من الجوانب التي تستحوذ على اهتمامي التفسير النفسي للشخصية التاريخية؛ لما له من دور في كشف بعض الجوانب الغامضة التي تحيط بالشخصية، وقد يسهم أيضا هذا التفسير النفسي في تبرئة ساحتها مما قد يلحق بها بأنها السبب فيما وصل إليه الآخر إلى مصيره، خاصة لو كانت النهاية سلبية على نحو ما سيتضح عند الحديث عند الحديث عن :- كسيلة بن لمزم الأوربي وجبلة بن الأيهم.. وقد يؤدي الحديث عنهما إلى مايسمى بالتفسير الديني لمسلكهما
أما الأول فقد برز دوره واضحا أثناء أحداث الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، خاصة في ظل حملة التابعي الجليل عقبة بن نافع في حملته الأولى التي امتدت إلى مابين سنوات (50 _55) من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الفترة التي شهدت بناء مدينة القيروان، ثم حملته الثانية التي شهدت اشتشهاده على أرض المغرب في سهول تهودة بعد أن ثأر منه كسيلة زعيم البربر الذي انتقم منه...
و كسيلة هو زعيم من قبائل البربر ينتمي إلى قبيلة البرانس، من قبيلة اوربة، وتعرف الآن باسم بوربة فقط، ويقال إنه كسيلة بن لمزم الأوربي البرانسي، وقبائل البرانس تميل إلى التحضر والاستقرار عكس البربر البتر الذين يميلون إلى البداوة.
بيد ان مايهم هنا هو أن عقبة بن نافع لم ينجح في استمالة قلب كسيلة إلى الإسلام، ومساعدة الرجل في الحفاظ على إسلامه، وتشير المروية التاريخية أن كسيلة قد دخل في الإسلام، وهو زعيم في قبيلته، وان عقبة بن نافع أراد من غلمانه ان يقوموا بسلخ شياه له ولجنده، وان عقبة طلب من كسيلة قيامه مع غلمانه، بما لا يحفظ له مكانته بين قومه كقائد وزعيم لقبيلته، مع ان في غلمان كسيلة مايكفي لعدم مشاركة كسيلة.. وقد كان مسلك عقبة هذا سببا في تغير نفسية كسيلة عليه، وذكرت بعض الكتابات عن عقبة إنه لم يتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في هذا المسلك، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتألف جبابرة العرب، وان كسيلة كان حديث عهد بالكفر، وان في تكليفه بسلخ الشياه مع غلمانه ما يعد تقليلا من شأنه كزعيم وقائد في قبيلته، وهذا يفسر دور ابي المهاجر دينار - احد قادة الفتح بعد عقبة - في استخدام سياسة الاستمالة، وهي التي اعتمدت على حسن معاملته لكسيلة وتليين جانبه له وإنزاله منزلته في قومه.. ومن المعروف كما قال ابن خلدون إن العامة على دين الملك.، وان دخول كسيلة في الإسلام يعني دخول البربر - وخاصة البرانس - معه..... وهذا يذكر أيضا بما كان من جبلة بن الأيهم...، وهو الشخصية الثانية التي تخضع في مقالتي لهذا التفسير النفسي. والديني .... فمن هو جبلة بن الأيهم؟
هو الشخصية الثانية في إطار التفسير المذكور، وقد كان الرجل آخر ملوك مملكة الغساسنة، وهي من الممالك العربية في بلاد الشام، والمعروفة في أحداث تاريخ العرب قبل الإسلام... وقد دخل جبلة في الإسلام، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛أاقول في أثناء طوافه داس احد الاعراب على ردائه بقدمه دون قصد، أو تعمد، فما كان من جبلة إلا أن لطمه على وجهه لطمة قاسية، دفعته إلى شكواه عند أمير المؤمنين الذي أبى إلا أن يقتص الأعرابي من جبلة
وهنا تشير الكتابات التاريخية إلى أن جبلة أخذته العزة بالاثم، وحدثته نفسه أنه الملك، ولا يليق به أن تتم معاملته على هذا النحو الذي يسمح للاعرابي بالقصاص العادل.. وهو ما دفعه إلى الهروب إلى الشام عند ملك الروم، وارتد عن الإسلام، ومات على المسيحية.
وهناك من الكتابات التاريخية مايحمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مسؤولية ماحدث لجبلة، وأنه تعامل معه بقسوة، كانت سببا فيما آل إليه مصيره، وهو نفس ما أعيب به على عقبة بن نافع فيما آل إليه مصير كسيلة.
ورغم أن المرء لايستطيع إنكار مدى ما اتصف به عقبة بن نافع من حماسة دينية تجاوزت حد الاعتدال في جهاده؛ إلا أن هذه الحماسة لاتعد عيبا في حد ذاتها، ويكفيه دوره في الجهاد وما سبق بيانه... والأرجح في إطار هذا التفسير النفسي ان كسيلة - ومثله جبلة - لم تتشرب نفسهما تعاليم الإسلام جيدا، وظل في نفسهما شيء من حمية الجاهلية، والكبر والعجب والهوى وهي جميعها أمور مهلكات للنفس الإنسانية كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعحاب المرء بذاته، او ان الله سبحانه وتعالى قد اطلع على قلبيهما فوجدهما لم يؤمنا، كما هو الحال في قوله سبحانه وتعالى. قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.... الآية.... أو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يمحص مافي قلبيهما، طبقا لما جاء في قوله سبحانه وتعالى.. أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لايفتنون.. الآية
وقد يبدو هنا مدى اختلاط التفسير النفسي بالتفسير الديني للحدث التاريخي، وللشخصية التاريخية بصفة خاصة.
فقط أريد ان أشير في نهاية مقالي إلى أن شخصية جبلة كانت سباقة على ما حدث من كسيلة لكن الأخير هو الذي أدى إلى استحضار الأول في الذاكرة التاريخية عند كاتب المقال، وذلك لتشابههما، كما أن في هذا مايكفي لتبرئة ساحة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، والتابعي الجليل عقبة بن نافع رضي الله عنهما مما نسب إليهما في أنهما كانا السبب في مصير الشخصيتين المذكورتين.. فقد لقي كسيلة حتفه مقتولا على يد زهير بن قيس البلوي، احد قادة الفتح الإسلامي للمغرب، وختم جبلة حياته نصرانيا، مرتدا عن الإسلام....
وبهذا اكون قد ألقيت بظلال من التفسير النفسي والديني للشخصية التاريخية، داعيا ان يعود ذلك بالنفع لتراثنا وتاريخنا الإسلامي، وتنقية مسيرة الشخصيات الإسلامية، مما قد يلحقها من شوائب على يد البعض بقصد أو بدون قصد والله ولي التوفيق، وهو القادر على جمع شمل أمتنا إلى مافيه الخير والرفعة والصلاح..
-------------------------------
بقلم: د. عادل يحيي
باحث وأكاديمي وعضو اتحاد المؤرخين العرب.






