26 - 03 - 2026

مملكة الفرس ومملكة التوراة | من "تحالف الخلاص" التاريخي إلى صراع الوجود المعاصر

مملكة الفرس ومملكة التوراة | من

سخرية الجغرافيا ومفارقات التاريخ

تبدو قراءة المشهد المعاصر في الشرق الأوسط وكأنها تمرد صريح على نصوص التاريخ القديم.

فالمتأمل في حالة العداء الوجودي المستعرة اليوم بين طهران (وريثة الإمبراطورية الفارسية) وتل أبيب (التي تستدعي سردية مملكة التوراة)، سيجد مفارقة تاريخية صارخة.

فالتاريخ الذي يُكتب اليوم بالصواريخ الباليستية وحروب الظل، يناقض تماماً الألواح القديمة التي سجلت التحالف والإنقاذ؛ حين كانت الإمبراطورية الفارسية، بقيادة كورش العظيم، بمثابة طوق النجاة الذي أنهى السبي البابلي وأعاد بناء الهيكل.

كيف تحول الحليف التاريخي والمُخلّص التوراتي إلى الخطر الوجودي الأول؟

للإجابة، لا بد من تجريد الصراع من عباءته الدينية الكثيفة، وقراءته كمعادلة جيوسياسية صلبة.

المحور الأول ؛ الانقلاب الأيديولوجي.. من كورش إلى "تصدير الثورة"

لم تكن القطيعة بين الإرث الفارسي والمشروع الإسرائيلي وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة زلزال جيوسياسي ضرب المنطقة في عام 1979.

* سقوط شرطي الخليج / إبان حقبة الشاه، كانت العلاقات تتسم بالبراغماتية والتعاون الاستخباراتي الوثيق ضمن مبدأ "تحالف الأطراف" الإسرائيلي لمواجهة القومية العربية.

* صعود الأيديولوجيا / مع قيام الثورة الإسلامية، أُعيدت صياغة العقيدة السياسية الإيرانية. استُبدلت التحالفات القديمة بعقيدة "تصدير الثورة" ومحاربة "الاستكبار العالمي"، لتصبح إسرائيل في الأدبيات الإيرانية "الغدة السرطانية" التي يجب استئصالها، وهو ما منح طهران ورقة نفوذ أيديولوجية قوية للتمدد في المجال الحيوي العربي الإسلامي.

المحور الثاني ؛ تشريح الصراع المعاصر.. حرب الظلال وحافة الهاوية

اليوم، تدار المعركة بين المملكتين المعاصرتين بعيداً عن الرومانسية التاريخية، ووفق قواعد اشتباك معقدة تتجاوز المواجهة الكلاسيكية:

* استراتيجية "طوق النار" الإيرانية / أدركت طهران أن التفوق التكنولوجي العسكري الإسرائيلي لا يمكن مواجهته بحرب نظامية، فابتكرت استراتيجية "العمق الاستراتيجي البديل". عبر بناء شبكة معقدة من الفصائل المسلحة في العراق، سوريا، لبنان، واليمن، تمكنت إيران من محاصرة إسرائيل جغرافياً، ونقل المعركة إلى حدود الخصم دون المساس بالأراضي الإيرانية.

* عقيدة "الأخطبوط" الإسرائيلية / في المقابل، انتقلت تل أبيب من سياسة ضرب "الأذرع" (الوكلاء) إلى استهداف "الرأس" في طهران. يتجلى ذلك في حرب استخباراتية شرسة، تشمل الاغتيالات الدقيقة للعلماء والقادة، والهجمات السيبرانية على البنية التحتية، والضربات الاستباقية لمنع التموضع الإيراني في سوريا، فضلاً عن الهاجس الأكبر: تعطيل البرنامج النووي الإيراني بأي ثمن.

المحور الثالث ؛ الشرق الأوسط بين المطرقة والسندان

لا يدور هذا الصراع في فراغ، بل تدفع المنطقة بأسرها ضريبة هذه المواجهة المفتوحة. لقد تحولت الساحة الإقليمية إلى رقعة شطرنج تتبادل فيها طهران وتل أبيب الضربات، مما يضع العديد من الدول في موقف حرج بين مطرقة التمدد والنفوذ الإيراني، وسندان الردع العسكري الإسرائيلي المدعوم غربياً. هذا الاستقطاب الحاد لا يهدد فقط بابتلاع الدول الهشة، بل يعيد رسم خرائط التحالفات الإقليمية ومسارات التجارة وأمن الطاقة العالمي.

ما وراء الستار الديني

في النهاية، ورغم الكثافة العالية للخطاب الديني المستخدم من كلا الطرفين حيث تستدعي تل أبيب نصوص التوراة لتبرير أمنها القومي، وترفع طهران شعارات إسلامية لتسويغ نفوذها يبقى الجوهر الحقيقي للصراع جيوسياسياً بامتياز.

إنه صراع على الهيمنة، وتوازن القوى، ورسم حدود النفوذ في شرق أوسط جديد.

التاريخ قد يحفظ للفرس دور "المُخلّص" في النصوص القديمة، لكن الجغرافيا السياسية اليوم تؤكد أن بقاء إحدى "المملكتين" كقوة مهيمنة بات يتطلب بالضرورة تحجيم الأخرى أو كسرها.
----------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

مملكة الفرس ومملكة التوراة | من