05 - 04 - 2026

ابن عاصم الفقيه - المؤرخ بين التفسير الديني والنفسي

ابن عاصم الفقيه - المؤرخ بين التفسير الديني والنفسي

ابن عاصم موضوع مقالي هذا، هو الفقيه القاضي الوزير الكاتب المفتي الأديب الشاعر، فيما يشير إلى مجموعة من المعارف الثقافية والدينية، وهو أبو يحيى بن عاصم المتوفى عام ٨٥٧ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم /الموافق عام ١٤٥٣ من الميلاد، وقد عاش الرجل في الأندلس، في أواخر عصر سيادة المسلمين بها، وهو عصر سيادة غرناطة، في ظل فترة حكم سلطانه أبي عبدالله محمد الملقب بالأيسر، والذي كان أميرا صارما سيء الخلال، متعاليا على أهل دولته، وهي جميعها صفات تعبر عن نمط من الحكام لا يستقيم معه بقاء الدولة.

وما يعنيني هنا أن ابن عاصم الذي كان قاضيا للجماعة في غرناطة، وصاحب ثقافة موسوعية في الفقه والقضاء والأدب وكتابة الرسائل وغير ذلك كثير مما أفاضت فيه الكتابات التاريخية؛ لم يعرف عنه وصفه بالمؤرخ على نحو ماكان عند ابن حيان وابن حزم وابن الخطيب وغيرهم من أعلام مؤرخي الأندلس، إلا أن كتابه. جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى، يعطيه هذه الصفة عن جدارة واستحقاق، فضلا عن أن الكتاب يجسد نموذجا لأدب المحن والابتلاءات التي شهدتها الأندلس في عصرها الاخير.

وكتاب جنة الرضا المذكور هنا يعبر عن حالة من التفسير الديني لدى مؤلفه، وعن نزعة استسلامية لقضاء الله تعالى وقدره... وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أرض بما قسمه الله لك تكن أعبد الناس.

والحق أن ابن عاصم لم تصبه هذه النزعة - وهي ليست عيبا - إلا بعد أن أخذ بالاسباب، بح صوته من أجل السعي إلى وحدة البلاد ونبذ الفرقة والانقسام، والنزاع على السلطة والرغبة في الوصول إلى الحكم، والتنديد والشجب بما يفعله حكام البلاد في اللجوء إلى ممالك إسبانيا النصرانية طلبا للعون والمساعدة في الوصول إلى سدة الحكم على حساب بعضهم البعض، وقد يكون في هذا مايعني أن العلة في الأندلس جاءت من الحكام، بما أدى إلى شيوع الفوضى في البلاد، وهي التي لايستقيم معها بقاء الدولة.

ورغم أن ابن عاصم دعا الله - سبحانه وتعالى - أن يلهمه الرضا بما قدر وقضى، وكأنه كان يقرأ حجب المستقبل، إلا أنه - وهو صاحب القلم والفكر، ومن بيت فقه وعلم ودين - أخذ يذكر بني وطنه بأهمية وحدة البلاد والعباد، مستشهدا في ذلك بقول الحق سبحانه وتعالى.... واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. الآية... وكان يرى أن الأمة يجب أن تتحمل مسؤوليتها أمام الله، وأمام التاريخ، وأن مايحل بالأمم من ذنوب ماهو إلا نتيجة لما كسبت يداهم، مستشهدا بقول الحق سبحانه وتعالى.. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب... الآية

والحق أن ابن عاصم قد آيس من العباد، حكاما ومحكومين، فكان من الطبيعي أن يلجأ إلى رب العباد، مبديا زفرة من الأسى والحسرة والألم على ما وصل اليه الحال، مبديا شعوره بالتشاؤم من كثرة الشر وازدياده، واضمحلال الخير وانتقاصه، مستشهدا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذي يلونهم.) وهي رؤية مردها إلى تعدد سلبيات عصره. ويأسه من أوضاع البشر حكاما ومحكومين..

وفضلا عن ذلك فقد عانى الرجل من الاعتقال والنفي خارج البلاد، ومن قبله تعرض والده (أبوبكر بن عاصم) للاعتقال، وآثر ابن عاصم الإبن الاختفاء في دار أحد أصحابه المقربين في أعقاب نكبة أبيه، وأصابته شرقه في مجرى تنفسه كادت أن تعجل بوفاته لولا أن لجا إلى قوله سبحانه وتعالى (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وكانت خشيته على صديقه أكثر من خشيته على نفسه، حتى لا ينكشف أمره، ويتم اعتقاله هو الآخر، وهو مايفعله الاستبداد بالنفس الإنسانية، ويجسد حالة من التفسير النفسي، ومعاناة النفس الإنسانية من الاستبداد والاغتراب النفسي.

والاغتراب هو البعد عن الاهل والوطن، وقد عانى منه ابن عاصم معاناة شديدة، وقام هو نفسه بالتعريف بالاغتراب ضمن كتابه (جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى) تعريفا وافيا يشهد بثقافته النفسية والدينية، ويضيف إلى كتابه بعدا جديدا في التفسير الديني والنفسي للحدث التاريخي، وما يتركه من آثار سوء على الشخصية اوضحها ابن عاصم في تجسيده لمشهد وداع أولاده الصغار وذريته، وكان من أثر ذلك عليه أن رحل عن وطنه (طائشا لبه، منتزعا من بين جنبيه قلبه..) على حد قوله.

وفي ذلك مايعني أن الاعتقال والنفي والاستبداد من الأمور التي تؤدي إلى اغتراب النفس الإنسانية، حتى وهي ضمن حدود وطنها، فغربة النفس أقسى من غربة البدن احيانا.... فمابالكم إذا اجتمع الاثنان على المرء في وطنه؟!!!!

وإلى هنا أكون قد انتهيت من مقالي هذا في بيان التفسير الديني والنفسي عند ابن عاصم وكتابه..... داعيا إلى الاستفادة من أخطاء الماضي، وإدراك أهمية أحداث التاريخ، وأن أحداث اليوم لا تتم إلا من خلال معطيات الأمس، وما أشبه الليلة البارحة.. اللهم احفظ علينا الوطن والدين واسلك بنا سبيل المهتدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، واحفظ بلادنا وكافة بلاد المسلمين.
---------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمى، وعضو اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة

مقالات اخرى للكاتب

ابن عاصم الفقيه - المؤرخ بين التفسير الديني والنفسي