في مشهد الصلاة على ترامب الذي يبدو فيه وكأنه المسيح الوديع المخلص الذي جاء نعمة من الله على أمريكا وعلى العالم، آملين أنه سيخلصهم من الأشرار، ويخلص العالم من الذين لا يدركون قدر هذا العالم، وعقول أقل ذكاء تلعب بالنووي، وإنقاذ الصديق اليهودي الودود المستضعف - يحاولون تصدير هذه الصورة منذ القدم ومرورا ب الهولوكوست و 7 أكتوبر وإلى الآن - والطفل المدلل إسرائيل (هنا يظهر دور المال والسياسة) مع أن فكرة الخلاص والفداء هذه هي التي نفذها اليهود أنفسهم في المسيح من ألفين عام تقريبا، وحين جاء موعد العفو عن أحد المحكوم عليهم، وكان بيلاطس يرشح بقوة العفو عن المسيح، لكي يستريح ضميره من الحكم عليه دون إدانة حقيقة يستند إليها، لم يستطع إقناعهم، ورضخ لرغبتهم العارمة في الحكم على المسيح قائلا: أنا برئ من دم هذا البار، ومع ذلك اختاروا أن يعفى عن باراباس المجرم ويصلب المسيح حتى الموت، لأنهم رأوا أن المسيح أخطر من باراباس، لأنه جاء يقول لهم "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.." إلى آخره.. من الطبيعي شعب بهذا الغلظة لا بد أن يعترض على السماح والصفح لأن هناك مبادئ راسخة وعقيدة لا تلين، وهي أنهم شعب الله المختار وأجدر وأحق وعلى صواب لا يحتمل الشك أنهم الأقوى والأذكى والأكثر جدوى لهذا العالم.. (بقولك شعب الله.. مستنين إيه تاني؟)
فما نراه في مشهد الصلاة على ترامب ما هو إلا توظيف الغيبيات في الدولة العلمانية وذلك ما نراه الآن في أمريكا وقت الأزمات، وكأنه فيلم تاريخي قديم أو خيال علمي.
يظهر هنا بروتوكول الدين المدني كأداة في الولايات المتحدة تستخدمها لاستجداء التعاطف الداخلي، في هذه اللحظات لا يتم استدعاء الدين بصفته عقيدة خلاصية بقدر ما يُستدعى كأداة وظيفية لتعزيز الوحدة الوطنية. تحدث عالم الاجتماع روبرت بيلا عن الدين المدني الأمريكي، - حيث تتحول الطقوس الدينية الصلاة إلى بروتوكول سياسي، ويظهر ذلك ذكر الله في الخطابات بشكل كبير. ومباركة أمريكا في مهمتها المقدسة في تطهير العالم من القذارة والإرهاب والنووي.. هذا البروتوكول يكشف عن الزيف السياسي، حيث يكمن في أن السياسي لا يلجأ للغيب لإيمانه بتدخل غيبي، بل لاستعارة هيبة النص المقدس وإضفائها على فشل النص السياسي. في الأزمات، يتحول "الله" من خالق إلى شريك في المسؤولية أو ملجأ لتبرير العجز البشري.
كما تظهر هنا "إيماءات" الاستجداء العاطفي، ورفع اليد أثناء الصلاة وتوجيهها إلى جسد ترامب ووضع المصلون أيديهم عليه، وملامسة يده، وهو يذكرني بطقس وضع اليد، أو منح البركة، ولا ننسى هنا أن يعقوب سرق البركة من عيسو، بعملية خداع اشتركت فيها أمه رفقة، فتمت البركة بوضع اليد على يعقوب، فذهبت البركة إلى يعقوب غير المستحق، فقط لأن رفقة تحبه أكثر بدلا من عيسو المستحق البركة لأنه أول فاتح رحم، بحسب الشريعة وقتها.. هذا موضوع يطول شرحه..
نعود لموضوعنا، يمكن تحليل هذا السلوك السياسي بوصفه إيماءة اجتماعية وهي تمثل النفاق الاجتماعي، فعندما يلجأ السياسي للغيبيات، فهو يمارس تمثيلاً يهدف إلى كسر الاغتراب بين السلطة والشعب. هو يعلم أن قطاعاً واسعاً من الشعب الأمريكي، خاصة في ولايات الحزام الإنجيلي، يؤمن بالغيبيات، لذا فاستخدام هذه اللغة هو استراتيجية تقرب وليست قناعة فكرية أو دينية.
تظهر الصلاة على ترامب التخبط الديني والسياسي في آن، حيث يظهر هنا التناقض بين دولة تفخر بالعقلانية والتقنية والآلة، وبين لحظة نكوص فكري يمارسه القادة عندما تعجز الحلول المادية عن احتواء الغضب أو الخوف الشعبي. فيتم استخدام الغيبيات كمُسكّن سياسي ليس إلا. والجانب الديني ربما يطمح في أن يجد متنفسا جديدا ووجودا بشكل ما بعد سنوات التهميش، لكن هذه الطموحات الدينية قد تنهار قبل أن تفكر تولد.
ففي الدولة العلمانية، يفترض أن تحل الأزمات من خلال المؤسسات والعلم. لكن في لحظة الأزمة الوجودية (كوارث، حروب، أوبئة،...)، يجد النظام السياسي نفسه أمام خيارين، إما الاعتراف بالخطأ البيروقراطي أو الفني، وهو مكلف سياسياً وستكون النتيجة غير محمودة العواقب، إما تحويل الأنظار نحو "القدر" أو "الابتلاء" أو "الرجاء الغيبي"، وهو مجاني سياسياً ومريح نفسياً للجماهير. بالإضافة إلى أن هذا يضمن بشكل ما كسب للتعاطف، وفي نفس الوقت هو إعادة تأطير للأزمة من سياقها المادي القابل للمحاسبة إلى سياق ما ورائي يرفع المسؤولية عن كاهل الإدارة.
والمفارقة في العلمانية الأمريكية أنها تختلف عن اللائكية الفرنسية؛ فهي تسمح بظهور الدين في الفضاء العام بشرط ألا يسيطر على التشريع. فهذا الهامش المسموح به هو دائما الثغرة التي يدخل منها الزيف.
السياسي الأمريكي الذي يرتدي الزي العسكري دائما نجده الآن يرتدي ثوب القس في وقت الأزمة، ليخاطب اللاوعي الجمعي الذي يبحث عن الأمان في المطلق عندما ينهار النسبي. إذا كان الفيديو يصور مشهداً صلاة جماعية أو ابتهالاً رسمياً في لحظة حرجة، فهو يمثل ذروة الأداء المسرحي السياسي. هو نص موازي يهدف إلى القول: نحن مثلكم، ضعفاء أمام القوى الكبرى، وذلك لامتصاص نقمة الشعب الذي قد يتساءل عن تقصير الدولة في الجانب العملي، ومحاولة إشراك الله معهم في المكسب كما في الخسارة.
-----------------------------
بقلم: هاني منسي
* كاتب وناقد






