منذ بداية الحرب الصهبوأمريكية على إيران لا يشغل فكرى سوى سؤال واحد : هل الهدف من الحرب "إيران" والقضاء على النظام الإيراني وتدمير برنامجها النووى ومقدراتها الاقتصادية والاستيلاء على نفطها أم أن الهدف الأول والأهم هو دول الخليج العربي؟!
منذ اليوم الأول للحرب وترامب يدرك جيدا أن ضرب إيران سيقابله ضربات إيرانية للقواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج وهو ما تم بالفعل، وأن ضربه لمنشآت الطاقة سيعرض منشآت الطاقة فى دول لخليج لضربات قوية و مباشرة،
وأن استهداف محطات المياه سيعرض محطات المياه في دول الخليج للخطر، لأن إيران تدرك جيدا أنه لولا القواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج ما استطاعت أمريكا الوصول إلى قلب طهران واستهداف رأس النظام وعدد من قادة البلد فى اليوم الأول للحرب.
قطر الدولة الخليجية الوحيدة التى استطاعت تفكيك هذه المعادلة والبعد عن مكامن الخطر فطلبت من الولايات المتحدة عدم استخدام أراضيها فى ضرب إيران
لذلك سنجد الخطاب الاعلامى القطرى بعد أن كان يأخذ صف الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأ يميل إلى الاعتدال ويتناول الحرب من جميع وجهات النظر، وكأن هناك صفقة سرية تم عقدها بين قطر وإيران
قطر الوحيدة التى أثبتت أنها أذكى أخواتها، وأنها مازالت تحتفظ لإيران بالجميل الذى قدمته لها عندما كانت دول الخليج فى خصومة معها وتم ضرب حصار حولها لأربع سنوات منذ 2017 ، كانت إيران الجارة الوحيدة التى استمرت على تواصلها مع قطر وتمدها بما تحتاج من غذاء ومياه ودواء طوال فترة الأزمة الدبلوماسية، حتى تمت مصالحة العلا وعادت المياه لمجاريها بين قطر ودول الخليج فى يناير 2021 .. ولو انتبهنا قليلا لتاريخ المصالحة سنجده بعد ثلاثة شهور من عقد اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية فى سبتمبر 2020 بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى برعاية الولايات المتحدة، وذلك لإدراك جميع الأطراف المنخرطة فى عملية التطبيع خطورة وأهمية الإعلام القطرى فى تحريك الشارع العربى ضدها بسبب هذه الاتفاقيات المشبوهة، لذلك جاءت أوامر ترامب بعقد المصالحة قبيل رحيله من البيت الأبيض فى ولايته الأولى، حتى لا يترك شيئا وراءه يفسد طبخة التطبيع.
*لحظة الخليج*
منذ بدأت الحرب على إيران لم تتوقف الأقلام الخليجية عن محاولات توريط مصر فى الحرب ، وربما كان أهم هذه الأقلام الأكاديمي الإماراتى الشهير عبدالخالق عبد الله الذى لم يتوقف عن الحديث عن مصر وضرورة انخراطها فى الحرب دفاعا عن دول الخليج، وآخر ما كتبه تغريدة على تويتر أمس يطالب فيها مصر بإرسال سرب طائرات F16 أو رافال للتضامن مع دول الخليج العربي التي تتعرض لعدوان إيراني، مؤكدا أن بلاده تستطيع الدفاع عن نفسها لكن مثل هذا الموقف التضامني كان مطلوبا ليجسد مقولة "مسافة السكة"
استدعت هذه التويتة إلى ذاكرتى الكتاب الذى صدر لهذا الأكاديمى عام 2017 بعنوان "لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر: كيف أصبحت ست دول خليجية مركز الثقل العربي الجديد" وهو كتاب صدر بالانجليزية أولا ثم بالعربية، ويطرح فيه أطروحة مفادها أن مركز الثقل والقرار في العالم العربي قد انتقل من الحواضر التقليدية (مثل القاهرة وبغداد ودمشق) إلى منطقة الخليج العربي، وأن المنطقة تعيش "لحظة" استثنائية، حيث أصبحت دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، عمان) هي المحرك الرئيس للسياسة والاقتصاد والثقافة في الوطن العربي، وأن علاقة الخليج بمحيطه العربي كانت قديماً علاقة "تأثر"، لكنها تحولت الآن إلى علاقة "تأثير" وصنع قرار.
فأين ذهبت لحظة الخليج فى خضم هذه الحرب، ولماذا لم تستخدم دول الخليج نفوذها السياسي والدبلوماسى فى نزع فتيل الحرب التى كبدتها وما زالت تكبدها خسائر فادحة تفضح أكذوبة القواعد الأمريكية وقدرتها على حماية هذه الدول.
*تساؤلات مشروعة*
يشير دكتور عبد الخالق فى كتابه إلى أسباب انتقال مراكز الثقل والقرار إلى الخليج، والسبب الاول هو تراجع المراكز التقليدية نتيجة ما أصاب دولها العربية الكبرى من أزمات وحروب واضطرابات أدت إلى فراغ في القيادة العربية.، وفى المقابل نجاح النموذج التنموي الخليجي وقدرته على تحقيق استقرار سياسي وازدهار اقتصادي مستدام. فلماذا لم تطالب دول الخليج بإيقاف الحرب منذ اللحظة الأولى التى تضررت فيها مواردها الاقتصادية ، ولماذا توافق أن تكون عرضة لانتقام شمشون الذى قرر أن بهدم المعبد على الجميع، وهو نهج إيران الذى تتبعه منذ بداية الحرب لردع ترامب وإيقاف حربه غير المبررة ضدها.
والسؤال الآن هل كان هدف ترامب وإدارته المجنونة من هذه الحرب القضاء على "لحظة الخليج" ومساره التنموي مثلما قضت الإدارات الأمريكية السابقة على مراكز الثقل العربى بداية من غزو العراق، ومرورا بنشر الثورات العربية التى أدت لنشر الفوضى والاضطرابات وسقوط العديد من الأنظمة العربية، وانتهاء بحرب غزة تمهيدا لتهجير أهلها وتحويلها إلى ريڤيرا صهيو أمريكية وهو المخطط الذى وقفت له مصر بالمرصاد،
وهل هدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذى أعلنه نتنياهو كان يتضمن إعادة تشكيل وتطويع دول الخليج العربي لتدخل بعد انتهاء الحرب فى حظيرة التطبيع دون شروط.
وهل تفضى جهود الوساطة الحثيثة التى تشارك فيها مصر وباكستان إلى هدنة طويلة يعقبها اتفاق، أم يقضى ترامب بقوته الغاشمة على إيران، ويقضى معها على لحظة الخليج الآنية والمستقبلية.
--------------------------------
بقلم: سحر عبدالرحيم






