بعد أن فقدت أمي تغيّر كل شيء بداخلي أصبحت أرى الدنيا بعين أخرى، وأقيس المواقف بميزان مختلف، حين أرى شابا يتطاول على أمه ويسبها أشعر أن الدم يغلي في عروقي وأتساءل: كيف تجرؤ؟ كيف تسب من كانت سبب وجودك؟
بل أحيانا تصل بي الفكرة لحد الغضب الشديد كأنني أريد أن أوقظه من غفلته بأي طريقة وأقول له: سيأتي يوم ستتمنى فيه أن تعود لحظة واحدة لتقبل التراب الذي كانت تمشي عليه.
لكن وسط هذا الألم شاء الله أن أرَى وجها آخر للحياة وجها يعيد لك الإيمان بالخير.
قصة إنسانية تهز القلب قبل العقل فتاة في الثلاثين من عمرها أم لأطفال لها حياة وأسرة ومسؤوليات فجأة تجد نفسها أمام اختبار قاس: أمها مريضة وتحتاج إلى زرع كُلى
قرار ليس سهلا بل قرار قد يكلفها حياتها
ورغم كل شيء لم تتردد
رغم رفض زوجها ورغم المخاطر ورغم أن نسبة النجاح لم تكن مضمونة اختارت أمها ببساطة لأنها أمها.
تبرعت بكليتها وكأنها تقول: حياتي ليست أغلى منك.
المفاجأة؟
الأم تعافت بفضل الله
لكن الابنة دخلت في غيبوبة لشهر كامل بين الحياة والموت داخل غرفة العناية المركزة.
وفي عالم الغيبوبة كانت تحارب بطريقتها.
ترى نفسها غارقة في بحر تصارع للبقاء لا صوت ولا حركة حتى جاءها صوت أمها تناديها كانت تسمعها تشعر بها لكنها عاجزة عن الرد.
فمدّت يدها فقط لتطمئنها أنها موجودة.
حتى في الغيبوبة لم يتوقف برّها.
ثم يأتي مشهد آخر والدها المتوفى يظهر لها في الحلم يقول لها: “ردي على ماما”.
وكأنها رسالة وكأن البر لا يتوقف عند الحياة بل يمتد لما بعدها.
استجابت
استيقظت
هذه ليست قصة عابرة هذا هو البر الحقيقي.
هذا هو المعنى الذي نفتقده في زمن أصبح فيه العقوق مشهدا يوميًا.
الأم نعمة والأب نعمة
ومن يفقد فقط هو من يعرف قيمة ما كان بين يديه.
لا تنتظروا الندم.
قبّلوا أيديهم ورؤوسهم وحتى أقدامهم إن لزم الأمر.
قولوا لهم كلمة طيبة الآن وليس غدًا.
وادعوا لتلك الابنة التي أعطت من جسدها لتحيي قلبا والتي أثبتت أن البر ليس كلاما بل أفعال تُكتب عند الله قبل أن تُروى للناس.
والحمد لله بعد كل ما حدث كليتها الوحيدة تعمل الآن بكفاءة، وكأن الله يجازيها على ما فعلت بأن يمنحها الحياة مرتين.
-----------------------------------
بقلم: أحمد صلاح سلمان






