من عام إلى عام، ومنذ العام 2012 وحتى هذا العام، وتقرير السعادة العالمي يطل علينا كوثيقة بيروقراطية صادرة عن جهة لا نعرفها "شبكة حلول للتنمية المستدامة" (SDSN)، التابعة للأمم المتحدة، تحمل في طياتها سخريتها الباردة.. والفنلنديون، هناك في تلك القلعة الشمالية التي لم يزرها أحد منا قط، يحتلون للمرة التاسعة على التوالي مقعد الصدارة، كأن الأمر إرث عائلي لا يقبل المنافسة.. يجلسون على عرش من جليد، يتنفسون هواءً متجمّداً لا يليق إلا بمن لا يشعر بالبرد أصلاً، ويمسحون بذلك الجليد الأبيض على وجه الخريطة، كأنما يقولون للعالم: "الأمر ليس صعباً، هكذا تكون الحياة حين تُرتَّب من البداية".
أما نحن في مصر، فلدينا موهبة أعظم؛ وهي تحويل أي إحصاء، مهما كان محرجاً، إلى ملحمة وطنية تصلح لأن تُدرَّس في كليات الفلسفة تحت عنوان: "كيف لا ترى ما تراه عيناك".. نتصفح الترتيب بأيدٍ مرتجفة قليلاً، ثم نغمغم ببراءة: "الحمد لله على نعمة أننا لسنا آخر الناس".. وفي هذه الغمغمة الصغيرة تتأسس فلسفة كاملة: أن السعادة ليست أن تكون في المقدمة أو فوق أحد، بل أن تكتشف أن هناك أحداً تحتك.. أن تجد من هو أسوأ حالاً، فتستريح، وتكمل طريقك في هذا الزحام الذي لا يعرف السعادة، بابتسامة مصرية أصيلة شعارها: "ما دام في حد ورانا، فإحنا كويسين".
وهنا تكمن العبثية السوداوية: شعب صاحب أعظم حضارة عرفها التاريخ، علم البشرية معنى العدل والكتابة والبناء، يُختزل اليوم في معادلة بسيطة: "لسنا آخر الشعوب".. فشعب كان يمكن أن يعلم الفنلنديين معنى السعادة قبل أن يعرفوا معنى النار، يجد نفسه اليوم في مؤخرة القطار، لكنه لا يغضب، بل يفتش في ذيل القائمة عمن هم أسفل منه ليطمئن.. كأن التاريخ الطويل لم يكن ليخلق فينا إحساساً بالاستحقاق، بل ليخلق فينا موهبة فائقة في التكيف مع أي مقعد، حتى لو كان في العربة الأخيرة، مقلوباً، تحت الأمتعة.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الإنجازات.. فنحن - وبفضل تضافر الجهود الوطنية - استقر بنا المقام في المركز التاسع والثلاثين بعد المائة (139) من بين مائة وسبع وأربعين أمة (147)، في سباق طويل نهايته لا تشبه بدايته.. فلقد نجحنا في تحقيق ما يشبه المعجزة: تقدَّمنا بفارق شاسع عن أفغانستان، تلك البقعة التي حظيت بشرف احتلال المركز الأخير، لتكون خاتمة المسك لقائمة الأمم المتحدة.. ونحن لسنا نطمح أن نكون أسعد شعب على وجه الأرض، هذا صحيح، لكننا - وطبقاً لمبادئ المعادلة الوطنية - لسنا أفغان.. وهذا، في منطق الأمم التي تبحث عن موطئ قدم في زمن تطايرت فيه الأقدام، يعد إنجازاً دستورياً لا يُستهان به، يستحق أن يُخلَّد بتمثال في ميدان التحرير، ولا أعرف لمن سيكون التمثال، ولكني أعرف أنه سيكون عليه لافته مكتوباً عليها: "آخرون أقل منا، وهذا يكفينا".
وفي اللحظة التي يصبح فيها الحلم الوطني - بعد طول تفاوض مع الواقع - هو "ألا نكون الأسوأ"، تتحول الحياة كلها إلى كوميديا سوداء تُعرض على مسرح إقليمي لا يخلو من الجيران.. فبينما تحتل أفغانستان ذيل القائمة بجدارة، نجد أنفسنا محشورين في جوار حميم مع الكونغو الديمقراطية وتنزانيا ولبنان واليمن، وكأن الجغرافيا قررت فجأة أن تجمعنا في نادٍ إقليمي مغلق عنوانه: "من لا يستحقون التعاسة وحدهم".. ونحن جميعاً في حفلة عيد ميلاد واحدة، لكن الكعكة فيها حنظل، ولا شمع للإضاءة، والموسيقى تصادر من وقت لآخر.. جيران لطفاء في التعاسة، تجمعنا بهم وشائج قراءة لا تعلنها وزارات الخارجية، لكنها تعلنها الأرقام.
وفي هذا الجوار الحميم، تتجلى عبقرية التكيف: أن البؤس حين يصبح جماعياً يتحول إلى شبكة أمان.. فأن تكون تعيساً مع جيرانك أحياناً أفضل من أن تكون تعيساً وحدك.. ونحن في مصر، شعب الحضارة التي علمت العالم معنى الجوار، نؤدي دورنا التاريخي: نستضيفهم في قاع الترتيب، ونقدم لهم نموذجاً في الصبر على المقعد، لأننا نعرف أن السعادة الحقيقية ليست في أن تكون فوق أحد، بل في أن تجد من يجلس إلى جوارك، فتنسى للحظة أن المقعد كله مكسور.
لكن المفارقة الأعمق هي أن دولاً تعيش تحت سماء تتساقط عليها القنابل كأنها أمطار صيفية، وشعوباً خاضت في إبادات جماعية، استطاعت أن تتقدم علينا في ترتيب السعادة.. ففلسطين، رغم كل ما يجري فيها، احتلت مرتبة تسبقنا، وكأنها تطل من تحت الأنقاض لتقول: "انظروا، حتى ونحن نحصي ما فوقنا من حجارة، نبتسم أكثر منكم وأنتم تحصون الفواتير".. وإيران، وهي تخوض حربها الدائرة، تتفوق علينا أيضاً، وكأن الحرب عندهم موسيقى تصويرية خفيفة تجعل للحياة إيقاعاً جهادياً.. وليبيا والصومال، اللذان لو قلت لصديق مقرب "سافر إليهما في إجازة" لاعتدى عليك بالكلام، أحرزا تقدماً طفيفاً في سباق السعادة.
فهذه الدول - بكل المقاييس المنطقية - كان المفروض أن تكون معنا في عربة الذيل، أو حتى تحت العجلات، لكنهم وجدوا لأنفسهم مقاعد أفضل قليلاً في صالة انتظار التعاسة العالمية.. وكأن القنابل تمنح أصحابها دفعة معنوية خفيفة، وكأن غياب "الاستقرار" الذي نفتخر به أحياناً يكون أكثر راحة للأعصاب من وجوده المستقر الذي لا يتحرك ولا يتركك تتحرك.
وهنا تتجلى الحكمة الأكثر إيلاماً: أن الاستقرار الذي نحمله راية قد لا يكون أكثر من غرفة مغلقة بإحكام، لا تدخلها القنابل، صحيح، لكن لا يدخلها الهواء أيضاً.. بينما أولئك الذين في العراء، تحت القنابل، يتعلمون أن يعيشوا كل لحظة وكأنها آخر لحظة، فيجدون فيها معنى لا نجده نحن في سنواتنا الطويلة المستقرة.. إنهم يرقصون على إيقاع الخطر، ونحن نتململ على إيقاع الروتين.. والفارق بين الرقص والتململ هو الفارق بين أن تكون حياً بشقاء، أو أن تكون ميتاً ببطء.
وهنا يطل السؤال الوجودي الأكثر طرافة: هل نحن حقاً أبأس حالاً ممن تسقط عليهم القنابل ما بين الفطور والغداء؟ هل العيش تحت سماء تمطر صواريخ، خير من الوقوف في طابور الخبز تحت الشمس، وأنت تعرف أن الصواريخ القادمة تحمل اسماءنا؟ أم أن السعادة - حسب معادلات التقرير - تخضع لمنطق رياضي غريب، لا مكان فيه لوزارة التموين، ولا لعداد الكهرباء الذي يقفز كالجراد، ولا لسعر العملة الذي يهبط أسرع من المصعد المقطوع، ولا حتى لقدسية الأقداس: الفول والطعمية؟
إنها عبثية تحول الاستقرار إلى التعاسة المنظمة بامتياز: أن تكون في حالة استقرار لا يحسدك عليه أحد، وأن ترى من تحت الأنقاض من يلوح لك مبتسماً، فتتساءل: أين الخلل؟ هل الخلل في تعريف السعادة أم في تعريف الاستقرار؟ أم أن المشكلة أعمق: أن الاستقرار الذي نعيشه هو نفسه نوع من الحرب، لكنها حرب باردة تدار ضد مواطنيها بلا قنابل، فقط بفواتير وطوابير وأسعار وقوانين وضرائب ورسوم وأرقام لا تنتهي.. حرب لا تجعلك بطلاً، بل تجعلك مواطناً مستهلكاً يدفع الثمن مرتين: مرة في الطابور، ومرة في الحلم.
الحقيقة أن التقرير يضع أمامنا ثلاثة مفاتيح للسعادة: الدخل، ومتوسط العمر، والدعم الاجتماعي، ثلاثة مفاتيح لطيفة، لو كانت تعمل.. لكن قفل الحياة المصري صُنع في شركة مختلفة تماماً، لا تصدر كتالوجاً، ولا ترد على الشكاوى، وتتخصص في صناعة أقفال لا تفتح إلا من الداخل.
فالمصري العادي، ذلك البطل المجهول الذي اضطر أن يمثل في مسرحية تراجيدية من تأليف الظروف وإخراج الغلاء، يستيقظ كل صباح ليواجه معادلة لا يستطيع حلها أينشتاين نفسه: كيف تكون سعيداً ودخلك بالجنيه المصري يتخذ منحى هبوطياً حاداً لدرجة أنك لو حملته فوق برج القاهرةوأسقطته، لوصل إلى الأرض قبل أن تنزل أنت على السلالم؟ إنه أداء استعراضي في القفز بالمظلات، دون مظلة، ودون تصفيق في النهاية.
ثم كيف تبتسم والغلاء يضرب أرقاماً قياسية في أولمبياد رفع الأسعار، ويتوج بذهبية كل يوم باسم سلعة جديدة لم تكن تعرف أن لها ثمناً؟ الغلاء عندنا لم يعد مجرد أزمة، أصبح رياضة وطنية معترفاً بها، والمواطن هو المتفرج الإجباري الذي يدفع ثمن التذكرة من جيبه مرتين.
وأما الدعم الاجتماعي - تلك الشبكة الإنسانية - فله في القاهرة معنى آخر: هو دعم عضلات قدميك فقط، حين تقف في زحام لا يرحم.. والزحام المصري هو أصدق تعبير عن التكافل الاجتماعي: كلنا ندعم بعضنا بالدفع والتدافع، ونحن نردد في سرِّنا: "إنما الأمة كالجسد، إذا اشتكى رأساً تداعت له الأقدام بالزحام".
وفي خضم هذه التفاصيل التي لا يراها التقرير، تتجلى الحكمة العبثية الأكثر قرباً: أن النظام لا يحتاج إلى أن يكون عادلاً ليدوم، بل يحتاج فقط إلى أن يكون مألوفاً.. والمصري، الذي ربما كان يمكنه أن يصنع من الحجر معجزة، تعلم أن يصنع من العبث ألف معنى.. تعلم أنالسعادة ليست في أن تحل المعادلة، بل في أن تنسى أن هناك معادلة أصلاً.. تعلم أن الغلاء ليس عدواً يحاربه، بل هو حالة طقسية نتكيف معها.. تعلم أن الزحام ليس مشكلة، بل هو الطريقة الوحيدة التي نشعر بها أننا معاً ولسنا وحدنا.
وإذا كان الفلسطيني، رغم القصف والتهجير، لايزال يتمتع بدرجة سعادة نسبية تفوق درجتي، فأنا أتقدم بطلب عاجل لتحقيق رسمي: ماذا يفعل الفلسطيني ولا نفعل نحن؟ هل السر في "الدخل" الذي غاب عن جيوبنا؟ أم أن السعادة في مصر تحتاج إلى ترخيص مسبق من الوزارات المختصة، وما زلنا ننتظر الرد؟ أم أن المشكلة أعمق: أن الفلسطيني يملك عدواً واضحاً يحاربه، أما نحن فلا نعرف هل عدونا هو الفاتورة أم الطابور أم سعر الصرف أم كل ذلك معاً؟
والخلاصة: أن الشعب المصري يمارس رياضة التحدي الأكثر عبثية: كيف تبقى واقفاً على قدميك وأنت تحتل موقعاً في مؤخرة الركب يجعل حتى من خلفك يصعب عليه رؤيتك؟ ربما المشكلة ليست في الدخل ولا في الخدمات.. وربما نحن لسنا تعساء بالمعنى الدقيق، ربما نحن فقط نمر بمرحلة "تجميل للتعاسة"، نضع فيها طبقة خفيفة من المساحيق الوردية على وجه الواقع القاسي، ثم نقول لأنفسنا: "هي كده، تقبلها أو ارحل".
أو ربما - وهذا الاحتمال الأكثر حكمة وإيلاماً - أننا أدركنا مبكراً أن السعادة مبالغ فيها، وأن الجلوس في المركز 139 أفضل بمراحل من الجلوس في المركز 147، لأن هذا الفارق الصغير يمنحنا شيئاً ثميناً: الأمل.. الأمل في أن نتراجع أكثر العام القادم أو نتقدم قليلاً، لكن المهم أننا لسنا أفغانستان.. فطالما هناك من هو أسوأ، فإن الرضا ممكن، والنوم هنيء.
في النهاية، كما يقول المثل المصري المتجدد الذي نردده كتعويذة وطنية: "إحنا في نعمة، واللي مش مصدق يروح يشوف أفغانستان".. هذه الجملة البسيطة تحمل فلسفة متكاملة: أن السعادة ليست فيما تملك، بل فيمن ترى أمامك في الطابور.. طالما هناك من يقف خلفك، فأنت في المقدمة.. بهذه العبقرية المنطقية، نغلق ملف التقرير عاماً بعد عام، ثم نعود إلى غرفنا، نشغل فيلماً هندياً، نضحك على نكاته المتوقعة، ونبكي على مشاعره المفتعلة، وننسى أننا كنا قبل قليل نبحث عن السعادة في ورقة رسمية، فلم نجدها، فقررنا أن نخلقها بأنفسنا من وهم أن الغير أسوأ حالاً.
إنها الحكمة المصرية العظيمة التي تليق بشعب صاحب أعظم حضارة على الأرض: أن تحوِّل القاع إلى منصة انطلاق لا تنطلق، وأن تجلس في المركز 139 وأنت مقتنع أن هذا ليس إخفاقاً، بل موقف وجودي متقدم على من خلفك بثماني خطوات.. وأن تبتسم ابتسامة صفراء، لا لأنك سعيد، بل لأنك اكتشفت أن السعادة الحقيقية ليست في أن تكون فوق الجميع، بل في أن تجد من هو تحتك، فتطمئن، وتنام، وتحلم حلماً قصيراً: أن تظل كما أنت، لا تقدماً ولا تراجعاً، فقط أن لا تكون الأخير.. وهذا - في زمن ضاعت فيه كل الأحلام الكبيرة - هو الحلم الوحيد الذي لم يخب.
-----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






