03 - 04 - 2026

مقال جواد ظريف: اتفاق قد تقبله طهران.. كيف يمكن لايران إنهاء هذه الحرب؟!

مقال جواد ظريف: اتفاق قد تقبله طهران.. كيف يمكن لايران إنهاء هذه الحرب؟!

لم تبدأ إيران حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن بعد أكثر من شهر على اندلاعها، يبدو بوضوح أن الجمهورية الإسلامية هي التي تتفوق فيها، فقد أمضت القوات الأمريكية والإسرائيلية أسابيع في قصف الأراضي الإيرانية بلا انقطاع، ما أسفر عن مقتل آلاف الأشخاص وإلحاق أضرار بمئات المباني، وكل ذلك على أمل إسقاط حكومة البلاد، لكن إيران صمدت ونجحت في الدفاع عن مصالحها، فقد حافظت على استمرارية القيادة رغم اغتيال كبار مسؤوليها، وردّت مرارًا على مهاجميها حتى وهم يستهدفون منشآتها العسكرية والمدنية والصناعية، وهكذا يجد الأمريكيون والإسرائيليون أنفسهم عالقين في مستنقع بلا استراتيجية خروج، بعد ان بدأوا الصراع وهم يتوهمون فرض الاستسلام، أما الإيرانيون، فقد حققوا إنجازًا تاريخيًا في الصمود.

يشكّل هذا النجاح دافعًا لمواصلة القتال بالنسبة لبعض الإيرانيين، حتى معاقبة المعتدين بشكل كافٍ، بدل البحث عن نهاية تفاوضية. 

وتتجمع حشود كبيرة من الإيرانيين كل ليلة منذ 28 فبراير، في أنحاء البلاد للتعبير عن تحدّيهم عبر الهتاف:لا استسلام، لا مساومة، القتال مع أمريكا"، فقد أثبتت الولايات المتحدة في نهاية المطاف، أنها غير جديرة بالثقة في المفاوضات، وأنها لا تحترم سيادة إيران.

ووفق هذا المنطق، لا يوجد سبب للانخراط معها الآن أو منحها مخرجًا، بل ينبغي على طهران استثمار تفوقها، عبر مواصلة استهداف القواعد الأمريكية وعرقلة التجارة في مضيق هرمز، حتى تغيّر واشنطن وجودها الإقليمي ونهجها بشكل جذري.

ومع ذلك، فإن الاستمرار في القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم ما قد يوفّره من إشباع نفسي، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تدمير أرواح المدنيين والبنية التحتية، فهذان الطرفان، وقد أصابهما اليأس بعد فشلهما في تحقيق أهدافهما، يلجآن بشكل متزايد إلى استهداف مواقع حيوية في قطاعات الأدوية والطاقة والصناعة، ويضربان المدنيين الأبرياء بشكل عشوائي، كما أن العنف يستدرج تدريجيًا مزيدًا من الدول، مهددًا بتحويل نزاع إقليمي إلى صراع عالمي. 

ومما يؤسف له أن المنظمات الدولية تعرّضت لضغوط من الولايات المتحدة دفعتها إلى الصمت إزاء العديد من الانتهاكات، بما في ذلك مقتل نحو 170 طفلًا من تلاميذ المدارس في اليوم الأول من الحرب.

وعليه، ينبغي على طهران أن تستخدم تفوقها ليس لمواصلة القتال، بل لإعلان النصر والتوصل إلى اتفاق ينهي هذا الصراع ويمنع اندلاع صراع جديد، ويمكنها أن تعرض فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء جميع العقوبات، وهو اتفاق لم تكن واشنطن لتقبله سابقًا، لكنها قد تقبله الآن. 

كما ينبغي أن تكون إيران مستعدة لقبول ميثاق عدم اعتداء متبادل مع الولايات المتحدة، يلتزم فيه الطرفان بعدم استهداف أحدهما الآخر في المستقبل. 

ويمكن لطهران أيضًا عرض إقامة علاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة، بما يحقق مكاسب للشعبين الأمريكي والإيراني على حد سواء، ومن شأن هذه النتائج أن تمكّن المسؤولين الإيرانيين من التركيز بدرجة أقل على حماية البلاد من الخصوم الخارجيين، وبدرجة أكبر على تحسين حياة المواطنين داخليًا، وبعبارة أخرى، يمكن لطهران أن تؤمّن المستقبل الجديد المشرق الذي يستحقه الإيرانيون.

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم موقعه الضعيف أو ربما بسببه، إطلاق تصريحات متناقضة ومربكة بشأن المفاوضات، فقد ألقى ترامب خطابًا يوم الأربعاء جمع فيه بين إهانة جميع الإيرانيين عبر تعهده بقصف إيران "حتى تعود إلى العصور الحجرية حيث تنتمي"، وبين وعده، كما كرر مرارًا، بأن الحملة العسكرية لواشنطن لن تستغرق سوى بضعة أسابيع إضافية. 

لكن من الواضح أن البيت الأبيض يشعر بالقلق من ارتفاع تكاليف الطاقة، التي تسبب بها القصف الأمريكي، باعتبارها عبئًا سياسيًا، ومن شأن هذه الخطة أن توفر لترامب مخرجًا مناسب التوقيت، بل إنها قد تحوّل خطأه الفادح إلى فرصة لادعاء تحقيق نصر دائم للسلام.

اقتناص النصر

يشعر الإيرانيون بغضب شديد تجاه الولايات المتحدة، وليس بسبب عدوانها الحالي فقط، فمنذ مطلع الألفية، تعرّضت الجمهورية الإسلامية وشعبها لسلسلة من الخيانات على يد مسؤولين أمريكيين، فقد قدّمت إيران دعمًا للولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من أيلول سبتمبر، لكن الرئيس جورج بوش الابن أدرج طهران لاحقًا ضمن «محور الشر» وهدد بضربها. 

وتفاوضت إدارة الرئيس باراك أوباما مع قادة إيران وأبرمت الاتفاق النووي عام 2015، إلا أن التزام طهران الدقيق والمثبت بالاتفاق لم يدفع الإدارة إلى تطبيع علاقاتها الاقتصادية العالمية كما وعدت، كما لم يمنع هذا الالتزام ترامب من تمزيق الاتفاق، ثم إطلاق حملة «الضغط الأقصى» القاسية، وهي عقوبات صارمة استهدفت إفقار نحو 90 مليون إيراني، واستمرت هذه السياسات في عهد الرئيس جو بايدن، رغم وعوده بإحياء المسار الدبلوماسي.

وعندما عاد ترامب إلى السلطة لولاية ثانية، أصبح نهج واشنطن أكثر تضليلًا، فقد أعلن البيت الأبيض رغبته في إبرام اتفاق جديد، فأرسلت إيران أبرز دبلوماسييها وخبرائها للتفاوض، لكن ترامب سرعان ما أثبت عدم جديته؛ إذ بدلًا من تعيين مبعوثين متمرسين، أوفد شخصين من المقربين إليه في مجال العقارات، صهره جاريد كوشنر وصديقه في الغولف ستيف ويتكوف، وهما يفتقران تمامًا إلى المعرفة بالجغرافيا السياسية والتفاصيل التقنية النووية، وعندما فشلا، كما كان متوقعًا، في فهم العروض الإيرانية السخية للتوصل إلى اتفاق، شنّ البيت الأبيض هجومه العسكري الواسع ضد المدنيين الإيرانيين.

ونتيجة لذلك، ينظر قطاع واسع من الإيرانيين إلى أي حديث عن إنهاء هذه الحرب عبر الدبلوماسية، بدلًا من مواصلة المقاومة والضغط على المعتدين، باعتباره أمرًا مرفوضًا، فالإيرانيون لا يبدون اهتمامًا بالتحدث إلى مسؤولين أمريكيين خانوا ثقتهم مرارًا، ومع أن هذا الموقف مفهوم، فإن الجمهورية الإسلامية ستكون في وضع أفضل إذا تمكنت من إنهاء الحرب عاجلًا لا آجلًا، إذ إن إطالة أمد العداء ستؤدي إلى خسائر أكبر في الأرواح والموارد دون تغيير حالة الجمود القائمة، خصوصًا مع استمرار الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف البنية التحتية الإيرانية. 

ورغم قدرة إيران على تدمير بنية المنطقة التحتية ردًا على ذلك، فإن هذا لا يشكل فارقًا كبيرًا بالنسبة للولايات المتحدة، التي تنظر إلى ما تسميه حلفاءها العرب في المنطقة على أنهم مجرد دروع تستخدمها للدفاع عن إسرائيل، كما أن تدمير البنية التحتية الإقليمية لن يعوّض خسائر إيران، وقد يؤدي استمرار القتال أيضًا إلى غزو بري أمريكي؛ ورغم أنه سيكون خطوة يائسة تدفع واشنطن إلى مستنقع أعمق، فإنه لن يحقق مكاسب حقيقية لإيران. 

وأخيرًا، إذا انسحبت الولايات المتحدة قبل التوصل إلى اتفاق، فلن تتمكن إيران من جني ثمار مقاومتها الكبيرة للعدوان الأمريكي.

وإذا نجح الطرفان في اللجوء إلى المفاوضات، فبإمكانهما السعي إلى أحد مسارين. 

الأول هو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، سواء كان رسميًا أو غير رسمي، وقد يبدو هذا الخيار، للوهلة الأولى، الطريق الأفضل إلى الأمام، بل وربما الأقل كلفة من حيث الجهد، إذ إن تحقيق وقف إطلاق النار لا يتطلب من طهران وواشنطن وحلفائهما سوى إلقاء السلاح، دون الحاجة إلى معالجة جذور التوترات العميقة التي سممت علاقاتهم لعقود طويلة.

لكن أي وقفٍ لإطلاق النار سيكون بطبيعته هشًا، إذ ستظل الدولتان غارقتين في الشك العميق وانعدام الثقة تجاه بعضهما البعض، تحديدًا لأنهما لن تعالجا خلافاتهما الجوهرية، ولذلك لن يتطلب الأمر سوى خطأ في الحسابات أو انتهازية سياسية في غير محلها حتى تُستأنف المواجهات، ومن ثم، ينبغي على المسؤولين السعي إلى الخيار الثاني: اتفاق سلام شامل، وبعبارة أخرى، يجب استغلال هذه الكارثة كفرصة لإنهاء سبعة وأربعين عامًا من العداء.

وقد يسهم الصراع الحالي، رغم فظاعته، في تسهيل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، لأنه كشف حقائق لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها. 

أولًا، أظهر أن الولايات المتحدة غير قادرة على تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، حتى عندما تعمل بالتنسيق مع إسرائيل وبدعم مالي ولوجستي من شركائها في الخليج. 

فهذه البرامج مترسخة وموزعة بشكل يجعل القضاء عليها بالقصف أمرًا مستحيلًا، بل إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تؤدِّ إلا إلى تنشيط النقاش داخل إيران بشأن احتمال الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتغيير عقيدتها في هذا المجال. 

كما أوضحت الضربات أن الحديث عن نهاية "محور المقاومة" وهو شبكة شركاء إيران الإقليميين، كان مبالغًا فيه إلى حد كبير، بل إن العدوان أعاد تنشيط معارضة السياسات الأمريكية في الجنوب العالمي، وفي بعض أجزاء أوروبا، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث رفض بعض أنصار ترامب من تيار «ماغا» سياساته التي تضع «إسرائيل أولًا».

أما على مستوى المنطقة، فقد أثبتت الحرب أن الاعتماد على الولايات المتحدة لتوفير الأمن، سواء عبر الاستعانة بها أو شراء خدماتها، هو استراتيجية خاسرة. 

فقد اعتقدت دول عربية لسنوات أنها تستطيع حماية نفسها عبر دفع الأموال لواشنطن لإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، وتجاهلت إلى حد كبير أو رفضت عروض إيران لإقامة ترتيبات أمنية إقليمية، بدءًا من مقترحها عام 1985—المكرّس في قرار مجلس الأمن رقم 598—لتأسيس نظام أمني لدول الخليج، وصولًا إلى عرضها ميثاق عدم اعتداء عام 2015 ومبادرة «هرمز للسلام» عام 2019. 

وقد ظنت هذه الدول أن تلك المبادرات غير ضرورية، لأنها افترضت أن الولايات المتحدة ستدير علاقاتها مع إيران وتحميها عند الأزمات، لكن ما حدث هو أن واشنطن قررت قصف الجمهورية الإسلامية رغم اعتراضاتها اللفظية، والصادقة لدى بعضهم، واستخدمت قواعدها على أراضي تلك الدول لتنفيذ عملياتها، كما كان متوقعًا، ونتيجة لذلك، تحولت هذه الدول إلى ساحات حرب، وهو ما كانت تسعى لتجنبه.

تؤكد هذه النتائج مجتمعة صحة ما دأبت طهران على قوله بشأن نفسها وبشأن النظام الإقليمي، لكن مع تعاظم ثقتها بنفسها، يتعين على إيران أن تستخلص درسًا مهمًا: وهو أن تقنيتها النووية لم تردع العدوان، بل ربما وفرت ذريعة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية.، وفي المقابل، أثبتت أيضًا أن البرنامج النووي غير القانوني لإسرائيل لم يحمِها من وابل يومي من الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وهذا الفشل يعزز الشك في قدرة أي برنامج نووي على ضمان الأمن، مهما بلغ من تطور. وبدلًا من ذلك، أكد المسؤولون الإيرانيون المدنيون والعسكريون أن العامل الأهم في صمود البلاد كان شعبها المتماسك.

التحضير للسلام

تعني هذه الوقائع أن مبدأ المعاملة بالمثل سيكون أساسيًا في أي تسوية، بدءًا من مراحلها الأولى، ولإطلاق عملية السلام، يتعين على جميع الأطراف في غرب آسيا الاتفاق على وقف القتال فيما بينها. 

كما ينبغي لإيران، بالتعاون مع سلطنة عُمان، ضمان مرور السفن التجارية بأمان عبر مضيق هرمز، وفي المقابل، يجب على المسؤولين الأمريكيين السماح بفتح المضيق أمام إيران أيضًا. 

والمفارقة الجغرافية الكبرى أن هذا المضيق، رغم وقوعه بمحاذاة السواحل الإيرانية، ظل فعليًا مغلقًا أمامها لسنوات بسبب العقوبات الأمريكية، ما أدى إلى انتشار الفساد داخليًا وتحقيق أرباح هائلة لبعض الجيران، ولذلك، حتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، يجب على الولايات المتحدة السماح ببيع النفط الإيراني ومنتجاته دون عوائق، وضمان عودة عائداته بأمان.

ومع اتخاذ هذه الخطوات الفورية، يمكن لإيران والولايات المتحدة الشروع في بلورة اتفاق سلام دائم، ومن المرجح أن يتناول جزء كبير منه القضايا النووية. 

فقد تلتزم إيران، على سبيل المثال، بعدم السعي مطلقًا لامتلاك سلاح نووي، وخفض مستوى تخصيب مخزونها من اليورانيوم إلى نسبة متفق عليها تقل عن 3.67%، وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران، ورفع العقوبات الأحادية، وتشجيع شركائها على القيام بالمثل. 

كما ينبغي السماح لإيران بالمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية دون عوائق أو تمييز، ومن جهته، يصادق البرلمان الإيراني على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضع جميع منشآته النووية تحت رقابة دولية دائمة. 

وقد طالبت الولايات المتحدة بشروط أكثر صرامة، أبرزها وقف التخصيب تمامًا، لكن مسؤوليها يدركون أن هذه المطالب غير واقعية، وأنهم لن يحققوا عبر التفاوض ما فشلوا في فرضه عبر حربين عدوانيتين.

ورغم أن هذه التنازلات لن تحل كل الخلافات النووية، فإنها ستعالج معظمها، ويمكن لدول أخرى المساعدة في معالجة التحدي الأكبر المتبقي: كيفية التعامل مع اليورانيوم الإيراني، إذ يمكن للصين وروسيا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، إنشاء كونسورتيوم لتخصيب الوقود النووي بمشاركة إيران ودول خليجية مهتمة، ليصبح المنشأة الوحيدة للتخصيب في غرب آسيا، على أن تنقل إيران إليه جميع موادها ومعداتها المخصبة. 

وكجزء إقليمي من خطة السلام، ينبغي لكل من البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن، إلى جانب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وربما مصر وباكستان وتركيا، العمل على إنشاء شبكة أمن إقليمي لضمان عدم الاعتداء، وتعزيز التعاون، وتأمين حرية الملاحة في غرب آسيا، بما في ذلك إبرام ترتيبات رسمية بين إيران وسلطنة عُمان لضمان العبور الآمن المستمر للسفن عبر مضيق هرمز.

ولتعزيز السلام بشكل أعمق، ينبغي على إيران والولايات المتحدة إطلاق تعاون متبادل المنفعة في مجالات التجارة والاقتصاد والتكنولوجيا، فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران أن تدعو شركات النفط، بما في ذلك الشركات الأمريكية الراغبة، للمساهمة فورًا في تسهيل تصدير النفط إلى المشترين. 

كما يمكن لإيران والولايات المتحدة ودول الخليج أن تتشارك في مشاريع تتعلق بالطاقة والتقنيات المتقدمة. 

وينبغي كذلك على واشنطن الالتزام بتمويل إعادة إعمار الأضرار التي خلّفتها حروب عامي 2025 و2026 في إيران، بما في ذلك تعويض المدنيين عن خسائرهم. 

وقد يعترض بعض المسؤولين الأمريكيين على دفع مثل هذه التعويضات، لكن الدبلوماسيين الإيرانيين لن يتمكنوا من المضي قدمًا في أي اتفاق من دون ذلك، كما أن تكلفة إعادة الإعمار ستكون على الأرجح أقل بكثير من كلفة استمرار هذه الحرب المكلفة وغير الشعبية.

وأخيرًا، ينبغي على إيران والولايات المتحدة الإعلان عن ميثاق دائم لعدم الاعتداء والتوقيع عليه، وبموجب هذا الميثاق، يلتزم الطرفان بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد بعضهما البعض. 

كما يعملان على إنهاء التصنيفات المرتبطة بالإرهاب التي أطلقها كل طرف على الآخر، واستكشاف إمكانية إرسال دبلوماسيين للعمل في مكاتب رعاية المصالح، واستعادة الخدمات القنصلية، ورفع القيود المفروضة على سفر مواطنيهما.

لن يكون التوصل إلى هذا الاتفاق أمرًا سهلًا. فالإيرانيون سيظلون متشككين بعمق في نوايا واشنطن طوال المفاوضات، في حين سيستمر ترامب ومسؤولوه في النظر إلى طهران بعين الريبة، وقد تضطر الصين وروسيا، وربما بعض دول المنطقة، إلى تقديم ضمانات لمعالجة هذه المخاوف المتبادلة الجدية.

ومع ذلك، فإن هذه الحرب، على فظاعتها، فتحت الباب أمام تسوية دائمة، فقد يشعر الإيرانيون بالغضب، لكنهم يستطيعون المضي قدمًا وهم يدركون أنهم صمدوا في وجه هجوم عسكري واسع وغير مشروع شنّته قوتان نوويتان. 

وقد ينظر المسؤولون الأمريكيون بسلبية إلى الجمهورية الإسلامية، لكنهم باتوا يدركون أن نظامها لن يزول، وأن عليهم التعايش معه. 

قد تكون المشاعر متأججة، وقد يتباهى كل طرف بما يراه انتصارات ميدانية، لكن التاريخ يحتفظ في ذاكرته بمن يصنعون السلام.
---------------------------------
بقلم: جواد ظريف
* وزير الخارجية الإيراني الأسبق – والمقال نشر في مجلة فورين افيرز الاميركية
* أستاذ مشارك في الدراسات العالمية بجامعة طهران، ومؤسس ورئيس مؤسسة "مهندسو الإمكانيات" (
PAIAB
). وقد شغل سابقاً مناصب نائب الرئيس الإيراني، ووزير الخارجية، والممثل الدائم لدى الأمم المتحدة على مدار الثلاثين عاماً الماضية. والآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظره الشخصية.