في الحرب الراهنة على إيران، تُختبر العديد من المفاهيم وفي مقدمتها مفهوم "الأمن المطلق". يقف هذا المفهوم في قلب حروب الاستنزاف الطويلة التي يشهدها العالم منذ مطلع ثمانينات القرن العشرين، لاسيما بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان في عام 1979، والذي أطلق حربا طويلة استمرت عقدًا من الزمان وانتهت بانسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان في عام 1989، وكذلك الحرب العراقية-الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات فيما بين عامي 1980 و1988. وكان للحربين تداعيات تجاوزت الجغرافيا المباشرة، ولا تزال ممتدة في الزمن إلى الآن. هذا التوجه نحو حروب الاستنزاف الطويلة، لم يتوقف بعد انتهاء الحرب الباردة رسميًا، مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، بل شهدنا توسعًا في الحروب الدولية والحروب الأهلية المرتبطة بتفكك الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا، والتي انخرطت فيها أيضًا القوى التي لم تشملها عملية تقرير المصير في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكذلك الحروب المرتبطة بأزمات بناء الدولة بعد الاستعمارية، لاسيما في أفريقيا وفي آسيا.
هناك العديد من العوامل التي كانت تغذي الصراعات والحروب التي اندلعت في أنحاء متفرقة من العالم مع بداية الألفية إضافة إلى الصراعات المزمنة، في منطقة الشرق الأوسط، حيث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمشكلة الكردية، وحراك الأقليات القومية والعرقية التي تعرضت للتهميش والقمع من قبل النخب الحاكمة في الدول ما بعد الاستعمارية. وأدخلت هذه الحروب تغيرات على مفهوم "الأمن القومي"، و"المعضلة الأمنية"، التي تواجهها كثير من المجتمعات والدول نتيجة للديناميات الناجمة عن التفاعل بين مصادر التهديد الخارجية ومصادره الداخلية، والتي أدت إلى صراعات اجتماعية طويلة وممتدة، فيما بين الدول وداخلها، الأمر الذي ساعد على انتشار حروب الاستنزاف الطويلة. واكتسبت هذه الحروب أبعادًا جديدة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، وحرب غزة في أكتوبر 2023، بسبب الطابع الشامل للحربين مع امتداد تأثيرهما من جبهات القتال ليشمل المقومات الأساسية للمجتمعات والدول على حد سواء. ومع استمرار الحربين واحتمال اندلاع حروب أخرى في العالم، على النحو الذي تظهره الحرب الدائرة الآن مع إيران، فمن المرجح أن تصبح حروب الاستنزاف الطويلة هذه سمة رئيسية للحروب في المستقبل.
حروب الاستنزاف الطويلة في الشرق الأوسط
تعاني منطقة الشرق الأوسط منذ ظهور النظام الدولي الراهن في أعقاب الحرب العالمية الأولى، من صراعات ممتدة ومعقدة. وعلى الرغم من أن جذور هذه الصراعات ربما تعود إلى عقود سابقة على ميلاد الدولة المعاصرة في الشرق الأوسط، وترتبط بشكل خاص بتفكك الإمبراطورية العثمانية وتدخل القوى الأوروبية الكبرى التي كانت تتصارع على تركة رجل أوروبا المريض، الأمر الذي أدى إلى أن أصبحت المنطقة مرجلًا لصراعات مزمنة وممتدة في الجغرافيا والتاريخ، والتي كانت السبب الرئيسي في سلسلة من الحروب القصيرة نسبيًا، التي كانت تندلع من حين لآخر بسبب هذه الصراعات المستعصية على الحل، وعلى التسوية السياسية المترتبة من حلول تفاوضية. هذا الوضع المعقد، يدفع الأطراف الإقليمية المختلفة وأيضًا الأطراف الدولية إلى منطق "إدارة" الصراع، لاعتقادهم الراسخ في صعوبة التوصل إلى حلول أو تسويات مستقرة لهذه الصراعات، الباردة والساخنة. لقد كانت السمة الأساسية للحروب الدولية في الشرق الأوسط أنها كانت حروبًا قصيرة ومتكررة. لكن هذا الوضع بدأ يتغير اعتبارًا من ثمانينات القرن العشرين، نتيجة للتطورات الداخلية والإقليمية والدولية واندلاع سلسلة من الحروب والصراعات منخفضة الشدة، على النحو الذي رأيناه في الحرب الأهلية في لبنان (1975 – 1989) وفي السودان منذ عام 1982، والعراق بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، ثم في سلسلة من الحروب الأهلية التي اندلعت في أعقاب الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت العديد من البلدان العربية في عام 2011.
إن الحدثين الأبرز اللذين غيَّرا وجه الشرق الأوسط، وقعا في عام 1979. وهما الثورة الإيرانية التي اندلعت في السابع من يناير عام 1977، وانتصرت في 11 فبراير عام 1979، وأطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، أقوى حليف لواشنطن في منطقة الخليج العربي، والغزو السوفيتي لأفغانستان في 24 ديسمبر 1979. ثمة ارتباط وثيق بين الحدثين الكبيرين، أشرت إليه في مقال سابق. وأدى الحدثان إلى سلسلة من التداعيات التي لا تزال تفاعلاتها المتسلسلة تعمل إلى اليوم. كتبت في مقال آخر ضمن سلسلة المقالات عن "حرب غزة 2023"، عن "التفاعل المتسلسل"، الذي أوصل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى الجولة الحالية من الحرب الإسرائيلية الفلسطينية وتداعياتها الإقليمية والدولية. وتُعد الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أحد التداعيات الأساسية لحرب غزة، غير أن هذه الحرب قد تكون الشرارة لحرب إقليمية أوسع أو ربما إلى حرب عالمية ممتدة، إذا استمرت لفترة طويلة. فالحرب الراهنة تمتد بالفعل لتشمل دولًا أخرى في المنطقة، وخصوصًا في منطقة الخليج وتهدد بزعزعة استقرار المنطقة كلها، وربما الاستقرار العالمي، نتيجة إغلاق المجال الجوي والتهديدات الموجهة للممرات الملاحية الرئيسية، لاسيما مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية الأوسع نطاقاً. والتي تنطوي على احتمالات لتصعيد الحرب الراهنة من حرب إقليمية إلى حرب عالمية، إذا تفاعلت مع حروب أخرى وصراعات بازغة في العالم.
يرتبط مفهوم حرب الاستنزاف الطويلة بالمواجهة المستمرة منذ عقود بين الولايات المتحدة والنظام الحالي في إيران، والتي تغذيها العديد من الخطوات الخاطئة وسوء الفهم المتبادل بين الدولتين، والأهم الطموحات المتعارضة بين الرؤيتين للمنطقة والعالم. في كتاب "النظام العالمي" الصادر أواخر عام 2013، اعتبر هنري كيسنجر في القسم الذي خصصه لرؤية العالم الإسلامي للنظام العالمي، أن الأصولية الإسلامية الإيرانية أكثر خطرًا على المصالح الأمريكية من الأصولية الإسلامية السنية، لعدة أسباب في مقدمتها أن الرؤية التي يطرحها مشروع الثورة الإسلامية والنموذج الذي قدمته في الحكم وفي إدارة الدولة ملهمة للتيارات الإسلامية في المنطقة على الرغم من الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، ونظرًا لأن هذه الأصولية تمتلك رؤية عالمية تعطي قوة لطابعها الثوري والتقدمي. ورأى كيسنجر في الكتاب الذي كتبه قبل التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني بعامين، أن الكثير من القضايا المُعلَّقة في منطقة الشرق الأوسط مرهونة بالنتيجة التي قد تسفر عنها المفاوضات بين إيران والقوى العالمية الكبرى. ورأت إسرائيل والسعودية ودول عربية أخرى، لاسيما في منطقة الخليج أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عام 2015، يشكل خطورة عليها، لأنه يمكن إيران من المضي قدمًا في برنامجها النووي السلمي ويعزز مصادر القوة للدولة الإيرانية. وتبنى الرئيس ترامب الذي وصل إلى البيت في عام 2016، لهذا الرأي وقرر الانسحاب من الاتفاق النووي من جانب واحد، وتراجع عن منهج الحل التفاوضي مع إيران.
لقد أضاع انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران نقطة تحول حاسمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ولم تتمكن إدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية السابقة في استعادة زمام هذا التحول نظرًا للتعارض الشديد بين التصورات الأمريكية والإيرانية لحل الخلاف الذي ترتب على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، الذي لم يعالج جوانب أخرى في سياسة إيران الخارجية في المنطقة ولم يتطرق إلى المكونات الأخرى في استراتيجيتها العسكرية، لاسيما برنامج الصواريخ بعيدة المدى، التي تراها القوى الإقليمية الأخرى تهديدًا مباشرًا وحالًا يفوق التهديد النووي غير المباشر والمؤجل. ترافق مع هذا الانسحاب صعود للتيارات الدينية والمتشددة في إسرائيل وفي إيران إلى السلطة، الأمر الذي أدخل المنطقة في مرحلة جديدة، مما أطلق عليه المفكر والروائي الباكستاني الأصل طارق علي، "صدام الأصوليات"، نتيجة لتحكم تيارات سياسية عقائدية تخوض صراعا حول المطلقات في القرار السياسي في كل من إسرائيل وإيران، واعتقاد هذه التيارات بإمكانية حسم الصراع من خلال القوة المسلحة.
لقد وفرت الحروب الراهنة، سواء في أوكرانيا أو في غزة أو في لبنان واليمن، وكذلك الحرب الراهنة الآن في إيران، فرصة لاختبار فكرة "الحسم" التي داعبت خيال بعض القوى السياسية والأمنية في إسرائيل، وبعض الدوائر في إدارة ترامب، ولم تصمد هذه الفكرة، على ما يبدو، في الاختبار في الحروب المشار إليها، إلا أن نجاح ترامب في فنزويلا، أغراه على تجربتها مع إيران، تمهيدًا لتطبيقها في مناطق أخرى في الكاريبي، مع كوبا، ثم في "جرينلاند" مع أوروبا، إلا أن النتائج في إيران مخيبة لآماله إلى الآن. فكرة "الحسم" هذه طُرحت في سياق الملل من منطق إدارة الصراع، والوقوع تحت تأثيرات تصورات أيديولوجية جامدة ترفض منطق الحلول الوسط التي يمكن التوصل إليها من خلال التفاوض وتقديم تنازلات متبادلة. والفرضية الأساسية التي تقوم عليها هذه الفكرة غير واقعية، على ما يبدو، نظرًا لامتلاك الأطراف الأكثر ضعفًا، خصوصًا مع التزايد في "الحروب غير المتكافئة" التي نشهدها في العالم، ومع تطوير تكتيكات واستراتيجيات للصراع تسعى إلى تعويض الخلل الشديد في ميزان القوة بين الأطراف المتصارعة. وعلى الرغم من الفجوة الكبيرة في موازين القوة نظرًا للتقدم الكبير في التسلح نتيجة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن القومي والاستراتيجية والحرب، إلا أن من الثابت هذه التقنيات تمكن أيضًا الأطراف الأضعف من امتلاك القدرة على مواصلة القتال وتكبيد الخصم خسائر. ومن الواضح أيضا أنها لم توفر حلولًا لمعضلة الأمن الملازمة لمنطق الدولة وفكرة الأمن الوطني.
المعضلة الأمنية ووهم الأمن المطلق
رغم ارتباط مفهوم الأمن بالخوف كغريزة متأصلة في البشر، إلا أن "المعضلة الأمنية" كمفهوم حديث، صاغه عالم السياسي الأمريكي جون هيرتز في خمسينات القرن الماضي وجرى تطويره على أيدي علماء سياسة آخرين، هي ظاهرة اجتماعية بالأساس وليست أمًرا متأصلًا في الطبيعة البشرية. وتشير إلى حالة الفوضى التي تعد سمة أساسية للعلاقات الدولية، حيث لا توجد سلطة تعلو سلطة الدولة التي تحتكر وحدها تحديد كيفية التعامل مع التهديدات الخارجية والداخلية التي تواجهها، واتخاذ ما ترى أنه يحقق أمن مواطنيها ومجتمعها، استنادًا إلى مبدأ السيادة الوطنية، ويعني ذلك سعى الدولة المستمر لامتلاك أدوات القوة التي تمكنها من حماية أمنها، وما يترتب على ذلك من غياب الأمن المطلق، والاستعاضة عنه بآليات مثل الحفاظ على ميزان القوة في مواجهة الدول الأخرى وامتلاك وسائل الردع، الذي يعني القدرة على تحمل الضربة الأولى وامتلاك القدرة على توجيه الضربة الثانية للخصم. وقد يتطلب الحفاظ على ميزان القوة والردع أن تتحرك الدول باستمرار لمنع حدوث خلل في توازن القوى، والسعي المستمر للوصول إلى حالة من "الأمن المطلق"، الذي يعني إزاحة مصادر التهديد القريبة أو البعيدة، الأمر الذي يُعمق المعضلة الأمنية بدلًا من حلها، ذلك أن الخلل في ميزان القوة قد يغري الطرف الأقوى للعدوان المستمر من أجل الحفاظ على ميزان القوة الراهن، الأمر الذي يدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن بدائل لتعويض الضعف ومواصلة القتال. وتقدم منطقة الشرق الأوسط حالة مثالية لذلك، إذ أدى سعي القوى المختلفة في المنطقة إلى تعميق المعضلة الأمنية وجعل المنطقة بأكملها أقل أماناً، حيث تدفع السياسات الإسرائيلية منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، إلى استمرار الحرب إلى أن تتمكن من تحقيق أهدافها.
لكن هناك مشكلات أخرى منها الفشل في التوصل إلى ترتيبات إقليمية تحقق الأمن لدول المنطقة على المستويين الوطني والإقليمي، بسبب العداوات المريرة بين هذه الدول. أولى هذه المشكلات يتمثل في الاعتقاد بالخصوصية أو التفرد، وأن دول المنطقة تمثل استثناء من المنطق العام الذي ينطبق على الدول الأخرى في العالم. يزداد هذا الإحساس بالتفرد والاستثناء في الحالة الإسرائيلية خصوصًا مع صعود القوى اليمينية المتطرفة، وسعيها لتحقيق أهداف غير واقعية، بل تكاد أن تكون مستحيلة. هذا الأمر واضح تماماً في الحرب الإسرائيلية على غزة، وتكرر في الحرب على إيران، التي دخلتها الولايات المتحدة وإسرائيل استنادًا إلى تصورات نظرية خاطئة، لاسيما فيما يخص هدف تغيير النظام الحاكم في إيران، أو تدمير قدراتها العسكرية، لاسيما قدراتها الصاروخية، التي ترى إسرائيل أنها، بالإضافة إلى البرنامج النووي والسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار ودعم الفصائل المسلحة المعادية، تشكل تهديدًا لوجودها. وبغض النظر عما إذا كانت إسرائيل تواجه تهديدا وجوديا بالفعل، فإن خطاب كبار المسؤولين الإيرانيين يعزز لديهم أن إيران ترفض وجود إسرائيل وتسعى إلى القضاء عليها، مما يعزز التصور الإسرائيلي بأنها تواجه تهديًدا يمس وجودها ذاته. وتدفع مثل هذه التصريحات الولايات المتحدة التي تعتبر بقاء إسرائيل وضمان أمنها مصلحة أمريكية، ومن التزامها بضمان تفوق إسرائيل عسكريًا على أي تحالف محتمل فيما بين القوى الإقليمية المعادية لها.
على الرغم من أن الاعتقاد بوجود تهديد وجودي لإسرائيل، هو تصور أيديولوجي أكثر من كونه هدفًا قابل للتحقق، إلا أن الحرب الراهنة هي محصلة للمعضلة الأمنية التي تشكلها إيران لإسرائيل ودول الخليج العربية منذ عام 1979، كما أنها أيضا ناجمة عن السياسات الإيرانية لمعالجة المعضلة الأمنية التي تواجهها، أو بالأحرى للتعامل مع إحساسها بانعدام الأمن، نظرًا للعقبات التي تحول دون قدرة الطرفين على الانتقال من الصراع إلى تحقيق السلام والتعاون، على الأقل في ظل النظام الراهن في إيران. ويبقى السؤال المطروح نظريًا، هل يمكن تغيير نمط العلاقة السائدة بين إيران من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الإقليمية الأخرى، من الصراع إلى التعاون؟ هناك اختلاف حتى فيما بين المنتمين للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية حول طبيعة العلاقة بين دولتين تسعيان إلى تحقيق الأمن، فالواقعية الهجومية تستبعد بشدة بناء الثقة والتعاون فيما بين الدول، في ظل حالة "عدم اليقين" التي تعد سمة للسياسة العالمية، بسبب نقص المعلومات، في حين يرى أنصار الواقعية الدفاعية، أن الدول العقلانية قادرة على إيجاد سبل لمواجهة التعقيدات الناجمة عن سوء الفهم وانعدام الثقة، والحد من حالة عدم اليقين إلى مستويات لا تمنع التعاون فيما بين الدول. على الرغم من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2015، وانفراج العلاقات بين السعودية وإيران بمبادرة صينية في عام 2023، إلا أن التناقض الجذري بين إسرائيل وإيران يجعل هذه الجهود غير مثمرة، الأمر الذي يؤكده الرد الإيراني على الاقتراح الأمريكي لوقف الحرب واستئناف المفاوضات في ضوء انعدام ثقة إيران الشديد في النوايا الأمريكية والإسرائيلية.
من الممكن الوصول إلى هذا الوضع إذا اقتنعت الأطراف المنخرطة في الحرب بعدم جدوى اللجوء إلى القوة المسلحة لتغيير الوضع، والشروع في إجراءات لبناء الثقة، لكن الأهم هو التحلي بقدر من الواقعية الذي يفترض أنه لا يمكن للدول التغلب على "معضلة الأمن" إلا من خلال الفهم المتبادل لتصورات الطرف الآخر ومخاوفه والسعي لوضع ترتيبات إقليمية وضمانات دولية تحقق الأمن للدول. وقد تظهر الحروب التي تعاني منها المنطقة منذ أكتوبر 2023، أنه لا يمكن تحقيق الأمن بالاعتماد فقط على القوة وإنما من خلال تسويات سياسية والتعاون فيما بين الدول. ولا يمكن أن يتحقق هذا دون كسر "الحلقة المفرغة" من خلال التعامل مع الأسباب الجذرية التي تدفع الدول إلى السعي إلى تراكم عناصر القوة، والتغلب على إدراكها بانعدام الأمان. لقد أظهرت حرب غزة وتداعياتها أن الضمانات الأمريكية لإسرائيل وللقوى الإقليمية لا تحقق الأمن لإسرائيل، أو لأي من القوى الإقليمية الأخرى. وما لم يتم التعامل مع الأسباب الجذرية للصراع، ستسعى الدول الأخرى في المنطقة إلى تعزيز قوتها العسكرية لردع أي تهديد قد تواجهه، خصوصًا مع تزايد شعورها بالخوف من احتمال تعرضها للهجوم من قبل القوى الإقليمية الأخرى الساعية للسيطرة، الأمر الذي يُقوّض الجهود الرامية إلى وضع ترتيبات إقليمية مشتركة لضمان أمن الدول المختلفة، خصوصًا مع بروز مصادر جديدة للتهديد نتيجة للتطور في الأسلحة القادرة على الوصول إلى أهداف تبعد آلاف الأميال، بسبب القدرات الصاروخية والمسيرات.
أدى دخول لاعبين من غير الدول في الصراع إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية، مثل جماعة حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، في معادلة المواجهة العسكرية إلى تغيير ميزان القوة من ناحية وبروز أشكال جديدة للمواجهات العسكرية الهجينة وغير المتماثلة، مما يعزز من الإحساس بانعدام الأمن، الذي تعاني منه إسرائيل ودول أخرى في المنطقة. وأضاف الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، إلى مصادر تهديد تقليدية من داخل الإقليم مصدرًا جديدًا من خارجه، ويزيد حالة العجز الأمني الذي تعاني منه المنطقة ويزيد من ديناميكيات انعدام الأمن المتفاقمة. وأدى هذا الغزو إلى تعميق إحساس القوى الرئيسية في المنطقة، ومن بينها إيران، وحتى دول حليفة لواشنطن، بمعضلتها الأمنية. وأظهرت الحرب الأخيرة أن الوجود العسكري الأمريكي قد يكون سببًا في تعرض أمن هذه الدول للتهديد بدلًا من أن يكون عاملًا في حمايتها.
---------------------------------
بقلم: أشرف راضي






