لا يوجد فن محايد برئ نقي خالص
نحن أمام واحدة من أكثر اللوحات تعقيداً وإثارة للجدل في تاريخ الفن الاستشراقي والواقعي. نحن أمام ملحمة بصرية متفجرة. هذه اللوحة هي "معجزة النار المقدسة" (The Miracle of the Holy Fire) للفنان البريطاني وليام هولمان هنت (William Holman Hunt)، استغرق في رسمها سبع سنوات تقريبا، ما بين 1892 و1899، وهي تصور الطقس السنوي في كنيسة القيامة بالقدس. تظهر هنا بقوة في فلسفة التكوين للوحة وهو الرعب من الفراغ أول ما يصدمك في اللوحة هو الازدحام الخانق. هنت لم يترك ولا حتى "سنتيمتر واحد" للتنفس حتى الحوائط مليئة بالأيقونات التي قد يكون بها كادر داخلي فتصبح كادر داخل كادر داخل كادر، إحساس عميق بالعمق نفسه. والتماثيل أيضا موزعة في كل مكان، هذا التكوين الدائري المتفجر، ضاغط على النفس، وكأنه يحيط بك من كل جانب، كأنه يحبسك داخله، يعبر عن الفوضى المقدسة، ربما بساطة هؤلاء الذين يؤمنون بالنور المقدس أو سذاجتهم.
يحتل المركز القبر المقدس والآنية الرخامية وسط الزحام، ويعمل كمرساة بصرية وسط بحر متلاطم من البشر، وأمواج هادرة من الألوان. العين لا تستقر؛ تنتقل من يسار اللوحة حيث يسقط رجل مغشي عليه، إلى اليمين حيث يندفع الشباب حاملين الشعلات، وصولاً إلى الشرفات العلوية المكتظة. إنه كوريوجراف سينمائي قبل عصر السينما المعاصر
تظهر سيميائية الضوء واللون، فالنار كبطل، نتابع مع اللوحة الأصفر الأوكر والأبيض التيتانيوم، وانظر هنا كيف استخدمهما هنت، النار تظهر كضوء وكمصدر الحياة في الوقت نفسه في الكادر. الضوء ينبعث من المشاعل ليضيء الوجوه بأسلوب (Chiaroscuro) حاد، مما يبرز ملامح التقوى، الهلع، والنشوة، هنا يظهر التضاد اللوني، حيث نللاحظ التباين بين الملابس الزاهية للأهالي المحليين (الأحمر القاني والأزرق الملكي) وبين الثياب الداكنة للرهبان أو الحجاج من مشارب مختلفة، هذا التضاد يخلق توتراً بصرياً يعكس التنوع العرقي والديني الذي كان يذهل هنت في القدس.
تتنوع التفاصيل المجهرية بدقة.. نستطيع شم رائحة البخور الممتزجة بعرق الحشود. نستطيع تمييز ملمس الحرير، الصوف، والمعدن في القناديل المعلقة. كل وجه في اللوحة هو بورتريه مستقل، له ما يشغله وما يشعر به، هناك قصص جانبية لا تنتهي؛ فتاة تنظر بذعر، شيخ يرفع يده بالدعاء، وشاب يتسلق الأعمدة، و... و... . هذه الدقة في العشوائبة والفوضى ليست عبثية، بل هي محاولة لتوثيق االلحظة الإيمانية بكل تجلياتها الإنسانية بطاقتها الهائلة.. وربما بسذاجتها العارية، حسب زاوية رؤيتك.. فالفن ليس بريئا تماما.
نتلمس عين المراقب الغريب،. هنت، كبريطاني بروتستانتي، كان ينظر إلى هذا الطقس بمزيج من الإعجاب والارتباك. اللوحة تبدو وكأنها انتقاد مبطن للفوضى والعشوائية الطاغي على القيمة الروحية والمشوش لها، وفي الوقت نفسه احتفاء بالطاقة الروحية.
في الركن الأيمن السفلي، نرى عائلة إنجليزية (ربما تمثل الرصانة الغربية) تراقب المشهد بهدوء، مما يخلق فجوة شعورية بين "المشهد الانفعالي" و"المراقب العقلاني".
وهناك الابتسامة المحاصرة، بالعودة لفكرتنا عن ابتسامة الرضا، ابحث في اللوحة عن وجه الفتى الذي يحمله رجل على كتفيه في المقدمة (جهة اليمين قليلاً). وسط هذا الصراخ والزحام، تجد ملامح هادئة، ربما هي تلك الابتسامة التي كنت تبحث عنها. هي نقطة السكون الوحيدة في إعصار من الحركة.
هذه اللوحة هي تجسيد لما يسمى للجماليات القبيحة. هي جميلة في تنفيذها التقني، لكنها تصور مشهداً قبيحاً في فوضويته واحتكاكه البشري العنيف. هنت لم يرسم ديناً، بل رسم غريزة البحث عن النور.
لقد نجح هنت هنا حقا. لقد ترك لاوعيه يفيض بكل صراعاته نحو الشرق والقدس والنور المقدس، ليخرج لنا عملاً لا يمكنك أن تغمض عينك أمامه، بل تجد نفسك مجبراً على الغرق في تفاصيله.
------------------------------
بقلم: هاني منسي
كاتب وناقد







