حين مررتُ بها وهي تجلس على كرسي المحل، في مواجهة الداخلين، كنت أخشى هذا المرور، فقد تحاشيته عدة مرات منذ تقرر قطع المعونة عنها؛ لأسباب رأى صاحب المال ضرورة تمويل غيرها، حيث تناهى إلى مسامعه أن هذه المرأة وزوجها صارا معروفين لدى الكثير من المحسنين، وبالتالي فهناك العديد منهم يحسنون إليهما، كان هذا القرار في بداية شهر رمضان المعظم، وهو شهر العطاء والإحسان، ولم أجادله كثيرا في هذا، ففي رمضان تكثر الصدقات والعطايا ويبحث المحسنون عن المستحقين من ذوي الفاقة والمسكنة وأصحاب الأمراض والعجز عن العمل وغير ذلك، ثم ينتهي رمضان وتكاد تنقطع تلك المعونات كافة، إلا ما كان متصلاً قبلها.
كنتُ أجدُ مشقة في إعطائها المبلغ المتفق عليه كل شهر، لكني كنت أرى ضرورة هذا المبلغ، فهي المرأة التي صانت زوجها حين تخلى عنه الجميع، فقد كان يحبها وهي في المرحلة الإعدادية، وينتظرها أمام المدرسة، ثم سافر عدة سنوات للأردن حتى يجهز شقة الزوجية لما أخبره والدها ألا زواج إلا بعد إتمام الدبلوم.
كان يعمل في عدة مهن، منها قيادة السيارات والبناء، ثم لما تقدم به العمرُ وبدأت عظامه تمرض وتبطئ به عن الكسب، امتهن مهنة سمسرة السيارات لحساب الغير، ولم يُرزق منها بولد، تحملت معه كافة تقلبات العيش، ثم أقعده المرض نهائياً، وفشل في الحصول على معاش من الدولة، ولم يستطع الحصول على معاش تكافل وكرامة، وكان عاجزاً عجزاً كلياً اقترح عليها البعض التطليق منه ولو على الورق؛ ليتسنى لها التقديم على معاش مطلقة، لكنها أبت هذه الفكرة، وقالت: لا حيلة في الرزق.
كنتُ ألممتُ ببعض ظروفها وزكيتها لذوي اليسار والعطاء فأقروا لها مبلغاً شهرياً يساعدها على العيش، وظللت طوال ثلاثين شهراً أجدُ مشقةً في إيصال هذا المبلغ إليها، لكنها تقبله تحت وطأة الظروف الحالكة.
ثم لما تقرر قطع هذا العطاء، وجدتني أتحاشى لقاءها، ولكن ما الحيلة، إنها قد تخرج لبعض شئون البيت، ونلتقي في الطريق، كنت أتصنع أي عمل يبعدني عن لقاء عيونها، وكنت أمرُّ على المحل الذي تعمل فيه، فلا أنظر إلى مدخل المحل، وكانت حيية، تستحي من النظر في وجوه الناس.
لكن هذه المرة التقت عيني بعينيها، خلسة دون توطئة أو تقدير سابق، وجدتني أنظر إليها ووجهها ناحيتي، فخجلتْ وتوارتْ عيونُها عني، في لحظة لم تستغرق أقل من الثانية، كلمحٍ بالبصر، لكن هذه البرهة الضئيلة التي لا تعد زمناً كانت كفيلة بأن تخجلني وتوقفني على فداحة الجُرم التي ارتكبته في حقها، كيف لي أن أساعد على قطع شهريتها؟
آلمتني نظرتها، آلمني أنها تود أن تتوارى عني، في لحظة ضعف ترغب أن يتوارى عن غيرها، كادت تقول إن خير الأعمال عند الله أدومها وإن قلَّ.
كادت تسألني تلك النظرة التي توارت عني ألف سؤال، وتودُّ لو أن الأرض ابتلعتها وابتلعت تلك الأسئلة، رأيت في هذه اللحظة الزمنية الخاطفة الشيء ونقيضه، الجنة والنار، العمران والدمار، الجمال والقبح، الفلاح والخسران.
نظرة تحمل من المعاني ما تعجز عنه المؤلفات الكبرى، كانت خجلى من ضعفها ومن احتياجها، ومن حاضرها ومستقبلها، بقدر ما خجلت من ماضيها، كأنها تعرت يوماً بقبولها تلك المساعدة، وها هي ذي اليوم تحتاجها ولكن لا حيلة في طلبها.
أرهقتني تلك المرأة، أرهقني الضعف الذي أكلني فصيرني أسير تلك النظرة، أجتهد لفهم أغوار الإنسان، أجتهد لأغوص في أعماقه البعيدة، لكن هيهات لعاجز مثلي أن يفهم مدى قدرة المرأة على إخفاء الآلام والعوز.
إنها نظرة أوقفتني أمام عجزي الكلي، ووضعتني أمام آلة تشريح تؤكد لي ضعفي وخيبتي وقلة حيلتي، فهل إلى هذا الهوان من خروج؟
-------------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش






