لم يعد السؤال المركزي في حقل العلاقات الدولية اليوم هو: من يمتلك فائض القوة؟ بل تحوّل إلى سؤال أكثر تعقيدًا وإلحاحًا: لماذا عجزت هذه القوة، رغم تضخمها غير المسبوق، عن إنتاج الحسم؟ ولماذا أصبحت الحروب، وفق ما ترصده تقارير مراكز التفكير الاستراتيجي مثل مؤسسة راند (RAND) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، تميل إلى الامتداد الزمني والتشظي البنيوي بدلًا من الوصول إلى نتائج فاصلة؟
إن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة لم تُنتج نظامًا دوليًا مستقرًا كما كان متوقعًا، بل أطلقت ديناميات جديدة أعادت تعريف معنى القوة ذاته، فقد تآكلت فاعلية الأدوات التقليدية - العسكرية والاقتصادية - أمام صعود أنماط تهديد غير متماثلة، تديرها شبكات لامركزية وفاعلون من خارج الدولة، الأمر الذي أكدته تحليلات وكالة المخابرات المركزية (CIA) في تقييماتها لما بعد الحروب الكبرى، فلم تعد الجيوش النظامية تواجه نظيراتها، بل تجد نفسها في اشتباك مفتوح مع بيئات اجتماعية معقدة، حيث يتحول المدني إلى فاعل، والفضاء الرمزي إلى ساحة صراع لا تقل خطورة عن الميدان العسكري.
وفي هذا السياق، لم يعد "النصر" مفهومًا قابلاً للقياس التقليدي، كما في حروب القرن العشرين، بل أصبح - بحسب تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) - حالة نسبية ومؤقتة، سرعان ما تتآكل بفعل التفاعلات السياسية والاجتماعية اللاحقة، فالتفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى استقرار سياسي، والنجاح التكتيكي قد يتحول إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد، وهذا ما جعل الحروب الحديثة تميل إلى إعادة إنتاج أسبابها بدلًا من إنهائها، في دورات متكررة من العنف غير الحاسم.
هنا تحديدًا، تتقاطع الفلسفة السياسية مع التحليل الاستخباراتي، ويتحوَّل قرار الحرب من فعل سيادي واضح المعالم إلى لحظة ارتباك وجودي داخل الدولة نفسها، فصانع القرار لم يعد يعمل في بيئة يقين، بل في فضاء مشبع بالاحتمالات المتضاربة، حيث تتراجع القدرة على التنبؤ، وتتقدم المخاطر غير المحسوبة، ولم يعد النصر هدفًا مضمونًا، بل احتمالًا ملتبسًا، ولم تعد الحرب أداة لتحقيق غاية سياسية واضحة، بل مغامرة مفتوحة على نتائج غير قابلة للضبط.
وهكذا، ندخل عالمًا جديدًا لم تعد فيه القوة كافية، ولم تعد فيه المعرفة الاستخباراتية قادرة على احتواء التعقيد بالكامل، بل عالم يتسم بما يمكن وصفه بـ"سيولة الصراع"، حيث تتفكك الحدود بين الحرب والسلم، بين الدولة والمجتمع، بين الفعل ورد الفعل، وفي هذا العالم، لم يعد قرار الحرب تعبيرًا عن سيطرة، بل عن محاولة يائسة لإعادة فرض معنى مفقود للنظام في واقع يزداد فوضوية وغموضًا.
وفي هذا الإطار التحليلي المتقدم، يطرح برتران بادي (Bertrand Badie) مفهومه الجوهري "عجز القوة" (the impotence of power) باعتباره ليس مجرد توصيف مرحلي لأداء القوى الكبرى، بل تعبيرًا عن تحوُّل بنيوي عميق أصاب طبيعة النظام الدولي ذاته، فالقوة كما عُرّفت تقليديًا في أدبيات الدراسات الاستراتيجية - بوصفها تراكمًا للقدرات العسكرية، والموارد الاقتصادية، والسيادة السياسية - لم تعد قادرة على تحقيق الغاية التي شُيّدت من أجلها: إنتاج الحسم، فلقد تآكلت فاعلية هذه الأدوات أمام واقع جديد تؤكده تقارير المؤسسات العالمية المتخصصة، حيث تشير إلى أن التفوق العسكري لم يعد يُترجم إلى نتائج سياسية مستقرة، وأن فجوة متزايدة تفصل بين "كسب الحرب" و"كسب السلام".
إن ما فقدته القوة اليوم ليس مجرد فعاليتها التكتيكية، بل قدرتها البنيوية على الإغلاق؛ أي إنهاء الصراع وفرض نهاية واضحة له، فحتى في الحالات التي تُظهر فيها القوى الكبرى تفوقًا ساحقًا على المستوى العملياتي، كما حدث في حروب حديثة، فإنها تفشل - وفق تقييمات وكالة المخابرات المركزية ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام - في تحويل هذا التفوق إلى استقرار دائم أو نظام سياسي قابل للاستمرار، وهنا يتكشف التحول الأخطر: لم تعد الحرب قادرة على أداء وظيفتها الكلاسيكية كأداة لحسم النزاعات، بل أصبحت في كثير من الأحيان آلية لإعادة إنتاجها في أشكال أكثر تعقيدًا وتشظيًا.
وبهذا المعنى، تتآكل المقولة الكلاسيكية التي صاغها كارل فون كلاوزفيتز (Carl von Clausewitz) حين اعتبر أن "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، ففي السياق الراهن، لم تعد الحرب امتدادًا للسياسة، بل أصبحت دليلًا على فشلها، فحين تعجز الأدوات الدبلوماسية، والتنموية، والرمزية عناحتواء التوترات، تلجأ الدولة إلى القوة، لا باعتبارها خيارًا استراتيجيًا محسوبًا، بل كملاذ أخير يعكس حدود قدرتها على الفهم والسيطرة.
إننا إذن، أمام عالم لا يخضع لمنطق السيطرة الكلاسيكي، بل لمنطق السيولة والتفكك، حيث تتعدد مراكز الفعل، وتتداخل المستويات المحلية والعابرة للحدود، وتبرز فواعل غير دولية قادرة على تقويض أثر القوة التقليدية، وفي هذا العالم، لم تعد القوة وسيلة لفرض الإرادة، بل أصبحت أداة محدودة التأثير، تعمل داخل بيئة معقدة تُقيدها أكثر مما تمكِّنها، ومن هنا فإن "عجز القوة" لا يعني غيابها، بل يعني فقدانها لقدرتها على تحقيق ما وُجدت من أجله: الحسم.
وهذا التحول يكشف عن مفارقة فلسفية واستراتيجية بالغة العمق: فالدولة التي راكمت عبر عقود أدوات القوة الأكثر تطورًا في التاريخ - عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا - تجد نفسها، على نحو متناقض، عاجزة عن تحقيق الغايات التي صُممت هذه الأدوات من أجلها، فتُعد الولايات المتحدة المثال الأكثر دلالة على هذه المفارقة؛ إذ تمتلك شبكة تفوق عسكري عالمية، مدعومة ببنية استخباراتية متقدمة، وبقدرات تحليلية واستشرافية توثقها دراسات عديدة، فضلًا عن إنفاق دفاعي يُعد الأعلى عالميًا وفق جميع التقديرات، ومع ذلك، فإن هذا الفائض من القوة لم يُترجم إلى حسم استراتيجي في نزاعات طويلة ومعقدة.
ففي حرب العراق، نجحت العمليات العسكرية التقليدية في إسقاط النظام خلال أسابيع قليلة، في تجسيد واضح للتفوق العملياتي، لكن سرعان ما انكشف قصور هذا الإنجاز أمام تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي، حيث تحوَّل الفراغ السلطوي إلى بيئة خصبة لتمدد الفوضى والصراعات الداخلية، وبالمثل الحرب في أفغانستان، رغم عقدين من العمليات العسكرية والإنفاق الضخم والوجود الاستخباراتي الكثيف، انتهى المشهد دون بناء نظام سياسي مستقر قادر على الصمود، في مؤشر واضح على فجوة متنامية بين القدرة على التدخل والقدرة على التأسيس.
وهذا الفشل، كما تؤكده تحليلات (IISS)، ليس فشلًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل فشل بنيوي في تحويل "القوة الصلبة" إلى نتائج سياسية مستدامة، فالمعضلة لم تعد في القدرة على التدمير أو الحسم الميداني، بل في العجز عن إدارة ما بعد الصراع، وعن بناء أنظمة شرعية قادرة على الاستمرار داخل بيئات اجتماعية معقدة ومتغيرة، وهنا يتجلى جوهر الأزمة: التفوق العسكري لم يعد ضمانة للاستقرار، بل قد يتحول - في غياب فهم عميق للبنى المحلية والديناميات الاجتماعية - إلى عامل إضافي في تفكيكها.
وبذلك، تتأكد حقيقة أن القوة في صورتها التقليدية لم تعد كافية لإنتاج نظام قابل للحياة، وأن الحسم العسكري، حتى عندما يتحقق، قد يكون مجرد لحظة عابرة في مسار أطول من اللايقين، حيث تتبدد نتائج القوة أمام تعقيد الواقع الذي تسعى إلى إعادة تشكيله.
وفي هذه اللحظة المفصلية من تطور النظام الدولي، تتعرض الفرضية الكلاسيكية التي صاغها توماس هوبز (Thomas Hobbes) لتآكل عميق؛ إذ لم يعد احتكار الدولة لأدوات العنف كافيًا لإنتاج النظام أو ضمان الاستقرار، كما كان يُفترض في النموذج السيادي التقليدي، فالدولة رغم امتلاكها ترسانة عسكرية هائلة وقدرات أمنية متقدمة، تجد نفسها أمام أنماط تهديد لا تستجيب لمنطق الردع الكلاسيكي، بل تتجاوزه إلى فضاءات أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية والرمزية مع الأمنية، وتتحول السيطرة المادية إلى شرط غير كافٍ للهيمنة الفعلية.
في المقابل، تتعرض الرؤية الليبرالية التي أسس لها جون لوك (John Locke) لتحدٍ لا يقل عمقًا، إذ لم تعد الشرعية - باعتبارها تعبيرًا عن رضا المحكومين أو توافقهم - قادرة على أداء وظيفتها كقيد فعَّال على استخدام القوة، فالشرعية نفسها أصبحت ساحة صراع، تتنازعها سرديات متعددة، وتُعاد صياغتها عبر منصات إعلامية وشبكات عابرة للحدود، حيث لم يعد هناك إجماع داخلي أو دولي مستقر حول معايير العدالة أو مبررات الحرب.
إن ما نشهده اليوم هو تفكك مزدوج: من جهة، عجز القوة عن فرض نظام نهائي أو تحقيق حسم مستدام، ومن جهة أخرى، عجز الشرعية عن إنتاج توافق جامع يمنح هذا الاستخدام للقوة غطاءً أخلاقيًا أو سياسيًا مستقرًا، وبين هذين العجزين، يتشكل فراغ استراتيجي ومعياري في آن واحد؛ فراغ تُمارس فيه القوة دون قدرة على الإنهاء، وتُستدعى فيه الشرعية دون قدرة على الإقناع، وهذا الفراغ لا يعكس مجرد أزمة أدوات، بل أزمة بنية في النظام الدولي ذاته، حيث تتعدد الفواعل - دولًا، ومنظمات، وشبكات غير رسمية - وتتشابك مستويات التأثير، من المحلي إلى العابر للحدود، بما يجعل من المستحيل تقريبًا احتكار تفسير واحد للواقع أو فرض رواية واحدة للشرعية.
وهكذا، لم تعد القوة مصدرًا كافيًا للشرعية، ولم تعد الشرعية قادرة على ضبط القوة، بل أصبح كل منهما يعمل في مجال منفصل، دون أن ينجح في استعادة التوازن الذي كان يشكل أساس النظام السياسي في صوره الكلاسيكية.
ويفكك برتران بادي هذا التحول عبر الإشارة إلى انقلاب عميق في موضع الفعل السياسي ذاته؛ إذ لم تعد الدولة هي المركز الحصري لإنتاج القوة أو إدارة الصراع، بل انتقل الثقل تدريجيًا إلى المجتمع بتعقيداته وتشابكاته، وإلى فاعلين غير تقليديين يتجاوزون الحدود والسيادات، فبدلًا من جيوش نظامية متقابلة في ساحات واضحة، نحن أمام شبكات لامركزية، وتنظيمات عابرة للحدود، وخلايا مرنة، بل وحتى أفراد قادرين - بفعل التكنولوجيا وتدفق المعلومات - على إحداث تأثيرات استراتيجية غير متناسبة مع حجمهم.
هذا التحول تؤكده تقارير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) التي ترصد تصاعد أنماط "الحروب غير المتماثلة"، كما تعكسه تقييمات وكالة المخابرات المركزية (CIA) الأمريكية حول التهديدات اللامركزية التي يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية، فهؤلاء الفاعلون لا يدخلون في مواجهة مباشرة مع الدولة وفق قواعد الاشتباك الكلاسيكية، بل ينقلون الصراع إلى فضاءات أكثر سيولة: الفضاء الاجتماعي، والرمزي، والإعلامي، حيث تتداخل الهوية مع السياسة، والتمثيل مع الإدراك، وتصبح المعركة على المعنى لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.
وفي هذا السياق، تفقد القوة العسكرية كثيرًا من ملاءمتها، بل قد تتحول إلى عامل عكسي يعيد إنتاج التهديد بدلًا من احتوائه، فالاستخدام المفرط للقوة في بيئات اجتماعية هشة قد يولّد ديناميات ارتدادية، حيث تُفسَّر العمليات العسكرية باعتبارها اعتداءً أو إقصاءً، ما يغذي سرديات المظلومية ويُعزز قابلية التعبئة لدى الفاعلين غير الدوليين، وهنا لا يعود العنف أداة للحسم، بل يصبح حلقة في دورة متجددة من التصعيد.
فإن جذور كثير من النزاعات المعاصرة لا تكمن في توازنات القوة الصلبة، بل في اختلالات أعمق تتعلق بعدم المساواة، والإقصاء السياسي، والإهانات الرمزية، وفي مثل هذه البيئات، لا يؤدي القمع إلى الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج شروط الصراع، حيث تتحول مشاعر الإذلال وانكسار الكرامة إلى وقود دائم للعنف، وهكذا، لم يعد الصراع يُدار فقط عبر أدوات الدولة، بل عبر تفاعلات معقدة داخل المجتمع نفسه، ما يجعل من القوة التقليدية أداة محدودة الفاعلية في سياق يتطلب فهمًا أعمق للبنى الاجتماعية والثقافية، فإننا أمام تحول يجعل من الحرب عملية مفتوحة على المجتمع، لا مواجهة مغلقة بين جيوش، ويحوِّل الحسم من هدف قابل للتحقيق إلى وهم يتبدد مع كل جولة جديدة من العنف.
ومن هذا المنظور التحليلي، يتضح أن مصادر القوة في النظام الدولي لم تعد تمتلك تلك الصلابة أو اليقين اللذين ميزا عصور التوازنات الكلاسيكية، فالقوة لم تعد كتلة متماسكة يمكن قياسها ببساطة عبر حجم الجيوش أو الناتج الاقتصادي أو عدد الرؤوس النووية، بل أصبحت موزعة في شبكة معقدة من القدرات المتداخلة والمتغيرة، فإن البيئة الاستراتيجية المعاصرة تتسم بما يسمى "تشتت القوة"، حيث تتوزع أدوات التأثير بين الدولة، والاقتصاد العابر للحدود، والتكنولوجيا الرقمية، والشبكات الاجتماعية، والفاعلين غير الحكوميين، وهو ما يجعل من الصعب تحويل أي تفوق جزئي إلى حسم استراتيجي نهائي.
وتُشير التقديرات، إلى أن التفوق العسكري أو الاقتصادي لم يعد يضمن القدرة على فرض الإرادة السياسية في بيئة دولية تتسم بالتعقيد والتداخل، فالدولة قد تمتلك أدوات ضغط هائلة، لكنها تجد نفسها مقيدة بتشابكات اقتصادية، أو بحسابات سياسية داخلية، أو بردود فعل دولية يصعب التنبؤ بها، ولم تعد التحالفات العسكرية - التي شكلت تاريخيًا آلية لتعويض اختلالات القوة - قادرة على أداء دورها التقليدي بنفس الفاعلية، فقد تأسست تحالفات كبرى مثل الناتو في سياق تاريخي كانت فيه المصالح والتهديدات أكثر وضوحًا وتماسكًا، أما اليوم، فإن هذه التحالفات نفسها تواجه ضغوطًا بنيوية ناجمة عن تضارب الأولويات الاستراتيجية بين أعضائها، وصعود النزعات السيادية داخل الدول، وتآكل الإجماع حول القيم السياسية التي شكلت أساس تلك التحالفات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة.
وقد وثقت تقارير مؤسسة راند هذا التغير في طبيعة التحالفات، مشيرة إلى أن التباينات في الرؤى الأمنية والاقتصادية بين الحلفاء باتت تؤثر بشكل متزايد على قدرة هذه التكتلاتعلى اتخاذ قرارات حاسمة أو تنفيذ استراتيجيات طويلة المدى، فالتحالف لم يعد دائمًا مصدر قوة إضافية، بل قد يتحول أحيانًا إلى إطار تفاوضي معقد يبطئ القرار ويكشف حدود الإجماع، وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد دولي غير مسبوق: قوة موزعة لكنها غير مركزة، وقدرات تتحرك بسرعة لكنها تفتقر إلى الاستقرار البنيوي، وتحالفات واسعة لكنها تعاني هشاشة داخلية متزايدة، وفي هذا السياق، تصبح القوة أداة تستخدم باستمرار دون أن تنتج نهاية واضحة للصراع، وتتحول الحروب من وسائل للحسم إلى حلقات متكررة في صراعات مفتوحة لا تعرف خاتمة نهائية.
هنا يظهر بوضوح تطور آخر في طبيعة الصراع الدولي المعاصر، حيث لم يعد الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها كافيًا لتحقيق النتائج المرجوة، فقد صارت الأدوات الاستخباراتية محورًا رئيسيًا لإدارة التوترات في نطاقات محددة وحساسة، سواء من خلال جمع المعلومات الدقيقة، أو تحليل المخاطر، أو استباق التحركات المعادية، وهو ما أضحى بمثابة الحاجز الأول أمام تفكك الاستقرار قبل اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة، فالاعتماد على هذه الأجهزة يعكس وعيًا متزايدًا بحدود القوة التقليدية، وبأن الحسم الشامل لم يعد ممكنًا، بل أن غالبية النتائج اليوم تُنتج على شكل تأثيرات جزئية، مؤقتة، ومضبوطة على المستوى التكتيكي.
وفي الوقت نفسه، شهد العقدان الماضيان صعودًا ملحوظًا لشركات الأمن الخاصة، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا على المسرح الاستراتيجي، لا كبديل كامل للدولة، بل كأداة تكميلية تسد الفجوات التي لم تعد القوات النظامية أو البنية الأمنية التقليدية قادرة على تغطيتها، وهذا الاتجاه واضح في مناطق الصراعات المعقدة مثل سوريا وأفغانستان، حيث تقوم شركات أمنية مثل بلاك ووتر (Blackwater) وأكاديمي (Academi) وغيرها، بتقديم خدمات متخصصة تشمل الحماية، التدريب، والمراقبة، بما يوفر للدول القدرة على التأثير دون الانخراط المباشر في عمليات تقليدية واسعة النطاق، وفق دراسات وتحليلات مراكز البحث الأمني.
يعكس هذا المشهد تحوّلًا في ماهية "الحسم" نفسه: لم يعد الحسم بالضرورة معركة نهائية تؤدي إلى استقرار دائم، بل أصبح إدارة مستمرة للتوترات والصراعات، عبر أدوات خفية، متقطعة، ومؤقتة، تحقق مكاسب تكتيكية وتمنع الانهيار الفوري، لكنها لا تقدم حلولاً جذرية أو مستدامة، وهكذا يمكن القول إن عالم اليوم يعتمد على "القوة الموزعة والمخفية"، حيث تصبح السيطرة الحقيقية أقل ارتباطًا بحجم الترسانة العسكرية وأكثر ارتباطًا بالقدرة على الجمع بين الاستخبارات، والتحالفات الجزئية، والشركات الخاصة، في إدارة متقنة لمزيج من الضغط، والردع، والتأثير النفسي، بما يوضح مرة أخرى عجز القوة الكلاسيكية أمام التعقيد الاستراتيجي المعاصر.
في هذا السياق، تتجلى انعكاسات "عجز القوة" على الساحة الدولية من خلال سلوكيات دول مثل كوريا الشمالية، التي نجحت، رغم محدودية مواردها الاقتصادية والعسكرية مقارنة بالقوى الكبرى، في تحويل امتلاك السلاح النووي إلى أداة ردع استراتيجية ذات أثر عميق، فالتقديرات الاستخباراتية الأمريكية، تشير إلى أن كوريا الشمالية استطاعت، عبر تطوير ترسانتها النووية والتقليدية المحدودة، أن تعرقل عمليات الحصار أو الردع التي كانت يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة أو حلفاؤها، ما يوضح كيف أن قوة نسبية محدودة يمكن أن تعيق حسمًا كان يُفترض أن يكون مضمونًا من جانب الدولة الأعظم.
فلم تعد المعادلة الدولية في هذه الحالة قائمة على مفهوم الصفرية التقليدية "انتصار أو هزيمة"، بل تحولت إلى معادلة معقدة تقوم على منع الحسم أكثر من تحقيقه، حيث يصبح الهدف الاستراتيجي الأساسي هو البقاء ضمن حدود القدرة على المناورة، والحيلولة دون تعرض الدولة للانكسار الكامل أو فقدان الخيار النووي أو السياسي، وهذا التحول يعكس أن القوة لم تعد تُقاس بحجم الانتصار العسكري أو السيطرة الإقليمية، بل بقدرة الدولة على منع هزيمتها، وضمان استمرار وجودها السياسي والاستراتيجي، حتى في مواجهة فواعل أكبر وأكثر ثراءً.
وبهذا المعنى، يعيد السلاح النووي وتصميم استراتيجية الردع في كوريا الشمالية تعريف القوة ذاتها: لم تعد القدرة على فرض الانتصار النهائي أو تحقيق أهداف استراتيجية شاملة المعيار الرئيس، بل أصبح معيار القوة الحقيقي هو القدرة على منع الانكسار، وعلى خلق حالة من التعادل الديناميكي، وعلى تحويل كل تهديد محتمل إلى عنصر ضغط يستثمره صانع القرار في سياق معقد لا يمكن السيطرة عليه بالوسائل التقليدية، وهكذا نرى نموذجًا حيًا لعالم لم تعد فيه القوة أداة للحسم، بل أداة للبقاء والتوازن، حيث يصبح "منع الهزيمة" أكثر أهمية من "تحقيق النصر".
لكن، وربما بشكل أكثر إثارة للقلق، يكشف مفهوم "عجز القوة" عن انهيار العلاقة التقليدية بين القوة والشرعية، التي شكلت منذ قرون الأساس المفهومي للعلاقات الدولية، ففي النماذج الكلاسيكية، كان يُفترض أن امتلاك القوة، سواء العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، يؤدي بالضرورة إلى توليد شرعية أو على الأقل فرضها؛ القوة كانت بمثابة الضامن للنظام الداخلي وللوضعية الدولية للدولة، لكن التحليلات المعاصرة، تؤكد أن أي استخدام للقوة دون غطاء شرعي متين لم يعد ينتج النظام أو الاستقرار، بل قد يقوضه، ليس على المستوى الدولي فقط، بل داخليًا أيضًا، عبر تفكيك الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإثارة ردود فعل شعبية وسياسية معقدة يصعب احتواؤها.
وفي هذا الإطار، تعود أهمية أفكار مايكل والزر (Michael Walzer) حول "الحرب العادلة"، ولكن في سياق أكثر هشاشة وتعقيدًا، فالأسس التي تحدد متى تكون الحرب مبررة، ومتى يكون استخدام القوة مقبولًا أخلاقيًا وسياسيًا، لم تعد واضحة أو موحدة، بل أصبحت مسرحًا متقاطعًا للصراع ذاته، حيث تتصارع الروايات المختلفة، وتتصاعد التحديات القانونية والأخلاقية، وتتداخل المصالح الوطنية مع المعايير الإنسانية والدولية، والتقارير المتخصصة، تؤكد أن النزاعات الحديثة، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق النفوذ النووي مثل كوريا الشمالية، تُظهر هشاشة هذه العلاقة: القوة تُستخدم، لكن الشرعية تتراجع، ما يؤدي إلى حالة من التفكك الأخلاقي والسياسي تجعل كل عمل عسكري أو استخباراتي محل مساءلة متواصلة، ويحول الحرب نفسها إلى اختبار دائم للقدرة على الموازنة بين التأثير والقبول الاجتماعي والدولي.
هكذا، لم تعد الشرعية مجرد نتيجة تابعة للقوة، بل أصبحت ميدان صراع مستقل، تتفاعل فيه المعايير الأخلاقية والقانونية والسياسية مع واقع القوة المتفتت، ويصبح من الضروري لصانعي القرار في العصر الحديث أن يدركوا أن أي قوة غير مدعومة بشرعية متماسكة تواجه خطر الانحراف إلى فشل مزدوج: عسكري وسياسي في آن واحد، يعيد إنتاج العنف بدلًا من احتوائه، ويزيد تعقيد بيئة اتخاذ القرار الاستراتيجي في عالم غير قابل للحسم بسهولة.
عند الانتقال من مستوى النظرية إلى اختبارها على أرض الواقع، يظهر مثلث الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة كأحد أبرز النماذج الحية لما يمكن تسميته "توازن العجز" (Balance of Impotence)، فكل طرف في هذا المثلث يمتلك أدوات قوة متفوقة بوضوح في مجاله: إيران تمتلك قدرات صاروخية استراتيجية، شبكات ميليشيات إقليمية، ونفوذًا سياسيًا داخلية وخارجية مدعومًا بتحالفات إقليمية، وفي المقابل، تمتلك إسرائيل جيشًا تقنيًا متقدمًا، منظومة استخباراتية عالية الدقة، وتجارب واسعة في العمليات الخاصة والردع النووي المحدود، أما الولايات المتحدة، فتمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، قدرة استخباراتية عالمية، ونفوذ دبلوماسي اقتصادي لا مثيل له.
ومع ذلك، فإن هذه القدرات المهيمنة لا تمنح أيًا من الأطراف القدرة على حسم الصراع بشكل نهائي، فالتفاعلات بين القوى الثلاث معقدة ومتعددة المستويات، تشمل الحرب السيبرانية، الضغوط الاقتصادية، النفوذ السياسي الإقليمي، وعمليات المخابرات الدقيقة، وكلها تتداخل مع ديناميات محلية وإقليمية يصعب التحكم فيها، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة - من الضربات الإسرائيلية المستمرة ضد مواقع عسكرية إيرانية في سوريا، إلى الردود الصاروخية الإيرانية الدقيقة، وصولًا إلى التهديدات والعمليات الأمريكيةالمباشرة وغير المباشرة - أن كل تحرك عسكري أو استخباراتي يولد سلسلة من ردود الفعل المضادة، دون أن يُفضي إلى حسم نهائي، بل يعيد إنتاج دورة التوتر والصراع في صورة أكثر تعقيدًا.
إن مثلث إيران-إسرائيل-أمريكا يجسد إذن نموذج "توازن العجز" بشكل مكثف: تفوق جزئي لكل طرف، وعجز شامل عن تحقيق نتائج حاسمة، وتحول أي استخدام للقوة إلى إدارة مستمرة للصراع، لا إلى إنهائه، ويؤكد هذا المثال كيف أن القوة المطلقة لم تعد ممكنة، وأن الشرعية الاستراتيجية، سواء على مستوى القوانين الدولية أو الرأي العام الإقليمي والدولي، باتت محدودة، مما يجعل من الصراع نموذجًا حيًا للمعضلة التي يصفها برتران بادي: عالم القوة الموزعة والمحدودة التأثير، حيث يصبح منع الهزيمة هو الهدف الأساسي، وليس تحقيق النصر النهائي.
فالولايات المتحدة، على الرغم من امتلاكها أكبر ترسانة عسكرية في العالم، تفوقًا تكنولوجيًا متقدمًا، وقدرات استخباراتية عالمية، وإمكانات ضرب دقيقة عبر الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار، تدرك تمامًا أن أي مواجهة شاملة مع إيران لن تكون حربًا تقليدية قابلة للحسم بسهولة، فالمعركة المحتملة لا تقتصر على ساحات محددة، بل تمتد عبر شبكة إقليمية معقدة تشمل سوريا، العراق، اليمن، ولبنان، وتشارك فيها جماعات شبه عسكرية وميليشيات إقليمية، تمتلك قدرات هجومية واستراتيجية دقيقة.
إضافة إلى ذلك، تظهر المعلومات الاستخباراتية أن هؤلاء الفاعلين غير الدوليين - سواء كانوا ميليشيات مدعومة من إيران أو خلايا مستقلة في المنطقة - يمتلكون القدرة على تنفيذ عمليات نوعية، من هجمات صاروخية دقيقة إلى حرب سيبرانية، تمزج بين الهجمات المباشرة والتأثير النفسي والسياسي، ما يجعل من أي تصعيد عسكري معقدًا للغاية، ويجعل من الصعب توقع نتائجه.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن أي محاولة لحسم الصراع بالقوة التقليدية وحدها ستواجه مخاطر استنزاف طويلة المدى، كما حدث في العراق وأفغانستان، حيث تمكنت الفصائل المحلية من تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عمليات مقاومة مستمرة، أدت إلى استنزاف الموارد، وخلق أزمات سياسية داخلية، وأثرت على صورة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي.
وهكذا، فإن أي مواجهة مع إيران لا يمكن اعتبارها مجرد صراع ثنائي بين دولتين، بل هي شبكة معقدة من صراعات غير متكافئة، ممتدة عبر الإقليم، تُدار عبر أدوات عسكرية واستخباراتية وسياسية متنوعة، وتستند إلى تفاعلات اجتماعية ورمزية تجعل أي حسم نهائي شبه مستحيل، وهذا يعكس بوضوح فرضية "عجز القوة" التي صاغها برتران بادي: القوة مهما عظمت، لم تعد تضمن القدرة على إنهاء الصراع أو فرض نتائج حاسمة، بل أصبح هدفها الأساسي منع الهزيمة وإدارة التوترات ضمن شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية.
أما إسرائيل، فبالرغم من امتلاكها تفوقًا عسكريًا متقدمًا، ونفوذًا استخباراتيًا نوعيًا، يجعلها من بين أكثر الدول قدرة على العمليات الدقيقة والردع الذكي، فإن عملها يتم ضمن بيئة استراتيجية شديدة التعقيد والحساسية، حيث أي تصعيد واسع لا يهدد طرفًا واحدًا فقط، بل يفتح جبهات متعددة في آن واحد، تشمل سوريا ولبنان وغزة، مع احتمالية تدخل قوى إقليمية ودولية، ما يحوّل التفوق العسكري التقليدي إلى عبء استراتيجي، والانتصار التكتيكي إلى مأزق سياسي وأمني.
إن القدرة الإسرائيلية على إدارة النزاعات تعتمد اليوم على مزيج من الضربات الدقيقة، الاستطلاع الاستخباراتي المستمر، واستخدام تقنيات الطائرات بدون طيار والهجمات السيبرانية، ما يسمح بتحقيق أهداف جزئية أو ردع محدود دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز السيطرة، كما تظهر تقديرات وكالة المخابرات المركزية(CIA) أن إسرائيل تُوازن بعناية بين العمليات العسكرية والاعتبارات السياسية الداخلية والدولية، مدركة أن أي تجاوز قد يؤدي إلى تحشيد إقليمي واسع أو تأثير سلبي على الدعم الأمريكي والدولي، خصوصًا في ظل التشابكات المعقدة للعلاقات مع إيران وميليشياتها المنتشرة.
ولهذا، فإن نموذج "الضربات المحدودة" الذي تتبعه إسرائيل ليس مجرد استراتيجية عسكرية، بل أداة لإدارة الصراع ضمن بيئة غير متكافئة ومعقدة، حيث يظل التفوق العسكري محكومًا بالقدرة على التوجيه الذكي للضربات، والحفاظ على التوازن بين الردع والاحتواء، ومنع أي مواجهة شاملة تتحول إلى سلسلة من الأزمات المتشابكة، وهو مثال حي على كيفية عمل "توازن العجز" الذي يصفه بادي في سياق الصراعات المعاصرة.
وفي المقابل، تتبنى إيران نموذجًا استراتيجيًا يمكن وصفه بـ"استراتيجية اللا-تماثل"، وهي تقوم على مقاربة مختلفة جذريًا عن الصراع التقليدي، حيث لا تهدف إلى المواجهة المباشرة مع القوات العسكرية الأكبر حجمًا، بل تسعى إلى تفكيك مفهوم الحسم ذاته، فوفق تقارير استخباراتية صادرة عن وكالة المخابرات المركزية (CIA)والمخابرات البريطانية (MI6)، تعمل إيران على إدارة شبكة معقدة من الحلفاء والفاعلين غير الرسميين في العراق ولبنان وسوريا واليمن، مستخدمة هذه الشبكات لتمديد نفوذها وإعادة توجيه الصراع بعيدًا عن النقاط التقليدية للمعركة.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى دمج عدة أبعاد: الجغرافيا كعنصر تكتيكي لاستنزاف الخصم، الهوية والمذهبية لتشكيل تحالفات محلية مترابطة، والسياسة الإقليمية لضمان استمرارية حالة التوتر دون منح أي طرف القدرة على فرض نتائج نهائية، وتشير التقارير إلى أن هذا النهج يسمح لإيران بخلق "مسرح نزاع ممتد"، حيث تُستنزف القدرات العسكرية والتكنولوجية للاعبين الأقوى، وتُضاعف تكاليف أي تصعيد مباشر، وتصبح أي محاولة لتحقيق نصر شامل شبه مستحيلة.
علاوة على ذلك، تستخدم إيران أدوات غير تقليدية مثل الهجمات السيبرانية، عمليات الميليشيات التكتيكية، والتأثير الإعلامي والدبلوماسي لإطالة أمد الصراع وتحويله إلى شبكة من النزاعات الجزئية، وهو ما يجعل أي حسم استراتيجي نهائي أمرًا بعيد المنال، وبهذا المعنى، تُظهر إيران كيف يمكن للاعبي القوة الثانوية أو الإقليمية أن يعيدوا تعريف مفهوم الحرب الحديثة: ليس من خلال التفوق العسكري المباشر، بل عبر القدرة على نقل النزاع إلى فضاءات متعددة، وإعادة إنتاج الصراع بطريقة تجعل أي تفوق جزئي للطرف الآخر عاجزًا عن تحقيق نتائج حاسمة.
هنا، يتجسد مفهوم بادي عن "عجز القوة" بأوضح صوره، ليس مجرد وصف نظري، بل واقع ملموس على الأرض في مثلث الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فكل طرف يمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية فائقة، وتقنيات حديثة من الصواريخ الدقيقة والطائرات بدون طيار، إلى الشبكات السيبرانية المتقدمة، بالإضافة إلى القدرة على التأثير السياسي والدبلوماسي الإقليمي والدولي، ومع ذلك، لا أحد من هذه الأطراف قادر على فرض نتيجة حاسمة أو إنهاء الصراع بشكل نهائي، سواء بالوسائل العسكرية المباشرة، أو الضغط السياسي، أو الحصار الاقتصادي.
فكل استخدام للقوة يولّد ردود فعل مضادة، ويعيد إنتاج النزاع في صورة أكثر تعقيدًا، فيما تشير بعض التحليلات إلى أن هذا الأمر ليس مجرد مؤقت، بل أصبح قاعدة ثابتة في إدارة الصراع الحديث، وفي هذا السياق، تتحول الغاية من "النصر" التقليدي إلى هدف أكثر تواضعًا وواقعية، وهو منع الهزيمة، والحفاظ على القدرة على المناورة في ظل بيئة مليئة بالفاعلين غير الدوليين، والجغرافيا المتشابكة، والديناميات الاجتماعية والسياسية المعقدة. وبدلاً من الحسم النهائي، تصبح إدارة الصراع عملية مستمرة، تتطلب تنسيقًادقيقًا بين القوة العسكرية، المخابرات، الدبلوماسية، والشركات الأمنية الخاصة، لضمان الحد الأدنى من الاستقرار التكتيكي، ومنع أي طرف من استغلال تفوقه الجزئي للسيطرة الكاملة، وهكذا، يُظهر مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة نموذجًا حيًا لما يسميه بادي "توازن العجز": قوة متفوقة بلا حسم، نزاع مستمر بلا نهاية واضحة، وهدف استراتيجي يركز على البقاء، لا الانتصار، وإدارة التوترات، لا إنهاء الصراع.
في هذا الإطار، تتآكل الشرعية بنفس وتيرة عجز القوة، لتتحول إلى أحد أكثر التحديات الجوهرية التي تواجه صناع القرار في النزاعات المعاصرة، فكل ضربة عسكرية، مهما كانت دقيقة وفعّالة، تحتاج إلى تبرير قانوني وسياسي داخلي ودولي، وكل تصعيد عسكري يفتح سلسلة من الأسئلة الأخلاقية والقانونية المتعلقة بسلامة المدنيين، بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبالتوازن بين استخدام القوة والحفاظ على الشرعية.
وعلاوة على ذلك، كل فشل في تحقيق الحسم أو فرض نتائج ملموسة يُضعف الخطاب الذي بُني على أساسه القرار، سواء على المستوى الداخلي أمام الرأي العام والمجالس التشريعية، أو علىالمستوى الدولي أمام الحلفاء والمنظمات متعددة الأطراف، وهذا يعني أن الحرب الحديثة لم تعد مجرد اختبار للقوة المادية أو التفوق العسكري، بل أصبحت اختبارًا دائمًا لقدرة الدولة على إقناع نفسها والعالم بمشروعها، بجدواها، بعدالتها، وشرعيتها الأخلاقية والسياسية.
وتشير الدراسات الاستخباراتية إلى أن هذا التآكل في الشرعية يضاعف التعقيد الاستراتيجي، إذ يخلق بيئة يُعاد فيها إنتاج العنف، وتتنامى التوترات، وتزداد مقاومة الخصوم للاستجابة للضغوط التقليدية، سواء العسكرية أو الاقتصادية. وهكذا، تتحول الحرب في سياق عجز القوة إلى دائرة مغلقة، حيث يصبح الحفاظ على الشرعية أداة أساسية لإدارة النزاع، لا مجرد نتيجة ثانوية، ويصبح النجاح الاستراتيجي مرتبطًا بقدرة الدولة على المزج بين القوة، الاستجابة الأخلاقية، والدبلوماسية الدقيقة في بيئة دولية متعددة الفاعلين ومتغيرة باستمرار.
في النهاية، يتحول قرار الحرب في العالم المعاصر إلى تجربة تحمل أعلى درجات عدم اليقين، حيث لا توجد أي ضمانات للنصر النهائي، ولا معيار ثابت لتحديد العدالة أو الشرعية، ولا قدرة مؤكدة على التحكم في تداعيات النتائج، فالمعطيات الاستخباراتية والتقارير الاستراتيجية، توضح أن أي تصعيد عسكري، حتى من قبل أقوى الجيوش في العالم مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، يواجه شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين وغير الدوليين، من ميليشيات مسلحة وشبكات سيبرانية، إلى تحالفات سياسية غير مستقرة، تجعل من الصعوبة بمكان توقع النتائج أو فرض أي حسم شامل.
وبالموازاة مع هذا العجز العسكري، يتعرض مبرر الحرب أو شرعيتها لتحديات مستمرة: كل استخدام للقوةيحتاج إلى تبرير داخلي أمام الرأي العام والهيئات التشريعية، وخارجي أمام المنظمات الدولية والحلفاء، كما تشير تقييمات مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group))، وأي فشل جزئي في تحقيق أهداف محددة يُضعف الخطاب السياسي ويُقوض الثقة في القرار، ما يؤدي إلى حالة من "العجز المزدوج": عجز القوة عن تحقيق الحسم، وعجز الشرعية عن تقديم تبرير شامل ومقبول.
هكذا، يصبح قرار الحرب في القرن الحادي والعشرين أكثر من مجرد اختيار تكتيكي أو استراتيجي؛ إنهاختبار مستمر لقدرة الدولة على المزج بين القوة العسكرية، والقدرات الاستخباراتية، والدبلوماسية الدقيقة، مع إدارة الانعكاسات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، إنه قرار يُتخذ في بيئة دولية متشابكة، متعددة الفاعلين، ومتغيرة باستمرار، حيث يتحول هدف أي عمل عسكري من تحقيق النصر النهائي إلى إدارة النزاع، ومن فرض إرادة الدولة إلى الحفاظ على التوازن بين منع الهزيمة والحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية، في عالم باتت فيه أي قوة، مهما عظمت، عاجزة عن الحسم الكامل.
ومن هنا، يتجاوز الطرح الذي يقدمه برتران بادي حدود التحليل النظري ليصبح بمثابة دعوة ملحة لإعادة التفكير الجذري في مدخلات السياسة الدولية وآليات صنع القرار الاستراتيجي، فبدلًا من الاقتصار على مقاربة القوة التقليدية والردع العسكري، يدعو بادي إلى تبني سياسات شاملة ترتكز على الأمن الإنساني، والوقاية الفعالة من النزاعات، ومعالجة جذور الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرمزية، بما يعكس تحليلات متعمقة صادرة عن كثير من مراكز أبحاث استراتيجية رائدة.
وتشير البيانات الاستخباراتية الموثوقة من أن النزاعات الحديثة لا يمكن فهمها ولا حلها من خلال القوة العسكرية وحدها، لأنها تتغذى على الإهانات المجتمعية، والاختلالات الاقتصادية، والانكسار الرمزي للكرامة الإنسانية، سواء على مستوى المجتمعات المحلية أو بين الدول، وبالتالي، أي استراتيجيات لا تأخذ هذه الأبعاد بعين الاعتبار ستواجه صعوبة بالغة في تحقيق الاستقرار المستدام، وسيستمر العنف في إعادة إنتاج نفسه عبر دورات مستمرة من التوترات والانتقام والتصعيد.
ويؤكد بادي، من خلال دراسته للصراعات الإقليمية المعقدة مثل مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة، أن مقاربة الأمن الإنساني ومعالجة جذور النزاع ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة استراتيجية، إذ إن عدم التركيز على هذه العوامل يؤدي إلى استنزاف الموارد، وتعميق الفجوات الاجتماعية والسياسية، وتفشي شعور بالإقصاء والإذلال بين الفاعلين المحليين وغير الدوليين، مما يجعل أي حسم عسكري أو سياسي محدودًا وغير مستدام.
وهكذا، يتحول مقترح بادي إلى خارطة طريق لإعادة تعريف السياسة الدولية: من عالم يُحكم بالقوة والتفوق العسكري إلى عالم تُدار فيه النزاعات عبر فهم دقيق للتفاعلات الإنسانية والاجتماعية، ومحاولة استباق الصراعات عبر استراتيجيات شاملة توازن بين القوة، الشرعية، والأمن الإنساني.
في النهاية، تتضح الحقيقة بشكل صارخ: لم تعد الحرب مجرد اختبار لقدرة الدولة على فرض إرادتها أو استخدام تفوقها العسكري، بل أصبحت اختبارًا دقيقًا لقدرة الدولة على فهم عالم تغيّرت فيه قواعد اللعبة بشكل جذري، عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية لتحقيق الحسم، ولا الشرعية قابلة للتفسير أو التثبيت بشكل مطلق، بل كلاهما يواجه تحديات مستمرة تستلزم إعادة تعريف مستمرة على أساس التحليلات العلمية والاستخباراتية الموثوقة.
والتاريخ والجغرافيا يقدمان لنا دروسًا قاسية: من حرب العراق وأفغانستان إلى الصراعات الممتدة في الشرق الأوسط، ونجد أن التفوق العسكري، مهما كان هائلًا، لا يترجم بالضرورة إلى استقرار أو انتصار استراتيجي، فالجغرافيا هنا ليست مجرد مساحة، بل هي شبكة من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث يمتد النفوذ والتهديدات عبر الحدود، ويصبح كل تصعيد معقدًا، وكل ضربة عسكرية تحمل انعكاسات بعيدة المدى، كما أظهرت دراسة حالة مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة.
ومن زاوية فلسفية، تتقاطع هذه الوقائع مع أفكار هوبز ولوك ووالزر، وتعيد إلى الواجهة التساؤل حول طبيعة السلطة والشرعية والعدالة في زمن باتت فيه المفاهيم التقليدية عاجزة عن الوصف الدقيق، إن ما يطرحه برتران بادي عن "عجز القوة" ليس مجرد تفسير للواقع المعاصر، بل دعوة لتغيير منظورنا بشكل جذري: القوة بدون فهم للأبعاد الإنسانية والاجتماعية والسياسية تصبح عرجاء، والشرعية دون قدرة على التكيف معالواقع تصبح عرضة للتفكك، وأي استراتيجية تقصر عن استيعاب هذه المعطيات محكوم عليها بالفشل.
فالعبرة، إذًا، واضحة: السياسة الدولية اليوم تتطلب وعيًا موسعًا وعميقًا، ليس فقط بما تمتلكه الدولة من قوة، بل بكيفية استخدامها ضمن سياقات مركبة، وكيفية إدراك العوامل غير المرئية التي تشكل النزاعات المعاصرة - من الديناميات الاجتماعية إلى النفوذ الرمزي، ومن التحالفات المتغيرة إلى الفاعلين غير الرسميين، وفي عالم كهذا، تظل نصيحة التاريخ والجغرافيا والفلسفة ضرورية: لا يمكن السيطرة على العالم بالقوة وحدها، ولا يمكن تحقيق الاستقرار بلا فهم شامل للعلاقات الإنسانية والسياسية المتشابكة، لأن أي محاولة للتعامل مع الحروب بأفكار قديمة في عالم جديد ستكون دائمًا عرضة للفشل وإعادة إنتاج العنف من جديد.
-------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






