يُقال (والنكتة على الراوي) أن الرئيس الأسبق حسني مبارك (رحمة الله عليه) تلقى استدعاء عاجلا من الرئيس الأمريكي، بوش الإبن، في أعقاب غزو وتدمير العراق، وصعود موجة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
داخل المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض،وَبًخً بوش مبارك، بسبب ما رأة الأول في الثاني، ديكتانورا لا يشق له غبار، يخاف منه الشعب، وأمره سيد البيت الأبيض بالإسراع في معالجة الموضوع لتغيير الصورة الوحشة دي، ويثبت للمصريين أنه ديمقراطي، يستجيب لطلباتهم ويحترم رغباتهم تحسبا لأية قلاقل في مصر "والمشرحة مش ناقصة قتلي".. ياللا" باي باي: مستر مبارك.
داخل قاعة الاجتماعات بالقصر الجمهوري، استدعى الرئيس مبارك وزراءه، وعرض عليهم ما قاله الرئيس الأمريكي.
زكريا عزمي: أقترح ياريس إنك تصدر قرار يزِعل الناس، ويخرجوا في الشوارع "مقموصين" ثم تتراجع عنه بعد شوية صغيرة نزولا على رغبة الشعب.
مبارك: حلو ده، بس إيه القرار اللي يزعل الناس؟
صفوت الشريف: أقترح إن وزير الداخلية يقفشله يجي 3 أو 4 ملايين واحد من كل محافظات مصر، وبعد شوية تفرج عنهم يا ريس، وبكده تثبت إنك ديمقراطي وبتاع حقوق إنسان.
حبيب العادلي: لأ ما ينفعش السجون عندنا لها طاقة ما تستوعبش إلا كام ميت ألف، وانا كنت قدمت مذكرة ليك ياريس عشان نبني سجون جديدة.
مبارك: لأ يا عادلي أنا مش هاستنى كام سنة لغاية ما تبني سجون.. أنا عاوز حاجة أمسكها بإيدي ومافيهاش وجع دماغ كتير.
كمال الشاذلي: خلاص لقيتها ياريس.. رئيس الحكومة يطلًع قرار بأن كل مواطن طالع كوبري أكتوبر بعربيته، يدفع خمسة جنيه، الناس هاتحتج وتتظاهر وتهتف بسقوط الحكومة، هُوبا تقوم سيادتك تشيل الحكومة، وتلغي القرار، الناس تفرح وتزأطط، والأغاني بتاعتنا تشتغل، واحنا نشتغل ياريس.
فتحي سرور هامسا: اشتغل يا خويا اشتغل!!.
صباح يوم العمل بالقرار، اتصل مبارك بوزير الداخلية مستفسرا عن ردة فعل الناس.
العادلي: أبدا ياريس، لغاية دلوقتي مفيش أي حاجة والناس بتدفع الخمسة جنيه وهيه ساكتة.
مبارك: يا نهار أسود ومهبب على الشعب ده.. وبعدين هانعمل إيه؟
حبيب العادلي: ولا يهمك يا ريس.. نخلي العربيات تدفع خمسة جنيه تاني وهيه نازلة من الكوبري.. أظن بقه ماعندهمش حِجة عشان ما يزعلوش ويتظاهروش في الشوارع.
مبارك: تفتكر؟.
الوزير: دي شغلتي ياريس وحافظها وعارف إزاي أسوق الشعب ده.
مبارك: طيب لما نشوف!.
في اليوم التالي، اتصل زكريا عزمي باللواء العادلي مستفسرا عن الوضع، بعد الخمسة جنيه التانية بتاعة نزول الكوبري، محذرا بصوت هادئ: "الريس كل شوية يسألني ياسيادة الوزير".
العادلي: تصدق يا زكريا بيه، البهايم دفعوا، ومفيش حتى واحد، يوحد ربنا، كَشًرَ في وش أمين شرطة.. وحياتك بلغ الريس إن الرسوم هنرفعها لعشرة جنيه لكل طلعة وكل نازلة، من الكوبري، وبإذن الله ها يزعلوا ويمكن يتظاهروا كمان.
تاني يوم، نفس الاتصال ونفس السؤال، والنتيجة مافيش حاجة حصلت، الناس بتدفع في الطلعة والنازلة.
زكريا عزمي: الحق ياريس مفيش مظاهرات، واضح أن أفكار حبيب كلها بلح.
مبارك آمرا: هاتلي الناصح اللي اسمه العادلي ده على التليفون.
العادلي: أوامرك ياسيادة الريس.
مبارك: صحيح انك أنبه أخواتك، الموضوع طلع بلح يا حبيب، والشعب ده ما يجيش إلا بالضرب، مش بالفلوس بس..أسمع، عند مطلع ومنزل الكوبري، حط 2 من بتوع الأمن المركزي، يضربوا اللي نازل من الكوبري بالقفا، بعد طبعا ما يدفع الفلوس..
تاني يوم على طول، نفس الاتصال ونفس السؤال، والنتيجة مافيش حاجة حصلت، الناس بتدفع في الطلعة والنازلة، وكل سواق في العربية بياخد بالقفا، وهو ساكت.
على الفور استدعى مبارك سكرتيره الخاص، اللواء رافت الحجيري، وقال له"هاتلي الشاذلي على التليفون بسرعة".
مبارك: اعملي مؤتمر شعبي يحضره العمال والفلاحين والموظفين، بس بسرعة ياكمال.. ناول الريس الموبايل للواء الحجيري، وهو يُحَدِث نفسه:
"أما اشوف حكاية البهايم دول كمان إيه.. يا انا يانتم يا غجر".
داخل سرادق المؤتمر، واحد قاعد في الآخر، كح بصوت عال، فانتهزها مبارك فرصة، وتلكك لصاحب الكحة، مشاورا إليه وبصوت يجلجل في الميكروفون: "أيوة، أيوة، الأخ اللي هناك بيقول إيه، أنا سامعك كويس بتشتكي من إيه، قولى ومتخافش مشكلتك إيه".. الراجل عينيه غشلقت ولف حوالين نفسه بخوف ليكون عمل مصيبة.
مبارك: أيوة انت ياض يابو كرافتة ياللي هناك قوم أقف،،بتقولي كوبري أكتوبر، ماله؟
أبو كرافتة: أنا أنا أننننا!!!
مبارك: أيوة أنت، سمعتك بتقول عشرة جنيه كتير، وكمان قفا.
أبو كرافتة: أبدا والله ياريس، بالعكس دي زيادة كويسة خالص، بس فيه مشكلة صغيرة جدا ياريت سيادتك تحلها.
مبارك: طبعا طبعا قول على طول.
أبو كرافتة: ياريت سيادتك تكتروا عدد اللي بيضربونا بالقفا، عشان عددهم قليل وبنقف طوابير انتظار طويلة بالساعة والساعتين.
******
هناك من النكات التي يطلقها المصريون، ما يرتكز منها، على ظواهر طبيعية سياسية، دينية، بفعل التكرار، لكن أكثرها تمددا وتواصلا مع حياتهم عبر 7 آلاف سنة، هي تلك النكات التي ترتكز على ظواهر اجتماعية، تعيد إنتاج نفسها، بالتوافق مع زمنها، وانتقلت بيسر من جيل إلى جيل، ومن حقبة تاريخية إلى أخرى.. علاقة المصريين، على سبيل المثال، بالسلطة عموما، أي سلطة منذ أن عرف المصريون الدولة، وإلى الآن، علاقة طاعة مطلقة، إما بقوة الاعتقاد الديني، أو بسطوة السيف والسوط.
داخل هذا السياق العام، انتشرت في الآونة الأخيرة شائعة تحصيل عشرة جنيهات من أي متلقى لمحادثة عبر هاتف الموبايل، وبسهولة ويسر يصدق البعض الشائعة لعدة اعتبارات:
السمع والطاعة، الناتجين عن المسار التاريخي لعلاقة الشعب بالسلطة/ تجريم الحصول على معلومة من غير موافقة السلطة/ عقل جمعي يتشكل من ثقافة متوارثة، قد تكون بدايتها من"امشي جنب الحيطة"ولا تنتهي عند" إن كان لك حاجة عند الكلب قوله يا سيدي".
قد تكون هناك اعتبارات أخرى، وأكثر، لكنها لن تضيف كثيرا إلى ثقافة "اللي يجتوّز أمي أقول له يا عمي" المنتشرة بطول وعرض البلاد.
شائعة تكبيد المواطن، عشرة جنيهات عن كل مكالمة يتلقاها، وثيقة الصلة، بنكتة الرئيس مبارك وكوبري أكتوبر.. في الحالتين، اعتياد على قسوة السلطة، والتعايش مع بطشها أحيانا كثيرة، إلى درجة التهليل والتصفيق لها، فيما يضر وما لا ينفع.
الناتج العام، يجسده الأهمال وعدم المبالاة بغضب الناس من قبل الحكومة، حيث لا تجد الأخيرة من يجبرها على مراجعة قرارتها المتعلقة بتسعير الخدمات العامة كالصحة والتعليم والأعباء المتزايدة على المواطن، فضلا عن أن الرقابة بشكل عام (حسب الكيف) وليس لقواعد القانون والشفافية وصيانة المال العام.
تراجع موقع المواطن المصري في قائمة الأولويات الحكومية، أخرَج الفساد الاجتماعي والاقتصادي والإعلامي من قمقم الإهمال وغياب الرقابة، وهو ما تجسده النكتة التالية:
إنتقل إلى جوار ربه رئيس وزراء سابق، فاستقبله ملاك جهنم: "طبعا انت عارف ان أعمال حكومتك تسببت في إيذاء الناس، وجهنم مصيرك، وليس لك أي اختيار سوى المفاضلة بين النظام الأمريكي، والنظام المصري".
رئيس الوزراء: وإيه الفرق بين الاتنين؟
ملاك جهنم: الأمريكي عذاب 12 ساعة, وراحة 12، والمصري عذاب 6 ساعات وراحة زيهم.
رئيس الوزراء: لا ياعم النظام الأمريكي أحسن، وعلى رأي المثل، ضربة بمرزبة ولا 100 شاكوش.
بعد عذاب الـ12 ساعة، طبقا للنظام الأمريكي، ذهب دولة الرئيس إلى الراحة.. نام شوية، واستحمى وبص في الساعة، فوجد أن ما تبقى له من ساعات الراحة، يكفي لزيارة النظام المصري في العذاب.. دخل صاحب المعالي عبر بوابة عملاقة يطليها الصدأ، وبصعوبة بالغة تمكن من دفع الباب ودخل إلى المصريين.. هوبا،يادوب كام خطوة، وصاحبنا يسمع أصوات قهقهة وكركعة، وشيش بيش، وصوت ينادي"وعندك واحد مية نار، واتنين سم مغلي على الباب.. اندهش الرئيس، واستعجب وسأل القهوجي عن العذاب والفوضى العارمة في المكان.
القهوجي: أصل الجلاد بتاعنا بييجي الصبح يمضي ويروح، والفرن عطلان بقاله سنة ونص.
---------------------------------
بقلم: أحمد عادل هاشم






