28 - 03 - 2026

حين تتطاول الرمال على الجبال.. أدبوا ألسنتكم عن مصر

حين تتطاول الرمال على الجبال.. أدبوا ألسنتكم عن مصر

حين يتطاول مستشار أو كاتب مأجور في عاصمة خليجية على مصر، ويصفها بالهشاشة أو يُلمّح إلى الاستغناء عنها، فإنه لا يُصدر حكماً سياسياً قابلاً للنقاش، بل يكشف عن جهل تاريخي مُقيم وعقدة نفسية مُزمنة. وهذه الكلمات ليست دفاعاً عاطفياً عن مصر، فمصر لا تحتاج إلى دفاع، بل هي نقاط فوق الحروف لمن أعماه بريق البترودولار عن رؤية الحقيقة.

سبعة آلاف سنة في مواجهة خمسين عاماً

مصر ليست دولةً نشأت بقرار أمريكي أو بترسيم استعماري على خريطة. مصر حضارة ضاربة جذورها في أعماق الزمن منذ ما يزيد على سبعة آلاف عام، حين كانت الجزيرة العربية بأسرها صحراء مجهولة لا اسم لها في سجلات التاريخ. الفراعنة بنوا الدولة والقانون والعلم والفن والهندسة حين لم يكن في الجزيرة العربية كلها ما يستحق التدوين. ثم جاء الإسلام فكانت مصر أول من حمل رايته وأعمق من استوعب روحه وأقوى من دافع عن وجوده، من صلاح الدين الذي حرر القدس إلى المماليك الذين كسروا المغول في عين جالوت وأنقذوا الحضارة الإسلامية من الفناء.

أما الكيانات التي تتطاول اليوم على مصر، فأعمارها في أحسن الأحوال لا تتجاوز خمسين إلى مئة عام، وأغلب هذا التاريخ القصير لا يخلو من تآمر وخيانة وارتهان للخارج. فأي ميزان هذا الذي يجعل من الوريث الشرعي لأعرق حضارة في التاريخ "دولة هشة"، ومن الطارئ أمس على خريطة الأمم حكماً على الآخرين؟

الحماية الوهمية والجزية المدفوعة

تُنفق دول الخليج مئات المليارات من الدولارات سنوياً على صفقات أسلحة لا تُشغّلها، وعلى قواعد عسكرية أمريكية لا تحميها. والحقيقة التي يعرفها الجميع ويتحاشى قولها هي أن واشنطن صريحة تماماً في تقييمها لجنودها الأمريكيون أثمن من عروش الخليج وأمرائه وشيوخه، وحسابات الحرب الأمريكية لا تضع حياة جندي واحد في كفة مع استمرار أي نظام خليجي.

ولعل المشهد الأكثر دلالةً هو ما رأيناه حين ضربت الصواريخ اليمنية منشآت أرامكو عام ٢٠١٩ ضربةً موجعة وسط صمت أمريكي مدوٍّ، ثم حين تقدمت القوات الإيرانية وحلفاؤها في محاور متعددة فلم تتحرك قاعدة أمريكية واحدة للدفاع بمبادرة ذاتية. المعادلة واضحة: الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ليس لحماية الخليج، بل لحماية المصالح الأمريكية وورقة الضغط على النفط والممرات. أما العروش فهي من تدفع الجزية، لا من تستلم الحماية.

مصر في المقابل بنت قوتها بدمها. حروب خاضتها بجيشها الوطني لا بمرتزقة مستأجرين، وانتصارات حققتها بتضحيات شعبها لا بشيكات مكتوبة لواشنطن. وحتى في لحظات الهزيمة كانت مصر تنهض من تحت الركام بإرادة الأمة لا بإذن من سيد خارجي.

من فتح أبوابه لمن؟

حين هرب الكويتيون من الغزو العراقي عام ١٩٩٠، كانت مصر أولى من فتحت لهم الأبواب واستوعبت أعداداً كبيرة منهم. وحين نزح العراقيون بعد ٢٠٠٣ والسوريون بعد ٢٠١١، كانت مصر الملاذ الذي لجأ إليه مئات الآلاف دون شروط مسبقة أو فواتير مقدمة. والأغرب أن دول الخليج التي تتباهى بثروتها كانت الأشد تقتيراً في استقبال اللاجئين العرب من أبناء أمتها، حتى غدا المال الوحيد الذي يفتح أبوابها شرطاً لا يملكه المهجّر الفارّ بروحه.

مصر لم تفعل ذلك لأنها غنية، بل فعلته لأنها تمتلك ما لا تشتريه الأموال: قيماً راسخة تمتد عبر آلاف السنين من الحضارة والإنسانية. الكرم المصري ليس ترفاً يمارسه من يملك، بل هو طبع يمارسه من يعرف من هو.

التطاول له ثمن

للذين يظنون أن المال يمنح صاحبه حق الحكم على الحضارات وتقييم الأمم، نقول بوضوح: التطاول على مصر له ثمن، ليس بالمعنى التهديدي الرخيص، بل بالمعنى التاريخي العميق. كل من حاول إضعاف مصر أو النيل من كرامتها أو تقليص دورها في محيطها دفع الثمن، لأن غياب مصر أو إضعافها لم يُفضِ يوماً إلى استقرار المنطقة، بل أفضى دائماً إلى فراغ ملأه الفوضى والتدخل الأجنبي والصراع الأهلي.

من يريد خليجاً مستقراً وأمةً محترمة وعالماً عربياً قادراً على حماية نفسه، يحتاج مصر قوية لا مصر مُستنزفة. ومن يعمل على إضعاف مصر بأمواله أو بقلمه المأجور أو بتآمره السياسي، إنما يحفر بيده قبره هو، لأن اليوم الذي تسقط فيه مصر لن يجد فيه أحد حائطاً يستند إليه في هذه المنطقة المضطربة.

الحضارة لا تُشترى

الفارق الجوهري بين مصر ودول تتطاول عليها اليوم ليس في الثروة ولا في القوة العسكرية المجردة. الفارق أن مصر تمتلك هوية متجذرة وعمقاً حضارياً وثقلاً إنسانياً لا يمكن شراؤه بالبترودولار ولا استيراده من واشنطن. الحضارة تبنيها آلاف السنين من العلم والقيم والتضحية، لا خمسون عاماً من الريع النفطي والولاء للسيد الأجنبي.

مصر كانت هنا قبل الجميع، وستبقى بعد الجميع. أما العروش المبنية على الرمال والمدفوعة بالجزية والمحمية بالأجنبي، فمصيرها ما يكشفه التاريخ دائماً لكل من راهن على الزوال بدلاً من البناء.

هذه ليست عاطفة، هذه جغرافيا السياسة وسنة التاريخ.
-------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


مقالات اخرى للكاتب

حين تتطاول الرمال على الجبال.. أدبوا ألسنتكم عن مصر