01 - 04 - 2026

القوة والشرعية: جدلية الهيمنة وانكسار المعنى

القوة والشرعية: جدلية الهيمنة وانكسار المعنى

ليس في مقدور المرء أن يتأمل المشهد الدولي الراهن دون أن يستشعر أنه يقف على أطلال لحظة تاريخية كبرى، لحظة كان فيها النظام العالمي يبدو وكأنه يستند إلى أسس معيارية راسخة، وإلى قواعد متفق عليها تضبط سلوك الفاعلين وتحدد مشروعية أفعالهم، غير أن هذه الأسس، التي ظنناها صخرية، تبين أنها كانت أكثر هشاشة مما تصورنا، وأنها لم تكن في حقيقتها سوى ترسبات لمرحلة تاريخية محددة، سرعان ما بدأت تتآكل تحت وطأة الممارسة اليومية للقوة، لندخل اليوم في ما يمكن تسميته مجازاً "عصر ما بعد القيم"؛ عصر لم تعد فيه الشرعية معياراً يعتد به، ولم تعد القواعد الدولية سوى أدوات انتقائية تُستخدم حيناً عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، ويتم غض الطرف عنها أحايين أخرى عندما تقف عائقاً أمام أطماعها التوسعية.

إن هذا التحول لا يمكن فهم طبيعته، دون العودة إلى التراث الكلاسيكي في الفكر السياسي، وإلى تلك النصوص التأسيسية التي لا تزال تحتفظ بقدرتها على إنارة طريقنا في ظلمات اللحظة الراهنة، فقد يكون من المفيد إعادة قراءة ثوسيديدس (Thucydides) لحرب البيلوبونيز، حيث قدّم وصفاً مبكراً لعالم تحكمه معادلة القوة الغاشمة وفقاً للقول المأثور: "القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يستحق"، غير أن القراءة السطحية لهذا القول - والتي أصبحت اليوم شعاراً ضمنياً للعديد من صنّاع القرار - تغفل الدرس الأهم الذي كان ثوسيديدس يرمي إلى إيصاله، وهو أن الإفراط في استخدام القوة يقوض لا محالة الأسس التي تقوم عليها القوة نفسها، وهكذا يخبرنا التاريخ منذ العصر القديم وحتى اليوم.

ففي العالم القديم، نجد أمثلة متعددة على غطرسة القوة وغياب القيم والأخلاق، وهي جميعها تكشف لنا أن منطق "القوي يفعل ما يريد" أفضى دوماً إلى نتائج كارثية، ولم يكن بلا ثمن آنذاك، ففي عام 416 قبل الميلاد، حاصرت أثينا جزيرة ميلوس الصغيرة الوادعة رغم إعلانها الحياد في الحرب البيلوبونيزية، وطلبت منها الاستسلام أو الإبادة، والناظر إلى "حوار ميلوس" الذي ورد في كتاب المؤرخ ثوسيديدس يلاحظ أن الأثينيين يسخرون من مفهوم العدالة، ويؤكدون أن العدالة لا تُناقَش إلا بين المتكافئين في القوة، أما حين تختل الموازين، فالقوي يفرض شروطه، فاغتر قادة أثينا بفائض القوة لديهم، وانتهوا إلى قتل الرجال جميعاً واسترقاق النساء والأطفال، فقط لتأديب جزيرة صغيرة ومحايدة وقفت عائقاً في طريق هيبتهم الإمبراطورية، هذا النموذج يجسِّد غطرسة قوة مطمئنة لجبروتها، على استعداد لارتكاب جريمة إبادة جماعية وفقاً لمصطلحات العصر الحديث باسم الردع السياسي.

بيد أن أثينا التي جسَّدت غطرسة القوة في ميلوس انتهى بها المطاف إلى هزيمة نكراء أمام إسبرطة عام 404 قبل الميلاد، وتفكك أسطولها البحري، وهُدِّمت أسوارها العالية، وتحوَّلت من قوة مهيمنة إلى مدينة منهكة، لتفسح الطريق لاحقاً أمام هيمنة قوى أخرى، ولعل الدرس المستخلص هنا هو أن غطرسة القوة دون رادع أخلاقي لم تستطع إنقاذ مشروعها الإمبراطوري، بل رافقت مسار سقوطه، وأن حوار ميلوس، ذلك النص المؤسس في تاريخ الفكر السياسي، لا يقدم فقط وصفاً لواقعية باردة، بل يقدم نقاشاً حول إمكانية ضبط النفس بوصفه مظهراً من مظاهر الحكمة، وأن الأثينيين في حوار ميلوس ليسوا مجرد واقعيين باردين، بل هم "حداثيون" متغطرسون قطعوا مع التقاليد اليونانية التي كانت تقدس ضبط النفس وتقدّر الرحمة، فإن رفضهم لحجة الفيلسوف جون ستيوارت ميل، التي تقول إن "العدالة والمصلحة متلازمتان، وإن احترام الضعيف اليوم هو استثمار في أمان القوي غداً"، يعكس قطيعة عميقة مع التراث الأخلاقي.

مرة أخرى، في عام 146 قبل الميلاد، قررت روما، بعد أن جرَّدت قرطاج من سلاحها، المضي إلى أبعد من النصر العسكري، فاختارت تدمير المدينة بالكامل وقتل معظم سكانها، بمنطق الإبادة الجماعية كما حصل في ميلوس اليونانية القديمة، وهذا القرار لم يكن ضرورة دفاعية بقدر ما كان تعبيراً عن تصور يرى في محو مدينة مزدهرة شرطاً لترسيخ هيبة روما وتطهيرها الداخلي، وهو ما أثار نقاشات أخلاقية حتى داخل النخبة الرومانية حول حدود ما يسمح به النصر، وسرعان ما دخلت روما مرحلة سلام بلا أعداء تسللت فيها الصراعات إلى الداخل؛ إذ يربط المؤرخون بين انتصارات روما الخارجية وبين بدايات انحدارها الأخلاقي وصعود العنف في السياسة الداخلية بعد زوال التهديد القرطاجي.

وبالمثل، في المشرق القديم، بنت الإمبراطورية الآشورية نفوذها على سياسة رعب ممنهجة من خلال تعذيب الأسرى، والتمثيل بالجثث، وتعليق الرؤوس على الأسوار، وعمليات ترحيل جماعي تم توثيقها في النقوش الملكية بوصفها أداة مشروعة لتثبيت أركان الهيمنة، وهذه الممارسات لم تكن انحرافات فردية، بل استراتيجية مُعلَن عنها، حيث تم تمجيد القوة الغاشمة في الفنون لتخويف الخصوم وإرسال رسالة مفادها أن لا مكان للرحمة حين يتكلم السيف. على أن الآشوريين، الذين بنوا سلطانهم على الرعب، انهارت دولتهم بشكل مخجل؛ فسقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد بعد حصار مشترك من البابليين والميديين أنهى الإمبراطورية الآشورية كقوة مهيمنة خلال سنوات قليلة فقط، والمدينة التي كانت تعد من أعظم مدن العالم أُحرقت وأضحت أثراً بعد عين، حيث تحولت الإمبراطورية إلى ذكرى في ظل بروز بابل الجديدة كوريثة لها.

وهكذا نرى أن هذه الإمبراطوريات استفادت من قوتها عسكرياً في المدى القصير، لكنها لم تستطع تحويلها إلى استقرار دائم؛ فالإفراط في العنف، وإهمال الاعتبارات الأخلاقية والشرعية، عمَّق الأحقاد، وأضعف الحلفاء، وأطلق ديناميات داخلية وخارجية انتهت بتقويض الأسس التي قامت عليها تلك القوة نفسها، لذا فإن هذه الوقائع التاريخية، كما يخبرنا علم الاجتماع السياسي المعاصر، لا تمثل مجرد حكايات عابرة، بل تكشف عن نمط متكرر من العلاقة بين القوة والشرعية، حيث تتحول الغطرسة إلى عمى، والعمى إلى سقوط.

وفي سياق معاصر، يبدو أننا نعيش لحظة مماثلة لتلك التي وصفها ثوسيديدس، فمنذ التسعينيات من القرن الماضي، عملت الولايات المتحدة وحلفاؤها على بناء نظام دولي "قائم على القواعد" كان، كما يلاحظ المحللون، نظاماً هرمياً بامتياز تُطبَّق القواعد فيه بشكل انتقائي، وتُفسَّر المصالح بشكل انعكاسي، فلقد كان هذا النظام تعبيراً عن لحظة تاريخية محددة: لحظة هيمنة النموذج الليبرالي "المنفصل" الذي أعطى الأسواق حريتها وجعل المدن العالمية مراكز للسيطرة والتحكم في الاقتصاد العالمي، ولكن هذه اللحظة آلت إلى نهايتها، ومع عودة السياسات الحمائية، وانهيار الثقة بين الحلفاء التقليديين، وصعود قوى جديدة تتبنى نموذجاً مختلفاً للرأسمالية الحكومية، بدأنا نشهد تحولاً عميقاً في بنية النظام الدولي.

إن ما يُعبر عنه مجازاً "عصر ما بعد القيم" ليس مجرد تراجع أخلاقي عابر، بل هو تحول في بنية السلطة ذاتها، ففي هذا العصر الجديد، لم تعد الحقائق هي المعيار، بل أصبحت الروايات الإعلامية والمعارك المعرفية هي ساحة الصراع الحقيقية، وإن "دبلوماسية ما بعد الحقيقة" التي نراها اليوم تعكس تحولاً عميقاً في طريقة ممارسة القوة: فالحقائق لم تعد مهمة في حد ذاتها، بل أصبحت وسيلة للاستعراض والأداء السياسي، حيث يُقاس صدق التصريحات ليس بمدى تطابقها مع الواقع بل بقدرتها على حشد الأنصار وتعزيز الهويات، وهذا التحول له تداعيات عميقة على بنية التحالفات الدولية، فإذا كانت الثقة هي العملة الأساسية في العلاقات الدولية، فإن سياسات الابتزاز والإهانة التي مارستها الإدارة الأمريكية تجاه حلفائها التقليديين قد قوضت هذه الثقة بشكل ربما لا يمكن إصلاحه.

فمن الواضح أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعامل مع التحالفات بوصفها أعباءً وليس بحسبانها أصولاً استراتيجية، فقد تعرض الحلفاء للإهانة والابتزاز، وأُعيد تعريف الالتزامات الأمنية بوصفها معاملات تجارية، وفي هذا السياق، يتم السعي إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل على حساب الثقة والتضامن، كما أصبحت السياسة مدفوعة بطموحات فردية بدلاً من جملة أهداف استراتيجية متماسكة، وهو ما يوازي ما حدث في أثينا بعد بريكليس (أبرز رجال الدولة في أثينا 495- 429 ق.م) الذي ارتبط اسمه بسيادة القيم الديموقراطية والثقافية، فقد امتلكت أثينا بعده قوة هائلة لكنها فقدت البوصلة الأخلاقية والاستراتيجية التي تضبط استخدامها فانحدرت سريعاً، وعليه، فإن القوى المعاصرة التي ترفع شعار "القوة أولاً" دون حكمة أو ضوابط أخلاقية تسير على مسار مشابه، حيث تتحول مكاسب القوة قصيرة المدى إلى مقدمات لتآكلها وسقوطها على المدى البعيد.

من الملاحظ أن النزوع الإمبراطوري في رئاسة دونالد ترامب يزداد وضوحاً في تبنِّي رؤية للسياسة الخارجية تقدم الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة تتجاوز القيود المؤسسية والمتعددة الأطراف، ولعل هذا النزوع يترجم عملياً في تمركز القرار في البيت الأبيض، وتوظيف الأدوات العسكرية والاقتصادية والعقابية لفرض نفوذ مُهيمن في مناطق متعددة، من الشرق الأوسط إلى نصف الكرة الغربي، إلى جانب تلميحات علنية أو غير مباشرة إلى توسعات جيوبوليتيكية محتملة، وعلى الصعيد الداخلي، يتوازى هذا النزوع مع تقوية سلطة الرئيس التنفيذية عبر الأوامر التنفيذية والخطاب التصعيدي الشعبوي، ما يعيد تأكيد صورة "الإمبراطورية" التي تربط القوة الصلبة بسيطرة مركزية على القرار.

إن هذا التحول في السلوك الخارجي لا يمكن فصله عما يحدث في الداخل، حيث تتآكل السرديات الوطنية الجامعة، ففي السابق، كانت الدول الكبرى تسعى إلى بناء توافق داخلي حول دورها العالمي، وتبرير سياساتها الخارجية عبر خطاب يستند إلى قيم مثل الحرية، والديمقراطية، أو الأمن الجماعي، أما اليوم، فإن الخطاب الداخلي يتسم بالتشظي، ويُستخدم لتعبئة الانقسامات بدلاً من توحيدها، وهذا الضعف في التماسك الداخلي ينعكس بدوره على القدرة على تبني استراتيجيات طويلة الأمد، ولقد اعتادت الولايات المتحدة على تبرير تدخلاتها العسكرية والسياسية في دول أخرى بمجموعة من القيم النبيلة في ظاهرها مثل نشر الديمقراطية، وتعزيز الحريات الليبرالية، وحماية حقوق الإنسان، كما في حالات العراق وأفغانستان وليبيا، حيث كانت الخطابات الرسمية تُصوِّر الولايات المتحدة بحسبانها منارة العالم، غير أن هذه الستار الأخلاقي تلاشى تماماً في العهد الجديد، الذي أعلن صراحة أن منطق "أمريكا أولاً" لا يقبل شراكات مجانية أو حملات إنسانية باهظة التكلفة.

في هذا السياق، تتآكل أيضاً فكرة النظام الدولي القائم على القواعد، فحين تُنتهك هذه القواعد بشكل انتقائي، تفقد قوتها الإلزامية، وتتحول إلى مجرد أدوات خطابية، وعليه، فإن الدول الصاعدة تراقب هذا السلوك وتتعلم منه، فتتبنى منطقاً مشابهاً: إذا كانت القوى الكبرى لا تلتزم بالقواعد إلا عندما يناسبها ذلك، فلماذا ينبغي على الآخرين الالتزام بها؟ وهكذا، ندخل في حلقة مفرغة من تقويض المعايير، حيث يصبح الانتهاك هو القاعدة، والالتزام هو الاستثناء، ولعل فوضوية النظام الدولي بهذه الصورة تكرس قاعدة "القوة تخلق الحق وتحميه في التفاعلات الدولية"، ومن ثم تصبح المؤسسات الدولية التعاونية وعلى رأسها الأمم المتحدة دون فاعلية تذكر.

لكن الأزمة الراهنة، كما تكشف لنا الدراسات الحديثة في الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية، لا تكمن فقط في انتهاك القواعد، بل في تفكك البنية المعرفية التي كانت تمنح هذه القواعد معناها وسلطتها، ففي عالم تتآكل فيه الخطابات المؤسسة للشرعية، لا تصبح القوة أكثر تحرراً، بل أكثر ارتباكاً؛ إذ تفقد قدرتها على إنتاج نظام مستقر، وتتحول إلى قوة بلا أفق، تتحرك في فضاء من السيولة المعيارية، حيث يصبح كل فعل ممكناً، ولكن لا شيء مضموناً، وإن ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع في الالتزام بالقواعد، بل تحوّل في طبيعة استخدامها؛ حيث أصبحت القواعد تُفَعَّل كوسائل تكتيكية ضمن صراعات النفوذ، بدلاً من كونها إطاراً معيارياً مستقراً، وهذا التحول يخلق ما يمكن تسميته بالازدواجية البنيوية، حيث تستمر اللغة القانونية والأخلاقية في الخطاب، بينما تتآكل مضامينها في الممارسة.

وإن هذا التداخل بين المادي والمعياري يكشف عن ظاهرة أكثر تعقيداً، وهي أن الشرعية لم تعد تعمل كقيد خارجي على القوة، بل كعنصر داخلي في تكوينها، وهنا تبرز إسهامات المفكر الألماني يورجن هابرماس (Jürgen Habermas)، الذي يرى أن الأنظمة السياسية لا تستمد استقرارها من قدرتها على الإكراه، بل من قدرتها على إنتاج "قبول تواصلي" يمنح قراراتها طابعاً مشروعاً، وعندما يتآكل هذا القبول، تتحول القواعد إلى مجرد أدوات خطابية تُستدعى انتقائياً، وتفقد المؤسسات الدولية قدرتها على فرض الامتثال، فالنظام الدولي المعاصر لا يعيش لحظة انهيار درامي بقدر ما يعيش حالة "تفكك صامت"، تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين المشروع وغير المشروع، وبين ما هو قانوني وما هو قابل للتأويل، وفي هذا السياق، لا يكون الخطر في غياب القواعد، بل في بقائها كأطلال رمزية تُستخدم لإضفاء الشرعية على ممارسات تقوّضها في العمق، وهكذا، يتحول النظام من كونه بنية تضبط القوة إلى فضاء تعيد فيه القوة تعريف القواعد، في حركة جدلية مستمرة تفضي في نهايتها إلى إعادة تشكيل معنى النظام ذاته.

وفي هذا الإطار التحليلي، تكتسب مقاربة "حنة آرندت" (Hannah Arendt) أهمية تفسيرية بالغة، إذ أعادت في أعمالها التمييز الدقيق بين "القوة" و"العنف" بوصفهما ظاهرتين مختلفتين في الجوهر لا في الدرجة، فالقوة بحسب تصورها، تنبع من الفعل الجماعي القائم على التوافق والاعتراف المتبادل، وهي بهذا المعنى تعبير عن قدرة جماعة بشرية على العمل المشترك ضمن إطار من الشرعية المقبولة، أما العنف، فهو أداة أداتية تظهر حين تتآكل هذه الشرعية، ويغدو الإقناع عاجزاً عن تأمين الامتثال، فيحل الإكراه محل القبول، وهذا التمييز يفتح أفقاً نظرياً لفهم التحولات المعاصرة في بنية النظام الدولي، حيث يتزايد الاعتماد على أدوات القسر - سواء في صورتها العسكرية المباشرة أو عبر الوسائط الاقتصادية كالعقوبات والضغوط المالية - في الوقت الذي تتراجع فيه القدرة على إنتاج توافقات معيارية مستقرة، فبدلاً من أن يُقرأ هذا التصاعد في استخدام العنف بوصفه دليلاً على فائض في القوة، يكشف، في ضوء تحليل آرندت، عن خلل بنيوي في مصادرها؛ إذ إن اللجوء المكثف إلى الإكراه غالباً ما يكون مؤشراً على عجز الفاعل عن تحويل تفوقه المادي إلى شرعية معترف بها.

وتدعم هذا الفهم دراسات حديثة في الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية، حيث يُنظر إلى الشرعية بوصفها "مُضاعِف قوة" يتيح للدولة تحقيق أهدافها بتكلفة أقل، عبر تقليل الحاجة إلى الإكراه المباشر، وعندما يتآكل هذا المورد غير المادي، تضطر الدول إلى تعويضه بتوسيع استخدام أدوات العنف، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الفعل السياسي، واستنزاف الموارد، وتآكل الثقة في نواياها على المدى الطويل، ومن ثم، فإن المشهد الدولي الراهن يمكن قراءته كتحول من "قوة قائمة على الاعتراف" إلى "عنف قائم على الضرورة"، حيث تُمارس السلطة في غياب السند الخطابي الذي يمنحها معناها، وفي هذا السياق، لا يكون العنف تعبيراً عن السيطرة بقدر ما يكون علامة على هشاشتها؛ إذ يكشف عن فجوة متنامية بين القدرة على الفعل والقدرة على الإقناع.

إن هذا التوتر بين القوة والشرعية يعكس، في جوهره، إشكالية فلسفية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة ذاتها: هل تُختزل في القدرة على الفعل، أم في القدرة على إنتاج القبول؟ وفي ضوء هذا السؤال، يمكن القول إن أطروحات الواقعية الجديدة، التي ترى في القوة المتغير الحاسم في تفسير السلوك الدولي، والمنظورات البنيوية الاجتماعية، التي تؤكد أن النظام الدولي بناء اجتماعي تتشكل قواعده من خلال التفاعل والمعنى، تلتقي عند نقطة مفصلية مفادها أن القوة التي تنفصل عن إطارها القيمي تتحول من أداة للهيمنة المستقرة إلى عامل لإعادة توزيعها، فالدولة التي تملك الوسائل المادية قد تفرض إرادتها مؤقتاً، لكنها، حين تفقد شرعيتها، تبدأ تدريجياً في خسارة قدرتها على تشكيل النظام الذي تسعى إلى السيطرة عليه، لتجد نفسها في نهاية المطاف أسيرة لقوة تمتلكها لكنها لم تعد قادرة على توجيهها.

ومن زاوية أخرى، يفتح هذا التحول المجال أمام قوى دولية أخرى لإعادة تشكيل موازين القوة، ففي ظل انشغال القوى التقليدية بصراعاتها الداخلية، وتآكل شرعيتها الدولية، تظهر قوى صاعدة تعتمد استراتيجيات أكثر صبراً وهدوءً، وهذه القوى لا تسعى بالضرورة إلى المواجهة المباشرة، بل تستفيد من الفراغات التي يخلقها تراجع الآخرين، وتعمل على توسيع نفوذها تدريجياً من خلال الاقتصاد، والمؤسسات، والشراكات البديلة، وربما يسمح ذلك بصعود عالم الجنوب مدشناً حقبة جديدة في عالم ما بعد الغرب.

إن المفارقة الأساسية في عصر ما بعد القيم هي أن السعي إلى تعظيم القوة بشكل مباشر قد يؤدي إلى تقليصها على المدى الطويل، فالقوة التي لا تُمارس ضمن إطار من الشرعية تُنتج مقاومة، وتدفع الآخرين إلى التكتل ضدها، أو إلى البحث عن بدائل تقلل من اعتمادهم عليها، وهذا ما نشهده في تنامي النزعات نحو "الاستقلال الاستراتيجي" لدى العديد من الدول، ومحاولاتها تنويع شراكاتها وتخفيف ارتباطها بالقوى المهيمنة.

من هنا، يمكن القول إننا لا نعيش فقط أزمة تآكل قواعد النظام الدولي، بل أزمة تصور حول معنى القوة نفسها، وهل القوة هي القدرة على الفعل فقط، أم القدرة على الامتناع عن الفعل عندما يكون ذلك أكثر حكمة؟ هذا السؤال كان في صلب تجربة الإمبراطوريات القديمة التي عانت من فائض القوة كما ذكرنا، وهو يعود اليوم ليطرح نفسه بإلحاح في سياق مختلف، لكن بدلالات مشابهة، فإن العودة إلى نظام دولي قائم على القواعد لا تعني المثالية أو تجاهل واقع القوة، بل تعني إدراك أن القوة تحتاج إلى شرعية تضبطها لكي تكون مستدامة، فالتاريخ، قديماً وحديثاً، يوضح أن الهيمنة التي تعتمد فقط على الإكراه لا تدوم، وأن الاستقرار يتطلب توازناً دقيقاً بين المصالح والقيم الأخلاقية.

وما يلفت النظر في هذه الأدبيات المتعددة التوجهات - من الواقعية الكلاسيكية إلى البنيوية وما بعد البنيوية، مروراً بتحليلات علم الاجتماع السياسي والدراسات الاستراتيجية - هو أنها، رغم تفاوت منطلقاتها المنهجية والإبستمولوجية، تتلاقى عند نقطة مفصلية واحدة: أن القوة التي تُمارس خارج نطاق القيم والمعايير الأخلاقية والاجتماعية ليست قوة مطلقة بل محفوفة بذاتها بعوامل تآكلها الذاتي، فالقوة هنا ليست مجرد قدرة على الفعل، بل علاقة ديناميكية قائمة على الشرعية والاعتراف المتبادل والإطار الخطابي الذي يمنح الفعل معنى وفاعلية، وعندما يُفقد هذا الإطار أو يُلتفّ عليه، تتحول القوة من أداة للحفاظ على الهيمنة إلى آلية لتدمير الشروط التي قامت عليها.

وهذا التأمل يضعنا أمام إعادة قراءة معمقة للدرس الثوسيديدي: فالقول الشهير "القوي يفعل ما يشاء والضعيف يعاني ما يستحق" لم يكن، كما يُفسر غالباً، وصفاً جامداً لسلوكيات القوى الكبرى، بل ملاحظة تنبؤية لطبيعة التفاعل بين القوة والحدود البنيوية للنظام السياسي، فالقوي حين يمارس إرادته بلا رادع، لا يكتفي بتحقيق المكاسب القصيرة الأمد، بل يشرع غالباً بلا وعي منه، في تقويض التحالفات التي دعمت تفوقه، وإضعاف الثقة التي شكلت رأس المال غير المادي لنفوذه، وإحداث شروخ في البنية الأخلاقية والمعيارية التي منحت أفعاله الشرعية.

وتؤكد الدراسات المعاصرة في العلاقات الدولية أن هذا النمط ليس مجرد تكرار تاريخي، بل آلية مستمرة في النظام الدولي: القوة المطلقة بلا قيود أخلاقية تتحول مع الزمن إلى عبء، فتخلق مقاومة محلية ودولية، وتدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة توازن القوى، وتعميق الانقسامات الداخلية، ما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الاستقرار طويل المدى، ومن هنا، يمكن القول إن التاريخ السياسي لا يكتفي بتسجيل الانتصارات، بل يقدّم تحليلاً مستداماً لمفارقة القوة: كلما ازدادت القدرة على الفعل بلا قيود، ازداد خطر تفكك الأسس التي بُني عليها التفوق، فالقوة المطلقة بلا قيود أخلاقية تتحول تدريجياً إلى أداة لتقويض ذاتها، وهو درس تكرّره كل الإمبراطوريات منذ ميلوس وأثينا وصولاً إلى التحديات الراهنة.

خاتمة: العبرة في مرآة التاريخ 

حين نعيد قراءة هذا الامتداد التاريخي من مأساة ميلوس إلى تعقيدات عالمنا الراهن، يتبدَّى لنا أن التاريخ ليس مجرد تتابع زمني للأحداث، بل بنية كاشفة لحدود الإنسان حين يفتتن بقوته، إنه مرآة قاسية لا تعكس ما نفعله فقط، بل ما نصبح عليه حين نُطلق العنان لقدرتنا دون ضابط، فالإمبراطوريات التي توهّمت أنها تستطيع الارتفاع فوق القيم، لم تسقط لأنها هُزمت عسكرياً فحسب، بل لأنها أساءت فهم ماهية القوة ذاتها؛ تعاملت معها كطاقة مطلقة، بينما هي في حقيقتها علاقة مشروطة بالاعتراف، ومقيدة بسياق أخلاقي يمنحها معناها واستمراريتها.

لقد أثبتت التجربة التاريخية، بتكرار يكاد يبلغ مرتبة القانون، أن القوة حين تنفصل عن معيارها القيمي، لا تتحول إلى حرية مطلقة، بل إلى حالة من العمى الاستراتيجي، ففي لحظة التوهج القصوى، حين يبدو أن كل شيء ممكن، تبدأ القوة في تقويض شروطها الداخلية: تُفكك الثقة، تُضعف التحالفات، وتُنتج مقاومات كامنة تتراكم حتى تنفجر، وهنا لا يكون السقوط حادثاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لمسار بدأ حين استُبدلت الشرعية بالإكراه، والحكمة بالاندفاع، والمعنى بالفعل المجرد.

وإن العبرة التي تستخلصها الإنسانية من هذا المسار ليست درساً أخلاقياً تقليدياً، بل كشفٌ أنطولوجي عن طبيعة الإنسان ذاته، فالمعضلة لم تكن يوماً في امتلاك القوة، بل في القدرة على إدارتها دون أن تلتهم صاحبها، وإن الإنسان، في سعيه للسيطرة على العالم، يواجه مفارقة وجودية عميقة: كلما توسعت قدرته على الفعل، تقلَّصت - إن لم يُحسن استخدامها - قدرته على ضبط هذا الفعل، ومن هنا، فإن أعظم اختبار للحضارات لا يكمن في قدرتهاعلى الانتصار، بل في قدرتها على مقاومة إغراء الانتصار حين يتحول إلى ذريعة للهيمنة المطلقة.

وفي هذا الأفق، يتجاوز السؤال التاريخي حدود السياسة ليغدو سؤالاً مصيرياً: ماذا نفعل حين نصبح قادرين على كل شيء؟ هل نمارس القوة بوصفها حقاً مطلقاً، أم نُعيد تعريفها كمسؤولية أخلاقية وتاريخية؟ هل نستخدمها لإخضاع الآخر، أم لصياغة نظام يمكن أن يستمر ويتسع للجميع؟ إن هذا السؤال الصامت، الذي يقف عند حافة كل ذروة حضارية، هو ما يحدد اتجاه التاريخ الحقيقي - ليس ميزان القوى المتغير، بل وعي الإنسان بحدود قوته. وهكذا، فإن الدرس الأعظم الذي تمنحه لنا القرون هو أن الاستدامة لا تُبنى على فائض القوة، بل على وعيٍ نقدي بها؛ وأن النظام لا يُصان بالإكراه وحده، بل بتوازن دقيق بين القدرة والشرعية، بين الفعل والامتناع، بين ما نستطيع فعله وما ينبغي أن نمتنع عنه، وفي هذا التوازن تحديداً يتقرر مصير الحضارات: فإما أن تتحول القوة إلى أداة للبناء، أو تنقلب إلى قوة عمياء تعيد الإنسان إلى نقطة البداية - حيث لا يبقى من المجد سوى أثره، ولا من القوة سوى درسها.

وختاماً، يمكن القول إن عصر ما بعد القيم ليس قدراً علينا أن نقبل به، بل هو نتاج خيارات سياسية يمكن إعادة النظر فيها، غير أن ذلك يتطلب إرادة واعية لإعادة بناء الثقة، وإحياء الالتزام بالقواعد الدولية، والأهم من ذلك، إعادة تعريف القوة ليس فقط كقدرة على الإكراه، بل كقدرة على الإقناع والقيادة، ففي عالم يزداد تعقيداً، قد يكون أعظم مظاهر القوة هو ضبط النفس، وليس إطلاق العنان لها، وذلك هو التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسانية في رحلتها الدائمة نحو بناء عالم أكثر عدلاً واستقراراً، حيث لا تكون القوة غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق ما هو أسمى: سلام قائم على الاحترام المتبادل، ونظام يقوم على الشرعية، وحضارة تتسع للجميع دون أن تبتلع أحداً.
--------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

القوة والشرعية: جدلية الهيمنة وانكسار المعنى