29 - 03 - 2026

التحالفات تتشكل والأساطيل تتحرك: هل دخلت تركيا مرحلة الحصار؟

التحالفات تتشكل والأساطيل تتحرك: هل دخلت تركيا مرحلة الحصار؟

يتصاعد المشهد في شرق المتوسط بوتيرة لافتة، حيث تتكثف التحركات العسكرية الأوروبية في محيط جزيرة قبرص بالتوازي مع حالة التوتر الإقليمي المرتبطة بالملف الإيراني، ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة هذه الاستعدادات وحدود أهدافها الفعلية. فخلال الأيام الأخيرة، برز حضور بريطاني متقدم عبر إرسال آلاف الجنود وثلاثة أسراب من الطائرات المقاتلة، إلى جانب نشر المدمرة HMS Dragon (D35)، في إطار انتشار مُعلن لحماية الجزيرة ومصالحها في شرق المتوسط، بالتوازي مع العمل على تطوير منظومات مراقبة تعتمد على الأقمار الصناعية لتعزيز القدرة الاستخباراتية في المنطقة.

في المقابل، لم تكتفِ فرنسا بالدعم السياسي، بل دفعت بمعدات بحرية ثقيلة، وأكدت التزامها بشراكة أمنية مع اليونان، في سياق مواجهة ما تصفه بالتمدد الجيوسياسي التركي، الممتد من بلاد الشام إلى أجزاء من إفريقيا. هذا الحراك لم يكن منفردًا، إذ انخرطت كل من ألمانيا وإيطاليا في مناورات بحرية مكثفة قبالة السواحل القبرصية، بينما وسّعت هولندا وإسبانيا نطاق انتشارها البحري، ما جعل شرق المتوسط يبدو وكأنه مسرح مفتوح لحشد أوروبي واسع النطاق.

ورغم أن المبررات الرسمية تركز على حماية قبرص، إلا أن طبيعة وحجم هذا الانتشار يتجاوزان بكثير حدود الدفاع التقليدي، ما يعزز الانطباع بوجود استعدادات لسيناريوهات تصعيد محتملة، ربما لا تزال ملامحها قيد التشكل. في هذا السياق، جاء الرد التركي سريعًا، حيث عززت تركيا وجودها العسكري في شمال الجزيرة، ونشرت مقاتلات F-16 Fighting Falcon إلى جانب أنظمة دفاع جوي، في رسالة واضحة برفض أي محاولة لإعادة رسم موازين القوى في الجزيرة دون حضورها الفاعل، وهو ما يعيد تكريس واقع الانقسام القبرصي كخط تماس عسكري بين نفوذ أوروبي في الجنوب وتركي في الشمال.

وفي خضم هذا التوتر، يبرز دور إسرائيل كعامل مضاعف لتعقيد المشهد، إذ يتزامن هذا الحشد مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي الذي يضع تركيا ضمن دائرة التهديدات الأمنية، إلى جانب إيران تمامًا. وتدفع هذه الرؤية باتجاه إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة، خصوصًا في ظل التنافس الحاد على موارد الطاقة في شرق المتوسط. فمنذ اكتشاف حقول الغاز، سعت إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كمصدر وممر للطاقة نحو أوروبا، وهو ما التقى مع مصالح الاتحاد الأوروبي في تقليص الدور التركي في هذا الملف، الأمر الذي تُرجم إلى شراكات استراتيجية مع كل من قبرص واليونان خلال العقد الأخير.

ضمن هذا الإطار، يمنح الحضور الإسرائيلي في قبرص عدة مزايا استراتيجية، من بينها إمكانية استخدام الجزيرة كنقطة ارتكاز لعمليات عسكرية محتملة في محيط غزة، فضلًا عن دورها في التأثير على التوازنات اللبنانية، ومراقبة التطورات في سوريا، خاصة في ظل التقارب المتزايد بينها وبين تركيا. وهكذا، يتشكل في شرق المتوسط مشهد شديد التعقيد، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والتحالفات المتغيرة، في منطقة لم تعد تعرف الثبات، بل تتحرك على إيقاع توازنات قابلة للانفجار في أي لحظة.
------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير


مقالات اخرى للكاتب

التحالفات تتشكل والأساطيل تتحرك: هل دخلت تركيا مرحلة الحصار؟