبي دور "المسهل" للتواجد الإسرائيلي في نقاط حساسة تمس الأمن القومي المصري من جهات عدة:

1. في القرن الإفريقي:

التنسيق الإماراتي - الإسرائيلي في إثيوبيا (حول سد النهضة) وفي "صومالي لاند" يهدف لخلق "كماشة مائية وأمنية" تخنق مصر من الجنوب، ثم دعم الامارات لقوات التدخل السريع في السودان و التي تؤثر على الأمن في جنوب مصر ..

2. في البحر الأحمر:

تعمل الإمارات للسيطرة على الموانئ والمضائق من بورتسودان إلى باب المندب، و دعمها الخفي لقوات الحوثيين التي تؤثر على البحر الاحمر وقناة السويس فتضرب مصر و =تسحب ورقة السيادة البحرية من يد القاهرة لصالح تحالف تكنولوجي - مالي تقوده إسرائيل.

3. محور فيلادلفيا:

هذا المحور يعكس الإصرار الإسرائيلي على الوجود العسكري هناك هو محاولة لفرض واقع جغرافي جديد يعزل مصر تماماً عن ملف القضية الفلسطينية، و في الوقت نفسه تعمل إسرائيل للضغط على مصر حتى تتحول حدودها مع غزة إلى صمام يفتح ليسمح بالعبور قي اتجاه واحد، بمعنى أنه يسمح بعبور أهالي غزة الى مصر دون العودة في الاتجاه الآخر حتى يتم التهجير وإذا أضفنا الانقسامات في ليبيا نجد أن مصر مضطرة للتفكير بطوق ناري حول حدودها ...

هل هناك ضحايا آخرون على قائمة التطويق؟

بالتأكيد لا تكتفي إسرائيل بإيران ومصر؛ فالمخطط يمتد ليشمل قوى أخرى قد تعيق "الهيمنة المطلقة".

المملكة العربية السعودية:

رغم الحديث عن تقاربات بينها و بين إسرائيل، تسعى الأخيرة لتطويق النفوذ السعودي عبر تقوية تحالفات بديلة في الخليج متمثلا في كل من (الإمارات والبحرين) من جانب، و من جانب آخر تعمل على جعل أمن المملكة مرتبطاً بمنظومات الدفاع الإسرائيلية، مما يسلب الرياض إستقلالية قرارها العسكري.

تركيا:

تعمل إسرائيل على تعزيز "حلف شرق المتوسط" مع "اليونان وقبرص" ، لخلق طوق بحري يحرم أنقرة من نفوذها في مياه المتوسط ويحجم طموحاتها في ملف الغاز، وهو ما ظهر بوضوح في المناورات العسكرية المشتركة مطلع هذا العام حيث تركّز إسرائيل على المناورات مع اليونان وقبرص ضمن تحالف شرق المتوسط، بهدف تعزيز أمن الطاقة والتعاون البحري، و هو ما يعني محاولة إبعاد تركيا او تحجيمها.

الجزائر:

بدأت ملامح تطويق المغرب العربي تظهر عبر التحالف العسكري الوثيق مع المملكة المغربية،  حيث تسعى إسرائيل لخلق بؤرة توتر دائم على حدود الجزائر، القوة الإقليمية الرافضة للتطبيع، لإشغال جيشها في نزاعات حدودية تستنزف قدراته و بهذا تكون قد خططت لإضعاف كل الدول الكبرى في المنطقة دون مواجهة عسكرية حقيقية، و بهذا يستمر المخطط في في حصار الكيانات الكبرى و إثارة النعرات والخلافات بين الشعوب حتى تصل يوما ما إلى الهدف النهائي ...

و للأسف رفضت الدول العربية المبادرة المصرية لإقامة جيش عربي مشترك وسوق عربية مشتركة وترفض الدول كل ما هو مشترك، بل و لجأت إلىفع الأموال الطائلة لأطراف غير عربية اثبت الواقع أنها لن تعمل على حمايتها..

فهل يفيق العرب شعوبا و حكومات لما يجري حولهم و يعملون على توحيد كلمتهم و قوتهم في مواجهة الأطماع الخارجية ؟؟؟

خطة الكيان الإسرائيلي تسير بخطى ثابتة  لتطويق وحصار وإضعاف الجميع، وشغل كل دولة من الدول الكبيرة بصراعات جانبية تستنزف قواها حتى تتم لإسرائيل الهيمنة على المنطقة..

القضية ليست فقط القوة العسكرية، لكنها القوة العسكرية والتخطيط والمبادرة بالفعل ..

لا تبحث إسرائيل في 2026 عن مواجهة شاملة تحرق الجميع، بل تبحث عن "السيادة بالنقاط". هي تريد منطقة تكون فيها الدول الكبيرة (مصر، إيران، تركيا، السعودية) مجرد جزر معزولة محاطة بأطواق من الحلفاء التابعين لتل أبيب.

ومواجهة هذا "التطويق" تتطلب من القاهرة والرياض وطهران و اسطنبول - رغم التناقضات و الخلافات بينها - إدراك أن اللعبة أكبر من الخلافات البينية؛ فهي معركة بقاء تلك الدول على خارطة العالم كدول قوية قادرة على حماية حدودها والقيام بدور في حفظ الأمن والسلم الدوليين، و ليس مجرد كيانات ضعيفة تتحكم بمصيرها إسرائيل.

الوعي الشعبي العربي هو الركيزة الأساسية لرفض التحول إلى مجرد "قطع شطرنج" في هذه الرقعة الدولية المعقدة.

لا يقبل عربي على كرامته التسليم للدولة العنصرية التي تضم 10 ملايين  ان تقود منطقة قوامها 501 مليون مواطن عربي اضافة الى 86 مليونا في تركيا و 93 مليونا في إيران ..

أفيقوا يرحمكم الله وانتبهوا للمخطط الذي يجري حولكم ودعكم من النزاعات فلا مجال لعودة الإمبراطورية الفارسية ولا الامبراطورية العثمانية، إنما على ايران ان تعمل لكسب ود محيطها الخليجي ودعمها بديلا عن الخلافات والنزاعات والاطماع، و كذلك تركيا عليها ان تترك احلام عودة الخلافة العثمانية و تعمل على  التعاون مع جيرانها ليحل الأمن و السلم في المنطقة.

الوعي والوحدة هما الحل ..
--------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال


مقالات اخرى للكاتب