أسفرت الحرب الجارية في الشرق الأوسط عن تداعيات خطيرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان وتمر عبره ما يمثل 20% من تجارة النفط العالمية، إذ أضحى المضيق شبه مغلق أمام جزء كبير من حركة الملاحة الدولية. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، دعت الإدارة الأمريكية عددًا من الدول الأوروبية وحلفاءها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى المشاركة في عملية بحرية لمرافقة السفن العابرة للمضيق.
غير أن هذا المقترح لم يلقَ استجابة واسعة؛ إذ رفضت عدة دول أوروبية، إضافة إلى أستراليا، المشاركة في مثل هذه العمليات، بينما فضلت دول أخرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية تبني موقف حذر ومحايد، مكتفية بمتابعة التطورات دون التورط المباشر في الصراع، وهو التحفظ الدولي الذي يعكس حالة القلق المتزايد من الانخراط في نزاع عسكري معقد لا يستند إلى غطاء قانوني دولي واضح.
وعلى الصعيد الدولي، فإن أحد أبرز أوجه الجدل المحيط بالتصعيد العسكري الحالي يتمثل في مسألة شرعيته القانونية، فالحرب التي اندلعت ضد إيران لا تستند إلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي الأمر الذي يجعلها، من منظور القانون الدولي موضع تشكيك واسع. وفي ظل غياب مثل هذا التفويض، لا تجد الدول الأخرى أساسًا قانونيًا واضحًا يبرر مشاركتها في العمليات العسكرية أو في المهام المرتبطة بها، مثل عمليات مرافقة السفن عبر المضيق.
ورغم أن كلًا من الولايات المتحدة وإيران وقعتا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن أياً منهما لم يصادق رسميًا على هذه الاتفاقية. ومع ذلك، ظلت إيران في معظم الأحيان ملتزمة عمليًا بقواعد الملاحة الدولية، حيث أدارت حركة السفن في مضيق هرمز وفق نظام لتنظيم المرور البحري يقوم على مسارين منفصلين للملاحة. لكن مع تصاعد التوتر العسكري، شهد المضيق سلسلة من الهجمات على سفن تجارية، كما فرضت إيران نظامًا للتحقق من السفن العابرة يسمح بمرور السفن التابعة للدول التي تعتبرها صديقة، ما أدى عمليًا إلى تقييد حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.
وعلى جانب آخر، أدت العمليات العسكرية الجارية إلى اضطراب ملحوظ في أسواق الطاقة العالمية، حيث أثرت التوترات الأمنية في مضيق هرمز على تدفقات النفط والغاز. ومع ذلك، يبقى السؤال المطروح: ما الهدف الاستراتيجي من هذه الحرب؟
يرى منتقدو السياسة الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب اندفع نحو التصعيد العسكري مستندًا إلى تجارب سابقة خلال ولايته الثانية، مثل الضربة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وكذلك العملية العسكرية التي استهدفت القيادة السياسية في فنزويلا مطلع عام 2026. وقد عززت هذه العمليات، وفق بعض التحليلات، قناعة لدى ترامب بإمكانية تحقيق مكاسب سياسية سريعة عبر القوة العسكرية.
غير أن غياب أهداف واضحة للحرب، وعدم التشاور مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إضافة إلى عدم الحصول على دعم صريح من الكونغرس الأمريكي، كلها عوامل تدفعنا نحو وصف التدخل العسكري الأمريكي بأنه خطوة محفوفة بالمخاطر أدخلت واشنطن في مأزق جيوسياسي معقد.
وفي حين تقترح الإدارة الأمريكية تنفيذ عمليات بحرية دولية لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، وهي إجراءات عادة ما تُستخدم في أوقات الحرب لحماية السفن المدنية أثناء عبورها مناطق النزاع، يبدو أن الوضع الراهن يختلف عن حالات النزاع التقليدية، إذ لم يتم إعلان الحرب رسميًا على إيران، ما يجعل الإطار القانوني لمثل هذه العمليات غير واضح.
إضافة إلى ذلك، لم يعد الصراع مقتصرًا على الولايات المتحدة وإيران فقط، بل امتد تأثيره دول أخرى طالتها الهجمات الإيرانية في الخليج العربي، بزعم الرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية كونها انطلقت من أراضي هذه الدول، ورغم أن هذه الهجمات استهدفت في البداية قواعد عسكرية أمريكية، لكنها لاحقًا شملت منشآت مدنية واقتصادية وبنية تحتية في المنطقة.
وعلى ذلك، يمكن القول إن أي عملية بحرية متعددة الجنسيات لمرافقة السفن لن تكون كافية لمنع استمرار التوترات أو الحد من تداعياتها الاقتصادية على المستوى العالمي. ورغم أن الرئيس الأمريكي يميل نحو مقارنة فكرة مرافقة السفن في مضيق هرمز بالعمليات الدولية الناجحة لمكافحة القرصنة في خليج عدن، لكن هذا القياس يظل محل جدل، نظرًا للاختلاف الكبير بين طبيعة التهديدين.
واستراتيجيا، ونظرا لأهمية مضيق هرمز كونه يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم؛ إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة داخل المضيق قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق. وفي هذا السياق، يمنح موقع المضيق إيران أداة ضغط استراتيجية مهمة، فحتى دون اللجوء إلى إغلاقه بالكامل، يمكن لطهران التأثير في حركة الملاحة عبر إجراءات مختلفة، مثل التفتيش البحري أو استهداف السفن أو التهديد باستخدام الألغام البحرية، وإن كانت ثمة رؤية بأن فرض حصار كامل عبر زرع الألغام البحرية قد لا يكون خيارًا مفضلًا لإيران، لأن عمليات إزالة الألغام لاحقًا غالبًا ما تقع تكلفتها الأساسية على الدولة الساحلية نفسها، لكننا نرى أن الخيار التحليلي الأمثل هو التأني في الحكم على مثل هذا التوجهات التي ترتبط بكثافة العمليات والدواعي التكتيكية بحسب تقديرات الجانب الإيراني نفسه.
بشكل عام، وفي ظل هذا التطورات فإن أبرز ما يميز المشهد العام هو غياب اليقين بشأن الأهداف الاستراتيجية للعمليات العسكرية الجارية، فغياب رؤية واضحة للحرب يزيد من مخاطر انزلاق الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد، على غرار الحروب الممتدة التي خاضتها خلال العقود الماضية في إطار مكافحة الإرهاب. لاسيما وأن بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، مثل كوريا الجنوبية، أبدوا استياءهم من طريقة إدارة الأزمة، إذ نقلت واشنطن منظومات دفاعية متقدمة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط في وقت سابق ودون تنسيق مسبق، أي قبل أن تطلب لاحقًا مشاركة بحرية كورية في عمليات تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
بعبارة أخرى، فإن أزمة مضيق هرمز تبدو أكثر من مجرد أزمة ملاحية أو عسكرية عابرة؛ فهي تعكس تعقيدات التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتكشف في الوقت نفسه عن المخاطر التي قد تترتب على التصعيد العسكري غير المحسوب. كما أن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، ليؤثر في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولية. ومن ثم، فإن معالجة الأزمة تتطلب مقاربة استراتيجية أكثر توازنًا، تقوم على وضوح الأهداف السياسية والعسكرية، وتعزيز المسار الدبلوماسي لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
-----------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






