من يظن أن النجم الأمريكي في أفول، أو أن واشنطن تعاني ضعفاً خططياً أو استراتيجياً، فهو يغفل قواعد اللعبة في النظام العالمي الجديد، الذي تعيد أمريكا تشكيله بأدوات وأطراف وخطوط جديدة. فالتراجع الظاهري للهيمنة الأحادية ليس انكساراً بقدر ما هو تحول نحو نموذج أكثر تعقيداً ومرونة، حيث تتحول أمريكا من قائد الصفوف الأمامية إلى مهندس خلف الكواليس، يدير الصراعات عبر وكلاء، ويعيد هندسة التحالفات، ويحكم قبضته على مفاصل الاقتصاد العالمي دون أن يدفع ثمناً باهظاً للوجود العسكري المباشر.
فبينما تتصاعد حدة المواجهة على الجبهة الإيرانية، وتستنزف الميزانيات العسكرية للتحالف الصهيوأمريكي، تواصل واشنطن عملها الدؤوب لوأد التنين الصيني والدب الروسي في مهديهما. وإلى جانب المعركة الدينية المشتعلة على الجانب الصهيوني، تخوض أمريكا حرباً من نوع مغاير: الحرب الاقتصادية العالمية، التي جُعلت الأراضي الإيرانية مِقدَحًا لها، بهدف الاستيلاء على أهم المضائق البحرية في العالم، وفي مقدمتها سبعة ممرات حيوية في المنطقة العربية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية (مضيق هرمز، مضيقَي البوسفور والدردنيل التركيَّين، مضيق ملقا، مضيق باب المندب، وقناة السويس في مصر) بالإضافة إلى قناة بنما في أمريكا اللاتينية، وذلك لخنق سلاسل الإمداد الصينية والروسية وشل حركتها، وقطع الطريق أمام وصول التجارة الصينية إلى أقصى بقاع الأرض، ووقف تنامي الإقتصاد الصيني.
وفي هذا السياق، تستعد أمريكا اليوم، بقرار رئاسي، لاحتلال كوبا وتغيير نظامها، على غرار ما جرى في فنزويلا، مستغلة عقيدة مونرو وملحق روزفلت كغطاء لسيطرة عالمية موسعة. فكوبا تمثل في النظرة الأمريكية حلقة وصل بين التهديد الخارجي المتمثل في الصين وروسيا، والتهديد الداخلي المتعلق بالأمن القومي. وتأتي سياسة "الاستحواذ" أو "تغيير النظام" كمحاولة لـ"إغلاق الثغرة" في الحصن الأمريكي، قبل أن تتحول الجزيرة إلى قاعدة عسكرية متقدمة للقوى المنافسة. بيد أن خشية واشنطن من تداعيات انهيار كوبا، القريبة جغرافياً (٩٠ ميلاً فقط)، تجعلها ترجح حالياً استراتيجية "الخنق الاقتصادي" على حساب "الاجتياح العسكري".
--------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير






