نسّقت القوات المسلحة الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عمليةً جريئةً أنقذت بسلام أحد أفراد طاقم طائرة مقاتلة فُقد بعد إسقاطها فوق إيران، لتنهي بذلك لحظة درامية وخطِرة سياسيًا في الحرب.
وقال دونالد ترمب في منشور يوم الأحد عند الساعة 12:08 صباحًا على منصة تروث سوشال: "لقد عثرنا عليه!"، واصفًا العملية بأنها من أكثر عمليات البحث والإنقاذ "جرأة" في تاريخ الولايات المتحدة، وعاد جميع المشاركين في عملية الإنقاذ سالمين، وأوضح ترامب في منشور لاحق، أن العسكري هو عقيد وقد أُصيب "بجروح خطيرة".
ومنحت العملية التي استمرت عدة أيام ترامب والولايات المتحدة إنجازًا للاحتفاء به بعد أكثر من خمسة أسابيع من الحرب مع إيران، وتجنّبت ما كان يمكن أن يتحول إلى كارثة عسكرية وسياسية.
وحققت القوات الأمريكية نجاحات تكتيكية متراكمة في الصراع، دون وضوح بشأن كيفية إنهاء الرئيس، الذي خاض حملته على أساس عدم بدء حروب جديدة، لانخراط البلاد في نزاع أودى بحياة 13 جنديًا أمريكيًا، وأصاب المئات، وأربك الأسواق العالمية.
وكان العسكري. وهو ضابط أنظمة تسليح في طائرة مقاتلة ثنائية المقعد، مختبئًا في شق جبلي ومفقودًا لنحو يومين، بينما كانت القوات الإيرانية وعناصر الميليشيات تقترب منه، ما أشعل عملية إنقاذ معقّدة للوصول إليه أولًا، بحسب مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية لصحيفة واشنطن بوست.
واضطر فريق الإنقاذ للتحرك بسرعة للوصول إلى العسكري المصاب، في وقت بثّ فيه التلفزيون الإيراني مكافأة للقبض عليه.
وأظهرت مقاطع فيديو إيرانيين يمشطون التضاريس الجبلية للعثور عليه، فيما تعرّضت المروحيات الأمريكية المرسلة للبحث عنه لإطلاق نار من الأرض.
ولتشتيت عملية البحث، أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية حملة تضليل لنشر معلومات داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية عثرت عليه بالفعل وتنقله برًا لإخراجه، بحسب المسؤول الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته.
وقد أربكت هذه الحملة الباحثين، في نفس الوقت الذي حدّدت الوكالة فيه موقع العسكري وشاركت البيانات مع الجيش والبيت الأبيض، فأصدر ترامب أمر تنفيذ عملية الاستخراج، وقال المسؤول: "كانت هذه بحق مهمة البحث عن إبرة في كومة قش".
وفي منشور صباح الأحد، قال ترامب إن الضابط أُنقذ من "أعماق جبال إيران"، في وقت كان فيه الجيش الإيراني "يبحث بكثافة وبأعداد كبيرة ويقترب".
وبثّت وسائل إعلام إيرانية لقطات لما بدا أنه حطام محترق لطائرة عسكرية أمريكية على مدرج بدائي استُخدم في العملية.
وأظهرت مقاطع فيديو ما يبدو أنه بقايا طائرة واحدة على الأقل ومروحية من طراز MH-6، ما يعزّز احتمال أن القوات الأمريكية دمّرت الطائرات المشاركة بدل تركها تقع في أيدي إيران.
واحتفى ترامب بعملية الإنقاذ على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما التزم مسؤولون أمريكيون كبار آخرون الصمت حيال تفاصيل العملية.
ولم يرد فريق وزير الدفاع بيت هكسيث على الأسئلة مساء السبت أو صباح الأحد، واكتفى بإعادة نشر رسائل البيت الأبيض عبر حساباته، وجاء في إحدى الرسائل، بحروف كبيرة: "بارك الله في قواتنا، وبارك الله في الولايات المتحدة الأمريكية".
وانطلقت عملية البحث والإنقاذ المكثفة يوم الجمعة بعد تحطم طائرة من طراز F-15E تابعة لسلاح الجو وقفز طاقمها بالمظلات، وعُثر سريعًا على الطيار وأُنقذ حيًا، ما أطلق عملية واسعة للعثور على ضابط التسليح شاركت فيها عشرات الطائرات، إلى جانب قوات العمليات الخاصة وأفراد مدربين على العمل في البيئات الخطرة لإنقاذ زملائهم.
واتسمت المهمة بمخاطر عالية، إذ حلّقت طائرات C-130 ومروحيات الإنقاذ على ارتفاع منخفض وبسرعات بطيئة فوق التضاريس الجبلية الإيرانية للعثور على العسكري المفقود.
وخلال استمرار البحث، وبثّ التلفزيون الإيراني إعلانًا عن مكافأة للعثور على أفراد الطاقم، دعا بث آخر السكان إلى "استهداف" أي أمريكيين يعثرون عليهم.
كما ذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية IRIB على وسائل التواصل الاجتماعي أن "عددًا كبيرًا من الناس" توجّهوا إلى موقع التحطم، وأن الجيش الإيراني "دعا الناس إلى عدم السماح لأي شخص بإساءة معاملة الطيار".
وأفاد مسؤول إسرائيلي وشخص مطّلع على العملية لصحيفة واشنطن بوست، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لمناقشة عمليات حساسة، أن إسرائيل قدّمت دعمًا استخباراتيًا في عملية إنقاذ أحد أفراد طاقم طائرة مقاتلة من طراز F-15E أُسقطت في إيران.
وفي الوقت نفسه تقريبًا الذي أُسقطت فيه الطائرة المقاتلة يوم الجمعة، تعرّضت طائرة هجومية من طراز A-10 Thunderbolt II لنيران قادمة من إيران، وقبل أن يقفز بالمظلة، تمكّن الطيار من إيصال الطائرة إلى المجال الجوي الكويتي، وقد أُنقذ هو الآخر يوم الجمعة.
وعلاوة على ذلك، تعرّضت مروحيتان من مروحيات الإنقاذ، كانتا تبحثان عن فرد طاقم الطائرة المفقود، لنيران أرضية إيرانية خلال العملية.
وأُصيب بعض العسكريين الذين كانوا على متنهما، لكن الجميع عادوا بسلام إلى القاعدة، وفق ما ذكره مسؤولون أمريكيون للصحيفة في وقت سابق، مشيرين إلى أنهم تحدّثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم لعدم حصولهم على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.
ومثّل هذا الحادث أول حالة معروفة لإسقاط طائرة أمريكية مأهولة داخل أراضٍ معادية منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية في إيران قبل خمسة أسابيع.
وتُعدّ عمليات البحث والإنقاذ القتالية من أخطر المهام التي تنفّذها القوات المسلحة الأمريكية، إذ تبقى أطقم الطيران وفرق الاستعادة في حالة تأهّب دائم لمثل هذه العمليات، التي تتطلّب الاندفاع بسرعة إلى بيئات متغيّرة وفوضوية للغاية.






