ألقى البابا تواضروس الثاني عظة روحية عميقة خلال قداس خميس العهد، الذي ترأسه صباح اليوم بدير دير الشهيد مارمينا العجائبي بمريوط في الإسكندرية، بمشاركة الأنبا كيرلس آڤا مينا أسقف ورئيس الدير، ومجمع الرهبان، وعدد من أبناء الكنيسة.
وشهدت الصلوات طقسًا كنسيًا مميزًا، حيث بدأت بصلاة باكر خميس العهد ورفع بخور باكر، تلتها صلوات السواعي النهارية (الثالثة والسادسة والتاسعة)، ثم صلاة اللقان وطقس غسل الأرجل، وصولًا إلى القداس الإلهي الذي ألقى خلاله قداسته عظته.
واستهل البابا عظته بالتأكيد على أن يوم خميس العهد يُعد من أكثر أيام أسبوع الآلام ثراءً بالأحداث، إذ شهد تناول الفصح، وغسل الأرجل، وتأسيس سر الإفخارستيا، إلى جانب الصلاة الوداعية والقبض على السيد المسيح وبداية المحاكمات، مشيرًا إلى أن الكنيسة لا تكتفي بتذكر هذه الأحداث، بل تستدعيها لتعيشها في الحاضر من خلال معانٍ روحية حيّة.
وأوضح قداسته أن هذه المعاني تتجسد في ثلاثة محاور رئيسية، أولها «الطقس الكنسي»، حيث أشار إلى طقس «دورة يهوذا» بوصفه نموذجًا للانقسام الداخلي في الإنسان بين الأمانة والخيانة، لافتًا إلى أن يهوذا أُتيحت له فرصة التلمذة لكنه استسلم لشهوة المال، مؤكدًا أن سر الخدمة الحقيقي يقوم على الأمانة، مستشهدًا بالقول الكتابي: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ».
أما المحور الثاني، «الدرس العملي»، فتجسد في طقس غسل الأرجل، حيث قدّم السيد المسيح مثالًا حيًا للاتضاع حين انحنى ليغسل أرجل تلاميذه، رغم اختلافهم حول من هو الأعظم بينهم، مشددًا على أن هذا الطقس يُسلّم الكنيسة سر المحبة الحقيقية القائمة على الاتضاع، وداعيًا المؤمنين إلى أن يطلبوا روح التواضع ويعيشوها بصدق في حياتهم اليومية.
وفي المحور الثالث، «العهد الأبدي»، تناول البابا سر الإفخارستيا (التناول) باعتباره عهدًا دائمًا بين الإنسان والله، يمنح الخلاص وغفران الخطايا والحياة الأبدية، موضحًا أن هذا السر يرتبط أيضًا بروح الشكر الدائم، سواء في الصلوات أو التسابيح أو حياة الإنسان الداخلية، التي يجب أن تمتلئ بحضور الله.
وفي ختام عظته، شدد البابا على ضرورة اليقظة الروحية، محذرًا من السقوط في الغفلة أو الكسل أو تسويف العمر، مستلهمًا من موقف التلاميذ في لحظات الصلاة الوداعية، ومؤكدًا أن الحياة الروحية الحقيقية تتطلب سهرًا دائمًا واستعدادًا مستمرًا.
واختتمت العظة برسالة مركزة، مفادها أن الطقس الكنسي يعلّم الأمانة كأساس للخدمة، وغسل الأرجل يكشف أن الاتضاع هو جوهر المحبة، بينما يؤكد سر التناول أن الشكر هو الطريق إلى الحياة الأبدية.






