ليست الكتابة عن المفكرين ترفًا ثقافيًا، ولا مجاملةً عابرة، بل هي - في جوهرها - محاولة لفهم لحظةٍ فكرية تتشكل، ورؤيةٍ تسعى لأن تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وواقعه. ومن هذا المنطلق، أجدني أقف أمام تجربة الأستاذ الدكتور عادل القليعي، لا ناقلًا لكلماته، بل قارئًا لروحه التي تسكن خلف هذه الكلمات.
إن ما يطرحه القليعي لا يمكن اختزاله في مقالٍ أو موقف، بل هو مشروع إصلاحي ينبع من قناعةٍ جوهرية : أن الفكر إن لم يتحول إلى فعلٍ يُقوّم الواقع، ويهذّب السلوك، ويضيء الطريق، فلا جدوى منه، ولا معنى لبقائه حبيس الأوراق.
ومن هنا، تتبدى ملامح منهجه بوضوح؛ إذ لا يكتب ليصف، بل ليشخّص، ولا يشخّص إلا ليقترح دواءً. فالإصلاح عنده ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُحمل، تبدأ من الوعي بالداء، ولا تنتهي إلا بالسعي الجاد لاستئصاله.
إنه يدعونا - بصدقٍ لا يخلو من مرارة - إلى أن نكفّ عن وهم الاكتمال، وعن ترديد عبارات الاطمئنان الزائف: “ كل شيء على ما يرام ”، لأن في ذلك - كما يرى - بداية الخلل، ومنبع التضليل. فالأمم لا تنهض بالإنكار، بل بالاعتراف، ولا تتقدم بالتجميل، بل بالمواجهة.
وفي قلب هذا الطرح، يضع القليعي يده على أخطر ما يهدد بنية المجتمعات : تلك الشبكات الخفية من الفساد، التي لا تظهر في صورةٍ صريحة، بل تتسلل في هيئة مجاملات، ووساطات، ومحسوبيات، فتُعيد تشكيل الواقع وفق الأهواء لا الكفاءات، وتضع الإنسان في غير موضعه، فتختل الموازين، ويضيع العدل.
وهو لا يتحدث عن موضعٍ بعينه، بل عن ظاهرةٍ ممتدة، تنخر في مفاصل متعددة، وتستدعي - في نظره - موقفًا جماعيًا واعيًا، لا يكتفي بالرفض، بل يعمل على الكشف والتعرية، حمايةً للوطن، وصونًا لكرامة الإنسان فيه.
غير أن القليعي، في عمق رؤيته، لا يقف عند حدود الإصلاح المادي أو المؤسسي، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد: الإصلاح الروحي.
فالأمة - في تصوره - لا تقوم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل على توازنٍ دقيق بين المادة والروح. والإنسان، في هذا السياق، ليس إلا طاقةً تحتاج إلى شحنٍ دائم، فإذا انقطعت صلته بمصدرها الروحي، تآكل من الداخل، وانجرف نحو شهواته، حتى يفقد إنسانيته.
ومن هنا، تتجلى واحدة من أهم ركائز فكره: أن معركة الإصلاح الحقيقية تبدأ من الداخل، من النفس التي بين جنبي الإنسان، تلك التي إن لم تُروّض، قادته إلى التيه، وإن لم تُهذّب، أوقعته في شِراك ذاته قبل أن يقع في شِراك غيره.
ولا يغفل القليعي عن البعد الديني، بل يجعله محورًا أساسيًا في مشروعه، لا بوصفه خطابًا وعظيًا، بل باعتباره قوةً موجهة للوعي. فالدين - في نظره - هو روح الأمة، وأي خللٍ في فهمه أو توظيفه، ينعكس مباشرةً على سلوك الأفراد واتجاهات المجتمع .
ومن هنا، تأتي دعوته الملحّة إلى تجديد الخطاب الديني، وتصحيح المفاهيم التي شُوّهت، لا عبر شعاراتٍ جوفاء أو مؤتمراتٍ شكلية، بل من خلال عملٍ مؤسسي جاد، ينطلق من مصادره الأصيلة، ويستجيب في الوقت ذاته لفقه الواقع ومتغيرات العصر.
كما يلفت النظر إلى ثروةٍ كثيرًا ما تُهدر: العقول والكفاءات.
ففي مجتمعٍ يزخر بالعلماء والخبراء، يصبح تغييب الكفاءة جريمةً في حق المستقبل، ويغدو الاعتماد على الوساطة والمحسوبية هدمًا ممنهجًا لكل مشروع نهضوي حقيقي. ولذلك، يلحّ على ضرورة إعادة الاعتبار لمعيار الجدارة، بوصفه الطريق الوحيد لبناء دولةٍ حديثة قادرة على المنافسة.
إن قراءة فكر القليعي تكشف عن معادلةٍ واضحة، وإن بدت صعبة التطبيق:
تشخيصٌ صادق، إصلاحٌ شامل، توازنٌ بين المادة والروح، واعتمادٌ مطلق على الكفاءة، مع يقظةٍ دائمة للنفس والضمير.
لكن، ولعل هذا هو الأهم، أنه لا يُلقي بالمسؤولية على جهةٍ بعينها، بل يعيدها إلى الجميع، كلٌّ في موقعه، مستحضرًا ذلك المعنى العميق: أن الإصلاح لا يبدأ من الأنظمة وحدها، بل من الإنسان نفسه.
وهنا، تتحول الفكرة من خطابٍ موجّه إلى الآخرين، إلى مرآةٍ نُجبر على النظر فيها:
هل نحن حقًا دعاة إصلاح؟ أم أننا نكتفي بترديد كلماته؟
هل نبحث عن نهضةٍ حقيقية؟ أم عن أدوارٍ نؤديها في مسرحٍ اعتدنا الوقوف عليه؟
إن فكر د. عادل القليعي، في تقديري، لا يقدّم إجاباتٍ جاهزة، بقدر ما يوقظ الأسئلة النائمة، ويضعنا أمام مسؤوليةٍ لا يمكن التهرب منها:
أن نبدأ .. من أنفسنا .
وفي زمنٍ يكثر فيه الادعاء، ويقل فيه الفعل، يبقى الرهان - كما يلمح هو - على أولئك الذين يعملون في صمت، الذين يعطون دون ضجيج، ويؤمنون أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالإخلاص.
هؤلاء .… هم الأمل الحقيقي.
وذاك … هو الإصلاح حين يتحول من فكرةٍ تُكتب، إلى حياةٍ تُعاش.
-------------------------------------
بقلم: سمير إبراهيم زيان






