اليوم ذكري مرور ١٨٥ عاما علي مولد الزعيم أحمد عرابي باشا المولود في يوم ٣١ مارس ١٨٤١ بقرية هرية رزنة - مركز منيا القمح، شرقية، ذلك الفلاح الذي خرج من قلب الريف ليقف في وجه سلطة استبدّت بالبلاد، ويجهر بكلمةٍ غيّرت مجرى التاريخ: لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا. قاد هذا الوطني الشريف الثورة العرابية في ١٨٨٧م بإيمان عميق بحق المصريين في الحرية والعدالة والمساواة، رافضًا هيمنة طبقة بعينها علي الملك، ساعيًا لإقامة حكم يقوم علي المساواة والإنصاف.
غير أن التاريخ لم يكن منصفًا معه طويلًا؛ فقد صُوِّر في كثير من الفترات كسببٍ للهزيمة، وتُركت سيرته نهبًا للتشويه والإهمال، بينما كانت الحقيقة أن الرجل واجه ظروفًا أعقد من أن يتحمّلها فردٌ وحده: تدخل أجنبي، وانقسام داخلي، وتحالفات لم تكن في صالح مشروعه الوطني.
ورغم وضوح هذه الحقائق وعدالة القضية التي حملها، فإن المفارقة المؤلمة في مسار التاريخ أن الحق لا يجد دائمًا من ينصفه، كما أن الباطل لا يخلو أبدًا ممن يدافع عنه أو يبرره، فدائما وأبدا ستجد أنصارًا لأحط الشخصيات التاريخية والسياسية؛ الخديوي توفيق نفسه ستجد له أنصارًا في التاريخ، وفي الحاضر، فأنصاره فكرة والفكرة لن تموت!
إبراهيم آغا كان توتونجي الخديوي توفيق باشا، والتوتونجي هو "الرصّيص" بتعبير هذه الأيام، المسئول عن "كيف" ولي النعم. استأذن الخديوي للدخول على عرابي في محبسه، وأهانه وبصق عليه! وكوفيء عن ذلك بمساحة شاسعة من الأرض، هي ما تُعرف اليوم بمنطقة حدائق حلوان.
مكافأة العملاء وقُطّاع الطرق ديدن ومنهاج؛ فما تعرفه اليوم في محافظة الإسماعيلية باسم "أبو سلطان" كانت مكافأة لسلطان باشا (رئيس مجلس النواب) على وقوفه إلي جانب الإنجليز ضد عرابي باشا المكلوم. وكذلك سعود الطحاوي وما تملكه ذريته إلى الآن في جزيرة سعود بمركز الحسينية - شرقية (عن آلاف الأفدنة أتحدث!)
بينما ظلت سيرة عرابي مقرونة بالعار والخيبة طوال فترة الاحتلال الإنجليزي، وبمباركة "النخبة المصرية" بداية من مصطفى كامل، مرورا بأحمد شوقي (ألمع وجه في الثقافة المصرية وقتذاك) الذي أنشد يوم رجوع عرابي من منفاه قائلا: صغار في الذهاب وفي الإياب.. أهذا كل شأنك يا عرابي! وصولا إلى كل باشوات وأغنياء هذا العصر.
عاش عرابي بعد عودته من منفاه فقيرًا مهمشًا ومنسيًا، ويوم وفاته شَيَّعَهُ في صمت عدد محدود، حتى أن أحدهم تساءل: من الميت؟! فقيل له: واحد اسمه عرابي! ولم يُنصَف عرابي (ولو بالكتابة) إلا بعد ١٩٥٢، بداية بإصرار المرحوم جمال عبدالناصر على تعليق صورته أثناء مباحثات الجلاء مع الإنجليز، ثم بعض الأقلام مثل محمود الخفيف وصلاح عيسى.

والخط الواصل بين عرابي (عدو الخديوي والإنجليز والنخب التركية - الشركسية) وعبدالناصر يفسر جزءًا كبيرًا من العداوة مع تجربة عبدالناصر: فكيف لفلاح صعيدي أن يكشف عورات طبقات صعدت وتبلورت وعاشت على الإرتزاق والعمل لدى المحتل، أو كشماشرجية عند ولي النعم بانتظار فتاته، في عصر من كانت والدته تعمل "ماشطة" بالقصر الملكي يعد نفسه سيدًا على الفلاحين ويمتلك مئات الأفدنة.
قد يختلف الزمن، وتتبدل الأدوات، لكن المعركة واحدة: إرادة شعبٍ في مواجهة نفوذٍ وهيمنة. دفع عرابي ثمن البدايات، وحمل عبد الناصر عبء الاستكمال والنهايات، وبينهما سيرة وطن حاول أن ينهض رغم العثرات.
------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير






