01 - 04 - 2026

عن سحرٍ قديم يسكن "بيسكارا".. حين يكتب جابرييلي دانونتسيو بالدم والميتافيزيقا

عن سحرٍ قديم يسكن

في عالمٍ تتوارى فيه الحدود بين الواقع والأسطورة، يعيد المركز القومي للترجمة تسليط الضوء على واحد من إصداراته اللافتة: كتاب "حكايات من بيسكارا"، ترجمة الدكتورة نجلاء والي والدكتور حسين محمود، تلك المختارات القصصية التي تحمل توقيع الشاعر والكاتب الإيطالي جابرييلي دانونتسيو، أحد أبرز الأصوات الأدبية التي صنعت ملامح السرد الأوروبي في القرن العشرين.

نُشرت هذه المختارات لأول مرة عام 1902، لتقدم عالماً سردياً متماسكاً، تتوحد قصصه تحت ظلال المكان؛ حيث تنتمي جميعها إلى أرض بيسكارا، المدينة الرئيسة في إقليم أبروتسو بوسط إيطاليا، المواجهة لروما من ناحية الشرق. غير أن المكان هنا لا يبدو مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى كيان حي، يفرض منطقه الخاص على الشخصيات، ويغزل مصائرهم بخيوط خفية.

في هذه الحكايات، لا يقدم دانونتسيو صورة تقليدية لأهل بيسكارا، بل يكشف عن وجوه أكثر تعقيدًا وعمقًا؛ شخصيات تتحرك بدوافع غامضة، تحكمها نزعات لا تخضع دائمًا للعقل، وتمتزج في داخلها الميول الميتافيزيقية بنزعات الشعوذة، في عالمٍ يبدو أقرب إلى الحافة بين الواقع وما وراءه.

ويظهر الكاتب هنا في ذروة تمكنه الفني، إذ يفرض سيطرة لافتة على أدواته التعبيرية، ويغوص ببراعة في أدق انفعالات شخصياته، كاشفًا ما يعتمل في دواخلهم من صراعات خفية. كما يرسم تفاصيل الحياة اليومية بدقة شديدة، ويستند إلى ثراء لغوي واسع يمنح السرد امتداده وعمقه، حيث يسهم هذا الاسترسال أحيانًا في تهيئة القارئ نفسيًا لاستقبال الحدث، والتفاعل معه، وبناء صورة مكتملة لعالم نابض بالحياة والتناقضات.

ولا يقتصر حضور جابرييلي دانونتسيو على كونه كاتبًا أو شاعرًا فحسب، بل يمثل ظاهرة متكاملة الأبعاد؛ اجتماعيًا وسياسيًا ولغويًا وأدبيًا، ولا يزال حتى اليوم يثير الجدل ويستدعي قراءات جديدة، بما يحمله إرثه من تعقيد وثراء.

إن "بيسكارا" ليست مجرد بقعة على الخارطة، بل هي حالة النفس حين تضيق بالمنطق فتستجير بالأسطورة. هنا، بين طيات هذه الحكايات، يتحدّث الصمت، وتتعرّى النوازع، ويظل قلم جابرييلي دانونتسيو شاهدًا أبديًا على أن الإنسان، في أقصى تجلياته، ليس إلا مزيجًا من الطين والضياء، وسؤالًا مفتوحًا على اتساع المجهول.