في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم يكن العالم يعلم أن الصواريخ التي اخترقت سماء إيران ستفتح باباً ليس فقط على الدمار، بل على واحدة من أكثر الألغاز السياسية تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط، فبينما كان الجميع يراقب أعداد القتلى التي تجاوزت الألفين، والجرحى الذين تجاوز عددهم المئات، كانت قصة أخرى تتشكل خلف الستار، قصة عن رجل لا يعرفه أحد، لكنه أصبح فجأة مفتاح السلام أو الحرب في واحدة من أكثر المناطق اشتعالاً في العالم.
فلم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل كانت كما بدا لاحقاً، كشفاً استخباراتياً درامياً عن بنية السلطة الحقيقية في طهران، ففي خضم القصف الذي استهدف المنشآت النووية والبنية التحتية للطاقة، كان فريق الرئيس ترامب يكتشف أن من يدير اللعبة في الجانب الإيراني ليس المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي الذي انتخب في الثامن من مارس بعد صراع محتدم، ولا الرئيس المنتخب بصناديق الاقتراع، بل شخص آخر، وُصف بأنه "اللغز غير المعلن" و"صانع القرار الخفي" الذي ظل لعقود يعمل في الظل، بعيداً عن كاميرات التلفزيون وبيانات الرئاسة.
وفي مساء السبت الثاني والعشرين من مارس، وضع الرئيس ترامب العالم أمام أمر واقع: على إيران أن تفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية خلال ثمان وأربعين ساعة، وإلا فإن الولايات المتحدة "ستُبيد" محطات الكهرباء الإيرانية، بدءاً من أكبرها، كان التهديد واضحاً، وكانت الدقائق تعد تنازلياً نحو موعد انتهاء المهلة مساء الاثنين بتوقيت واشنطن.
لكن ما لم يتوقعه الكثيرون هو أن إيران لم تكتفِ بالصمت أو بالمناورات الدبلوماسية التقليدية، ففي الساعات التي تلت التهديد، أطلق الحرس الثوري الإيراني وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، ثم جاء التحذير الإيراني الأكثر خطورة: إذا ضربتم محطات الطاقة لدينا، فسنضرب كل محطة كهرباء تزود القواعد الأمريكية في المنطقة، وسنزرع الألغام البحرية في "الخليج العربي بأكمله"، وسنحول الممر المائي الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية إلى منطقة موت محظورة.
وفي الإمارات وحدها، اعترضت الدفاعات الجوية خلال يوم الاثنين سبعة صواريخ باليستية وستة عشر طائرة مسيّرة إيرانية، وكانت تلك مجرد جولة في حرب استنزاف بدأت تكشف أن إيران، رغم كل الضربات التي تلقتها، لاتزال تملك أوراق ضغط هائلة. وفي صباح يوم الاثنين، وقبل ساعات من انتهاء المهلة، فاجأ ترامب العالم بإعلان على منصة "تروث سوشيال": المهلة لم تعد ثماني وأربعين ساعة، بل خمسة أيام إضافية، والسبب، وفقاً لما كتبه الرئيس الأمريكي، هو "محادثات معمقة ومفصلة وبناءة" جرت خلال اليومين الماضيين بين الولايات المتحدة وإيران، وتحمل وعوداً بحل كامل وشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط.
لكن اللحظة التي بدا فيها أن العالم يقترب من هدنة، تحولت فجأة إلى لوحة أكثر غموضاً، ففي طهران، خرجت وسائل الإعلام الرسمية لتقول عكس ما قاله ترامب تماماً، وكالة "فارس" المرتبطة بالحرس الثوري نفت وجود أي اتصال مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية تصريحات ترامب بأنها "أخبار كاذبة تهدف إلى التلاعب بالأسواق وشراء الوقت لتنفيذ خططه العسكرية"، أما الإعلام الإيراني الرسمي، فذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن "ترامب تراجع عن إنذاره خوفاً من رد إيران".
هنا، في هذه اللحظة بالذات، انكشف لأول مرة ما كان يحدث خلف الستار: إيران الرسمية تنفي، وواشنطن تؤكد، وفي المنتصف هناك شخص لا أحد يعرفه يجلس على طاولة المفاوضات، وترامب نفسه، في تصريح للصحفيين، كشف أن الطرف الآخر ليس المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بل "شخص محترم" وقائد، رفض الكشف عن هويته قائلاً بصراحة صادمة: "لأنني لا أريد أن يُقتل".
ولفهم من يكون هذا "الرجل الخفي"، علينا أولاً أن نفهم من هو الرجل الذي انتخب مرشداً أعلى ولا يبدو أنه صانع القرار الحقيقي، فحجة الإسلام مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، انتخب في الثامن من مارس 2026 بعد صراع محتدم في الكواليس، حيث حصل على 59 صوتاً من أصل 88 في اقتراع سري جرى وسط إجراءات أمنية مشددة، لكن هذا الخيار، الذي لم يكن ضمن التوصيات التي تركها المرشد الراحل، تم فرضه بضغط قوي من قادة الحرس الثوري، الذين تدخلوا بشكل مباشر لحشد التأييد لمجتبى، معتبرين أن انتخابه "واجب ديني وأيديولوجي" في ظل الحرب.
لكن مجتبى، على عكس والده الذي نال لقب "آية الله العظمى" بعد توليه المنصب، لايزال حجة الإسلام فقط، وهي مرتبة دينية أقل، مما يجعله يفتقر إلى الشرعية الدينية التي كانت لأبيه، وهذا الضعف الديني، كما يرى المحللون، يزيد من اعتماده على الحرس الثوري لفرض سلطته، ويجعله في موقع "التابع" أكثر منه "المتحكم"، وترامب نفسه وصف مجتبى في مقابلة سابقة بأنه "ضعيف" و"غير مقبول"، مؤكداً أن الشخص الذي تتفاوض معه واشنطن ليس هو.
ومع استمرار الغموض حول هوية الطرف الإيراني، بدأت التفاصيل تتكشف عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية. فبعد أن أعلن ترامب أن المحادثات ستستمر طوال الأسبوع، تسربت معلومات حاسمة: الممثلون الإيرانيون أبلغوا الإدارة الأمريكية، عبر قنوات خلفية، أنهم يفضلون التفاوض مع نائب الرئيس جي دي فانس، وليس مع المبعوثين الأمريكيين التقليديين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ولم يكن هذا الاختيار عشوائياً، فالمصادر الإقليمية أكدت أن الإيرانيين يعانون "أزمة ثقة" بعد انهيار المفاوضات السابقة التي أعقبتها عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية، وكانت قراءتهم أن فانس، المعروف بمواقفه المتحفظة تجاه الحروب الطويلة ومعارضته للتصعيد العسكري المباشر، هو الأكثر تعاطفاً مع فكرة إنهاء الحرب، وأحد المصادر وصف الأمر ببساطة: "التصور هو أن فانس سيكون حريصاً على إنهاء الصراع".
لكن البيت الأبيض لم يبدِ استعداداً لتغيير الفريق التفاوضي، والمتحدثة باسم الرئاسة كارولين ليفيت أوضحت أن "الرئيس ترامب وحده هو الذي يقرر من يتفاوض نيابة عن الولايات المتحدة"، مؤكدة أن فانس وروبيو وويتكوف وكوشنر جميعهم مشاركون في الجهود الدبلوماسية، ومع ذلك ظل الباب مفتوحاً أمام احتمال عقد اجتماع في إسلام أباد نهاية الأسبوع، رغم أن المصادر أعربت عن تشككها في أن يتحقق ذلك.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن وطهران تتجادلان حول حقيقة وجود محادثات من عدمها، كانت باكستان تتحرك بسرعة لملء الفراغ الدبلوماسي، ففي اتصال هاتفي يوم الأحد، تحدث قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير مع الرئيس ترامب، في خطوة أوضحت أن إسلام أباد تضع نفسها في موقع الوسيط الإقليمي الرئيسي. لم يكن ذلك مجرد اتصال بروتوكولي، فباكستان، التي لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، والتي تربطها علاقات وثيقة بكل من طهران وواشنطن، كانت المرشح الطبيعي لدور الوساطة، ورئيس الوزراء شهباز شريف عرض استضافة "محادثات هادفة وحاسمة" بين الجانبين، كما تحدث مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرات متعددة منذ بداية الحرب، واللافت أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في رسالة بمناسبة العام الجديد الفارسي، خص باكستان بالذكر، معبراً عن مشاعره الخاصة تجاه شعبها.
لكن الأكثر إثارة كان ما كشفه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل جروسي، في مقابلة مع صحيفة كوريري ديلا سيرا الإيطالية، حيث قال إنه يتوقع أن تعقد الولايات المتحدة وإيران محادثات في إسلام أباد نهاية الأسبوع، وأن هذه المحادثات ستكون أوسع نطاقاً مما كان متوقعاً، لتشمل الصواريخ الإيرانية والمليشيات المتحالفة معها، بالإضافة إلى ضمانات أمنية لطهران.
ومع تطور المشهد الدبلوماسي، بدأت ملامح ما يعرض على طاولة المفاوضات تتضح، فتقارير استخباراتية كشفت أن خطة من 15 بنداً لإنهاء الحرب قد تم تسليمها إلى المسؤولين الإيرانيين عبر وسطاء باكستانيين، وهذه الخطة، وفقاً لما نقلته شبكة CNN، تشمل قضايا البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
لكن إيران، حتى في خضم هذه التحركات الدبلوماسية، ظلت متمسكة بمواقفها، ومصادر في وزارة الخارجية الباكستانية كشفت أن طهران لاتزال "مترددة" في الانضمام إلى المفاوضات المقترحة دون "ضمانات معينة"، تشمل ألا يكون برنامجها الصاروخي جزءاً من المحادثات، وألا تكون هناك عمليات عسكرية مستقبلية ضدها، بالإضافة إلى تعويضات عن الخسائر التي ألحقها القصف الأمريكي الإسرائيلي.
وهذه المطالب تعكس حقيقة أساسية: النظام الإيراني، حتى في لحظة الضعف بعد تدمير منشآته النووية ومقتل قادته، لايزال ينظر إلى البرنامج الصاروخي كخط أحمر، ويعتبر أن أي تفاوض حوله يعني تفكيك عنصر الردع الأساسي لديه، وفي المقابل تدرك واشنطن أن أي اتفاق لا يتناول هذا الملف سيكون مجرد هدنة مؤقتة، وليس حلاً دائماً.
بينما كان الدبلوماسيون يتنقلون بين العواصم، كانت قوات عسكرية إضافية تتجه نحو المنطقة، فتقارير من وزارة الدفاع الأمريكية أكدت أن حوالي 2500 جندي من مشاة البحرية يتم نشرهم مع سفن حربية إضافية، في إضافة إلى 2500 جندي سبق ونشرتهم واشنطن في الأسابيع السابقة، والسفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس بوكسر"، مع وحدتها البحرية المدمجة، أصبحت في موقع متقدم، جاهزة للقيام بعمليات برمائية وتأمين الممرات المائية إذا دعت الحاجة.
هذا التحرك العسكري لم يمر دون قراءة من الجانب الإيراني، فوسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري رأت فيه تأكيداً على أن واشنطن تحاول "خداع إيران" مرة أخرى، كما حدث في يونيو 2025 وفبراير 2026، حيث تم الهجوم في خضم مفاوضات كانت جارية، وفي بيان حاد، قال مجلس الدفاع الوطني الإيراني إن أي محاولة لضرب السواحل أو الجزر الإيرانية ستقابل بنشر أنواع مختلفة من الألغام البحرية عبر جميع طرق الوصول وخطوط الاتصال في الخليج العربي، محذراً من أن الخليج بأكمله سيواجه وضعاً مماثلاً لمضيق هرمز لفترة طويلة.
وأثناء كل هذا الزخم، ظهرت بوادر خلاف بين أقرب حليفين، فبينما كانت إدارة ترامب تتحدث عن "الهدنة" و"المحادثات الإنتاجية"، قامت إسرائيل بضرب حقل غاز جنوب بارس الإيراني في الخليج، وهو الحقل الذي تتشاركه إيران مع قطر، ورد ترامب كان مفاجئاً: "الولايات المتحدة لم تكن تعلم شيئاً عن هذا الهجوم تحديداً"، مضيفاً أنه لن يُسمح بمزيد من الهجمات على حقل الغاز.
ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان أكثر وضوحاً: إسرائيل لم تخطر الولايات المتحدة قبل الضربة، وهذه المرة كانت المرة الأولى التي يظهر فيها خلاف علني بين الحليفين منذ بدء الحرب، وكشفت عن اختلاف جوهري في الأهداف: إسرائيل تريد تدمير القدرات الإيرانية بشكل دائم، بينما الولايات المتحدة تحاول معايرة التصعيد دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي خابارد اعترفت أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب أن "الأهداف التي حددها الرئيس تختلف عن الأهداف التي حددتها الحكومة الإسرائيلية"، وهذا الاختلاف، وفقاً للمحللين، يعكس فجوة متنامية في تحديد أولويات الحرب، حيث تفضل واشنطن حلاً دبلوماسياً يحفظ ماء الوجه، بينما تصر تل أبيب على تدمير قدرات خصمها الإقليمي الرئيسي.
وإذا جمعنا قطع اللغز المتاحة، يمكننا أن نرسم ملامح مقاربة لصانع القرار الحقيقي الذي تتعامل معه واشنطن، فبعد يوم واحد فقط من بدء الحرب في 28 فبراير، قامت وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتواصل بشكل غير مباشر مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، عبر جهاز استخبارات دولة ثالثة، عارضة مناقشة شروط إنهاء الصراع، وهذا التواصل المبكر كان مؤشراً على أن ثمّة من يريد فتح قنوات اتصال مستقلة عن القيادة الرسمية المعلنة.
وبحسب مصادر إقليمية، فإن الشخصيات التي تتولى هذا الملف هي مزيج من شخصيات نافذة في الحرس الثوري، لكنها ليست بالضرورة من القيادات العليا المعلنة، إضافة إلى شخصيات مدنية ذات خبرة في الملفات التفاوضية، والمصادر تؤكد أن الحرس الثوري هو المؤسسة الأكثر تماسكاً واستمرارية بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت القيادات الدينية والسياسية، وهو ما يجعل المرشح الأقرب لهذا الدور من داخل صفوفه.
ربما الأقرب إلى التوصيف هو اللواء حسين طائب، رئيس الاستخبارات السابق في الحرس الثوري، الذي لعب دوراً محورياً في ترتيب البيت الداخلي لإيران بعد اغتيال المرشد، هذا الرجل، الذي يدير شبكة استخباراتية معقدة، والذي تربطه علاقات وثيقة بالحرس وبالمرشد الجديد، هو المرشح الطبيعي ليكون جسر التواصل مع واشنطن، كما أن ترامب قال بوضوح إنه لا يكشف هوية الشخص "لأنني لا أريد أن يُقتل"، مما يعني أن هذه الشخصية تدرك أن ظهورها العلني سيجعلها هدفاً للاغتيال، كما حدث مع علي لاريجاني وغيره من القيادات التي قُتلت في الأسابيع الأخيرة.
وربما السؤال الأهم ليس "من هو الرجل الخفي؟" بل "لماذا هذا الغموض؟" الإجابة تكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه، فبعد سلسلة الاغتيالات التي طالت القيادات الدينية والعسكرية، أصبح النظام يعاني من أزمة ثقة عميقة، فمن جهة لا يمكن للمرشد الجديد مجتبى خامنئي أن يعترف علناً بأنه يتفاوض مع "العدوالأكبر" الولايات المتحدة، لأن ذلك سيضعفه أمام القواعد المتشددة التي تدعمه، ومن جهة أخرى، فإن الحرس الثوري يريد أن يحتفظ بخيار التفاوض كأداة لإنهاء الحرب، لكنه لا يريد أن يظهر بمظهر "المستسلم" أمام خصومه الداخليين.
لذلك، فإن "الرجل الخفي" هو حل وسط: شخصية أو شبكة من الشخصيات، تملك الصلاحية للتفاوض، لكنها لا تملك الشرعية للاعتراف بذلك علناً، وهذا ما يفسر التناقض الصارخ بين تصريحات ترامب عن "محادثات إنتاجية" ونفي إيران الرسمي لأي تواصل. ومع اقتراب نهاية المهلة الخمسة أيام، يظل السؤال الأكبر مفتوحاً: هل تؤدي المحادثات التي تحدث عنها ترامب إلى اتفاق حقيقي، أم أن المهلة كانت مجرد فترة لإكمال الانتشار العسكري تمهيداً لمرحلة جديدة من التصعيد؟
المصادر الدبلوماسية تبدو متشككة، فالدكتورة سنام فاكيل من معهد تشاتام هاوس قالت إن العديد من الدول "تتسابق" لتهدئة الصراع، لكنها لا ترى استعداداً من أي طرف لتقديم تنازلات حقيقية، وأضافت: "لا أعتقد أن ترامب يستطيع الانسحاب من هذه الأزمة التي خلقها بنفسه، وأنا لا أرى إيران تستسلم، إنهم يشعرون أن لديهم اليد العليا والورقة الرابحة، وهذا يتعلق ببقائهم".
من ناحية أخرى، يرى محللون أن الثمانية وأربعين ساعة الأولى من التهديد، ثم التمديد لخمسة أيام، ثم الدخول في محادثات مباشرة مع صانع قرار خفي، كلها مؤشرات على أن القواعد تغيرت، فحتى لو لم تكن المحادثات تمثل الطرف الرسمي الأول في إيران، فإن وجود قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن يمثل اختراقاً في حد ذاته، خاصة بعد عقود من المفاوضات غير المباشرة عبر وسطاء أوروبيين أو عُمانيين.
وبينما يمسك "الرجل الخفي" بخيوط الحرب والسلام في الظل، وتتلاعب القوى الكبرى بمصير مضيق هرمز كما لو كان رهينة في لعبة إقليمية، ويقف المواطن العادي في إيران والخليج والعالم العربي أمام شاشاته لا يملك من الأمر شيئاً سوى انتظار ما ستسفر عنه ساعات الحسم من خراب أو هدنة.. فمن سينتصر في النهاية: منطق التفاوض السري الذي يصنع السلام على مقاس النخب المتصارعة، أم إرادة الشعوب التي تدفع الثمن دماءً ومعيشةً واستقراراً، وهل سينتهي هذا الصراع بتسوية تضع حداً لمعاناة الملايين، أمأنه مجرد مقدمة لحرب أوسع ستعيد رسم الشرق الأوسط على طريقة من يمسك بورقة الغاز والنفط والدم؟
ففي عالم الاستخبارات والتحليلات الاستراتيجية، قلما نصل إلى يقين مطلق، لكن ما يمكن تأكيده، بناءً على المصادر الموثقة، هو أن "الرجل الخفي" الذي تتفاوض معه واشنطن هو شخصية رفيعة المستوى داخل الحرس الثوري، تتمتع بثقة المرشد الجديد وبتأييد شبكة القيادة العسكرية، وتملك خبرة سابقة في الملفات التفاوضية والأمنية، وهذا الشخص يفضل البقاء في الظل، ويتواصل مع واشنطن عبر قنوات خلفية ومع وسيط باكستاني، حفاظاً على حياته ولتجنب انكشافه.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام القادمة هو: هل يمكن لهذا الرجل الخفي أن يبيع لطهران شروطاً قد تُقرأ كاستسلام؟ أم أن هذه المحادثات ستكون مجرد هدنة مؤقتة، يعقبها انفجار أعنف؟ ففي عالم الشرق الأوسط، حيث لا شيء كما يبدو، تبقى الإجابات معلقة بخيوط لا يملكها إلا من يعرف أسرار ما وراء الستار.
لكن شيئاً واحداً بات مؤكداً: الحرب غيرت قواعد اللعبة إلى الأبد، فحتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فإن النظام الإيراني الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو نفسه الذي دخلها، والشرق الأوسط الذي سيتشكل في الأسابيع والأشهر القادمة سيكون مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل أن تبدأ الصواريخ في عبور سماء طهران، وقبل أن يكشف "الرجل الخفي" عن وجوده لأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
---------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






